عندما يجلس الأهل والأصحاب والأصدقاء والأحباب ، يتكلمون ويستأنسون ، وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجلسون للحديث والمؤانسة ، أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ( إِيَاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ البَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ ) ، وإذا كان لا بد من مخالطة الناس في المجالس ، والاجتماع بهم فإنه ينبغي مراعاة آدابها ، التي شرعها الإسلام لتسلم من الآفات، وتكون غنمًا لا غرما ، قيل للإمام سفيان بن عيينة : ” مَا ماء الْعَيْش؟ قَالَ لِقَاء الإخوان “وقال أكثم بن صيفي حكيم العرب : ” لِقَاءُ الْأَحِبَّةِ مَسْلَاةٌ لِلْهَمِّ ” وقال الإمام الشافعي “:لَيْسَ سُرُورٌ يَعْدِلُ صُحْبَةَ الْإِخْوَانِ ، وَلَا غَمٌّ يَعْدِلُ فِرَاقَهُمْ ” قد يكون الجلساء صالحين أو فاسدين ؛ أما مجالسة الصالحين فهي خير وبركة ، وأما الفاسدين ، فهي حسرة وندامة ؛ عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء ،كحامل المسك ، ونافخ الكير، فحامل المسك ، إما أن يحذيك أي يجود عليك وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا منتنة) ، فهنيئاً لمن كان جلساؤه صالحين مصلحين ، يستفيد منهم في دينه ودنياه؛ يعلمونه إذا جهل، ويذكرونه إذا نسي، ينبهونه إذا غفل، ويحثونه على كل خير، ويحذرونه من كل شر، وبعداً وسحقاً لمن كان جلساؤه فاسدين ، يأمرونه بالمنكر وينهونه عن المعروف ، يشجعونه على كل رذيلة، ويثبطونه عن كل فضيلة، إنها الخسارة لأولئك الجلساء ، يوم العرض على الله : ﴿ الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾الزخرف 67، فلا تُكْثِر من العتاب واللوم إذا أخطأ جليسك ، أو بدرت منه هفوة ، ومنْ مِنَّا لا تصدر منه زلة أو يقع في خطأ مع أصحابه ورفاقه، وما أحسن الصفح والتجاوز ، في مثل هذه الأمور، وما أجمل تناسيها وتغافلها ، وأكثروا من ذكر الله ،عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة ) رواه أحمد ، واحرصوا على المصافحة في مجالسكم ، عن سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا لَقِيَ أَخَاهُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ تَحَاتَّتْ عَنْهُمَا ذُنُوبُهُمَا ، كَمَا يَتَحَاتُّ الْوَرَقُ الْيَابِسُ مِنَ الشَّجَرِ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ، وَإِلا غُفِرَ لَهُمَا وَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُمَا مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ) إسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات كما جاء في التقريب . وإذا رأيت الرجل يحدث حديثًا عَلِمْتَه ، أو يخبر خبرًا قد سمعته ، فلا تشاركه فيه ، ولا تتعقبه عليه فإن في ذلك خفة وشحا ، وسوء أدب وسخفًا ولا تتسمع على الجالسين ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من استمع إلى حديث قوم ، وهم له كارهون أو يفرون منه ، صب في أذنه الآنُك يوم القيامة ، ومن صور صورة عذب ، وكلف أن ينفخ فيها ، وليس بنافخ ) رواه البخاري . وهذا يدل على أنَّ الاستماع لحديث الآخرين ، بغير رضاهم وإذنهم ، هو من التجسس المحرم ، الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وحذَّر منه ، ومن صور التجسس ، التنصت على هواتف الناس ومكالماتهم، وعلى الجالس أن يحفظ لسانه ولا يقول ما يغضب الله ، ويحذر من كثرة الكلام ، إلا في الخير، عن أبي هريرة قال: قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) وعلى الجالس أن الحذر من تتبع عورات الناس، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: ( يَا مَعْشَرَ مَنْ قَدْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لاَ تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ ) ، وإذا رأى أمرًا منكرًا، أو دار النقاش حول قضية تخالف الدين ، أو يستهزأ فيه بآيات الله؟ فليفارق المجلس، لقوله تعالى : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ولأن ذلك متقرر في قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ﴾ النساء40، قال القرطبي عند قوله : ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً مثْلُهُمْ ﴾ : فكل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم ؛ فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم ، حتى لا يكون ممن عنتهم هذه الآية ، وقد عم في المجالس الاشتغال بالدنيا والحديث عنها ، حتى قست القلوب ، التي توعدها الله فقال تعالى : ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾الزمر22، هذا إذا كان الكلام مباحا فكيف إذا كانت المجالس مجالس غيبة ونميمة ونهش لأعراض الناس واكل لحومهم قال تعالى : ﴿ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ﴾ الحجرات 12 وكيف إذا كانت مجالس كذب وبهتان وسخرية وتنابز بالألقاب والله يقول : ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾ الحجرات 11 ويقول : ﴿ ولا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾الحجرات 11 ، وكيف إذا كانت مجالس مدح ومجاملات ، ونفاق ومداهنة والله يقول : ﴿ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ النجم 32 ، أحيانا يدعوك إنسان إلى مجلس عنده ، ويدور في هذا سر من الأسرار ، فلا يجوز تفشي هذا السر لان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( المجالس بالأمانة ) يلزم فيها الستر على ما يقال ، مادام لا يضر المسلمين ، قال المناوي : «أي أن المجالس الحسنة ، إنما هي المصحوبة بالأمانة ، أي كتمان ما يقع فيها من التفاوض في الأسرار ، فلا يحل لأحد من أهل المجلس أن يفشي على صاحبه ما يكره إفشاؤه ، فحُسْنُ المجَالسِ وشَرَفُها بأَمَانة حَاضِريها ، على ما يقع فيها من قَول وفعل، فيلزم الستر على ما يقال ، ويحدث في المجلس ، ما دام أنه لا يضر أحدًا من المسلمين ، في دم حرام أو فرج حرام أو اقتطاع مال بغير حق أو غير ذلك . وينبغي التفسح في المجلس إذا كان ضائقا ليس فيه مكان لداخل لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ﴾المجادلة 11، ومن العادات القبيحة في المجالس ، ظاهرة اللعب بالهاتف المحمول ، أثناء الجلوس مع الآخرين ، فهي عادة سيئة ، تبعد الناس عن بعضهما البعض، وتثير في النفوس مشاعر الألم والحزن والأسى ، وتشعر بالاشمئزاز، وإن كثيراً من المجالس اليوم يشوبها شيء من اللغط في القول، ويكتنفها بعض الزلل في الفِعال، ويخدشها كثرة القيل والقال فاحرصوا ولا تنسوا إذا قمتم منها أن تختموها بكفارة المجلس، لعل الله أن يتجاوز عما حدث، ويعفو عن التقصير والزلل، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مَا مِنْ إِنْسَانٍ يَكُونُ فِي مَجْلِسٍ فَيَقُولُ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ) رواه أحمد .
آداب المجالس
