من السلوكيات الخاطئة الفجور في الخصومة من ذوي الأنانية ، ومحبي الذات وأصحاب النفوس المريضة ، الذين لا يرون الحق إلا معهم فيفجرون في خصومتهم ، ويتجاوزون الحد ويبغون على الناس ، لأن الفاجر في الخصومة يسبق لسانه عقله ، وطيشه حِلْمه ، وظلمه عدله ، لسانه بذيء ، وقلبه دنيء يتلذذ بالتهم ، والتطاول على الناس ، يزيد على الحق مائة كذبة ، لا يعد محاسن الناس إلا ذنوبا ، ولا يقع على شيء إلا أفسده ، لا أمان له ولا ستر لديه ، فيه طبع اللئام ، فإن اختلفت معه في شيءٍ حقير ، كشف أسرارك ، وهتك أستارك ، ولذلك نهانا الإسلام عن هذه السلوكيات ، وسماها الله لَدُّداً فقال تعالى :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ البقرة 204 والألَدُّ : الأعوج الذي يخاصم على عِوَج ويحاور على انحراف في مزاجه أو فكره ، فلا يستقيم على حقٍّ واضحٍ فيما يقول، ويكون ميله إلى ما يوافق هواه ، مهما كان مخالفاً للحق ، يقول سيد قطب في تفسير الآية : “هذا المخلوق الذي يتحدث، فيصور لك نفسه ، خلاصة من الخير ، ومن الإخلاص ومن التجرد، ومن الحب، ومن الترفع، ومن الرغبة في إفاضة الخير والبر ، والسعادة والطهارة على الناس، هذا الذي يعجبك حديثه وتعجبك ذلاقة لسانه، وتعجبك نبرة صوته ويعجبك حديثه ، عن الخير والبر والصلاح
﴿ ويشهد الله على ما في قلبه ﴾ زيادة في التأثير والإيحاء وتوكيداً للتجرد والإخلاص وإظهاراً للتقوى ، وخشية الله ﴿ وهو ألد الخصام﴾ تزدحم نفسه باللَدُّد والخصومة، فلا ظل فيها للود والسماحة، ولا موضع فيها للحب والخير، ولا مكان فيها للتجمل والإيثار هذا الذي يتناقض ظاهره وباطنه، ويتنافر مظهره ومخبره هذا الذي يتقن الكذب والتمويه والدهان ، حتى إذا جاء دور العمل ظهر المخبوء ، وانكشف المستور، وفضح بما فيه من حقيقة الشر والبغي ، والحقد والفساد” وهو ما قاله رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الذي روته عائشة : ( أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ )متفق عليه ، الألد : هو الدائم في الخصومة ، الذي يتناقض ظاهره وباطنه ويتنافر مظهره ومخبره، المبالغ في الخصومة ، لأنه إنسان صاحب خصام وجدال ، قوي المعارضة بالباطل، والحجة الباطلة ، إذا أتيته من هنا نزع بحجة باطلة من هنا .
من المتخاصمين من لا يكتفي بحقه ، إن كان له حق ، بل يؤلب على خصمه ، ويقلب عليه وينبش عن مساوئه وماضيه، فينشرها ويهتك الستر ، وينشر القبيح ، ويخفي المليح، وقد يزيد على ذلك ، فيتقوّل عليه مالم يقله ، وينسب إليه ما ليس فيه، ويمعن في الإساءة إليه ، في كل وادٍ ونادٍ، وينسى أو يتناسى ، مابينهما من الود والمعروف السابق ، فتنقلب الخصومة إلى عداوة أشد ، لأن الخصومة اختلاف في وجهات النظر ، وهي قطع على أمل الوصل وكما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فيعرض هذا ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) أما العداوة : فهي والعياذ بالله الضغينة التي تترسب ، وتستقر في النفس حتى يكاد يضيع الأمل في العودة مره أخرى للوئام والود ، يضيع بها الشرف ، عند من ليس لديه ضوابط للشرف والمحبة . وقد تقع الخصومة بين الأحباب ، ثم يلتقون على التحكيم فيزول ما بينهم من خصومة ، بخلاف العداوة المطلقة ، كما ذكرت الآية : ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴾205 البقرة .هناك أناس منافقون ، يعجب المرء من حلاوة ألسنتهم يتظاهرون بالورع ، وطيب السريرة ، ويشهدون الله على صدق طُويتهم ، وقلوبهم في الحقيقة هي أمرُّ من الصبر ، يقولون حسناً، ويفعلون سيئاً، وهم شديدو الجدل، لا يعجزهم أن يغشوا الناس ، بما يظهر عليهم من الميل إلى الإصلاح ، وهذا يبغضه الله ، لأنه يقصد بخصومته ، مدافعة الحق ورده ، بالأوجه الفاسدة ، يقيم الدنيا ولا يقعدها ، لقضية تافهة، يرغب في معاداة الناس ، ومجادلتهم، ويا ليته يلجأ للحوار ، ويتلطف معه ، ويعمل بقول الإمام الشافعي:” أنا على حق ، وحقي يحتمل الخطأ ، وخصمي على باطل ، وبطله يحتمل الصح ” لأن الذي يبتغي وجه الله ينبغي أن يتواضع للطرف الآخر ، عملاً بقوله تعالى:﴿ قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾سبأ 25. أما من بنى حواره على أنه على الحق ، والآخر على الباطل ، فهذا حوار خاطئ ، بدليل قوله تعالى : ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾سبأ24. فالحق قد يكون معنا ، وقد يكون معكم وعلى هذا يكون التحاور، أما الذي يحتقر الطرف الآخر ، ويضخم نفسه ، فهذا لا يبتغي وجه الله، وإنما يبتغي العلو في الأرض وقد ورد في الحديث : عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:( مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ ) أحياناً عندما تهاجم إنساناً حقيراً ، أنت تخدمه وتكبّره، وتجعله شيئاً مذكوراً، والحق أن لا تعيره اهتماما ، عملاً بقول القائل : ما ضر السحاب نبح الكلاب ، وليعلم من يتطاول على أهل الحق ، أنه من أبغض الرجال ، لأن المؤمن يحاور بتواضع ، ولأن الحياة الدنيا أهم من أن تستهلكها في خصومات جانبية ، وقد صور الإمام الشافعي أحوال من يطعن بالآخرين لأسباب تافهة حين قال:
إِذا الـمَـرءُ لا يَـرعاكَ إِلّا َكَلُّفاً فَـدَعـهُ وَلا تُـكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحة ٌ وفي القلبِ صبرٌ للحبيب ولو جفا
فَـمَـا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ يَهْوَاكَ قلبهُ وَلا كـلُّ مَنْ صَافَيْتَه لَكَ قَدْ صَفَا
إذا لـم يـكن صفو الوداد طبيعة فـلا خـيـرَ في ودٍ يجيءُ تكلُّفا
ولا خـيـرَ فـي خلٍّ يخونُ خليلهُ ويـلـقـاهُ من بعدِ المودَّة ِ بالجفا
وَيُـنْـكِـرُ عَيْشاً قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ وَيُـظْهِرُ سِرًّا كان بِالأَمْسِ قَدْ خَفَا
فسَلامٌ عَلَى الدُّنْيَا إذا لَمْ يَكُنْ ِبهَا صديق صدوق صادق الوعد منصفا
والواجب على المسلم أن يتعلم خلق العفو والتسامح ، وأن لا يجعل الخصومة سبيلا إلى معاداة الناس ، ومحاولة أذاهم ؛ لأن ذلك ليس من أخلاق الكرام ، يقول الشاعر :
إن الكـريم إذا تمكن من أذى جاءته أخلاق الكـرام فأقلــعا
وترى اللئيم إذا تمكن من أذى يطغى فلا يبقي لصلح موضعا
ولما أُتي عبد الملك بن مروان بأسارى ابن الأشعث في وقت الفتنة ، قال عبد الملك لرجاء بن حيوة: ماذا ترى؟ قال: إن الله تعالى قد أعطاك ما تحب من الظفر ، فأعط الله ما يحب من العفو، فعفا عنهم.
فالعفو هو خلق الأقوياء ، الذين إذا قدروا وأمكنهم الله ممن أساء إليهم عفوا ، والكرام إذا اختلفوا تآلفوا ، واللئام إذا اختلفوا يتعادون ويتباغضون ، ويتدابرون ويتحاسدون ، فلا يعذر بعضهم بعضا، ولا ينصح بعضهم بعضا لذا على المسلم أن يكون ظاهره كباطنه في جانب الاعتقاد ، وجانب السلوك ، بحيث يكون عمله ظاهراً ، متوافقاً لما يعتقده باطناً ولا يليق بمن يشهد أن لا إله إلا الله، أن يعمل أعمالاً تخالف ما يعتقده؛ لأن الذي يتناقض ظاهره وباطنه، ويتنافر مظهره ومخبره ، حريٌّ به أن يتصف بوصف النفاق، وأن يكون من أهل الشقاق، وليس جديراً بأن يكون في عداد المسلمين الصادقين ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنْفِذَهُ دعاه الله -عز وجل- على رُءُوس الخلائق حتى يخيِّره الله من الحور ما شاء) أبو داود والترمذي وابن ماجه.
أبغض الرجال
