يوجد في هذا العالم ، أولياء الله وأولياء الشيطان كما يوجد فيه أنصار للحق وأنصار للباطل ، ولا يجوز إعلان الحرب والجهاد إلا ضد أنصار الباطل وأولياء الشيطان قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ . والحروب التي خاضها المسلمون لم يشهد لها التاريخ مثيلاً ، بما امتازت به من قلة لإراقة الدماء وذهاب الأنفس ، وبما عكسته على الإنسانية من الخير والسعادة ، إذ لم يزد عدد القتلى في جميع الغزوات والسرايا والمناوشات حتى السنة التاسعة للهجرة ، على ألف وثمانية عشر نفساً ، منهم 259 من المسلمين و 759 من الكفار ، بينما ذكرت التقارير أن القتلى في حروب هذا العصر من عام 1914 – 1918 قد وصل إلى 000,000, 21 ، وقدر المستر مكستن عضو البرلمان الإنجليزي أن المصابين في الحرب الثانية الكبرى، لا يقل عددهم عن ، 000 ,000, 50 وقد كلف قتل رجل واحد في الحرب الأولى عشرة آلاف جنيه أما في الحرب الثانية فقد كلفت نفقات الساعة الواحدة مليون من الجنيهات .
وقد شهد العالم منذ الحرب العالمية في القرن العشرين, ما يقرب من مائتين وخمسين نزاعا مسلحا دوليا وداخليا بلغ عدد ضحاياها 170 مليون شخص, أي أنه يحدث في كل خمس شهور تقريبا نزاعا مسلحا, ينتج عنه خسائر في الأرواح والممتلكات والمعدات ، بينما كانت الحروب الدينية الإسلامية ، حاقنة للدماء عاصمة للنفوس والأموال وقد كانت الحروب التنافسية في هذا العصر ، مقدمة لحروب متسلسلة ؛ مما دفع المستر لويد جورج بطل الحرب الكبرى ، ورئيس الوزارة الإنجليزية حينئذ إلى القول : ” لو رجع سيدنا المسيح إلى العالم لما عاش إلا قليلاً ، إنه سيرى الإنسان لا يزال بعد ألفي سنة مشغوفاً بالشر والإفساد والقتل والفتك والنهب والإغارة ببني نوعه ، بل إن أكبر حرب في التاريخ قد استغرقت دم جسم الإنسانية ، وأهلكت الحرث والنسل ، حتى أصابت الناس مجاعة ، وماذا يرى السيد المسيح يا ترى ؟ هل يرى الناس يتصافحون كالإخوان والأصدقاء ؟ لا . بل يراهم يتهيأون لحرب أشد هولاً من الأولى وأعظم فتكاً وتعذيباً يراهم يتسابقون في اختراع الآلات الجهنمية ويبتدعون وسائل التعذيب ” .
إن الحروب والعداوات في هذا العصر ما هي إلا لانصراف هذه الشعوب عن عداوة عدوها الحقيقي ونسيانها له ، فالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكل ، فلو عرفت الشعوب عدوها لكان ذلك مشغلة لها عن كل حرب وعداوة ، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جعل من قبائل العرب المتعادية ، التي كانت تقطر سيوفهم من دمائهم أمة واحدة ومعسكراً واحداً ن إزاء الكفر وأهل الباطل وحربهم ، استجابة لقوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ ولما انصرفت الأمة عن عدوها وتشاغلت عن قتاله ومعاداته ،كانت الحروب الداخلية ، والفتن التي غيرت مجرى التاريخ الإسلامي .
وللأسف فإن الأمة التي رباها الله بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم ليربي بها الناس ،لم تتجاوب مع منهج الله ، فكانت هذه الخلافات التي نشاهد بين الجماعات والدول والشعوب ، والتي أدت إلى صراعات دامية وإلى نزاعات سياسية مستمرة ، وبدلاً من الرجوع إلى القرآن الذي شرّفها الله به ، وجعلها أرقى أمم الأرض على الإطلاق ، وبدلاً من اللجوء إلى الحلول المناسبة النابعة من روح الإسلام ، والمعتمدة على أحكام الشريعة الإسلامية ، فإنها تلجأ إلى الدول الخارجية ، لتضع خلافاتها وخصوماتها أمامها تارة أو لحمل السلاح ضد بعضها البعض تارة أخرى ، مما أدى إلى ضعف المجتمعات والشعوب الإسلامية ، لأنها تخلت عن حبل الله المتين ، الذي أمر الله به في قوله تعالى : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ 103 آل عمران ، فتفرقت كلمتها ومواقفها ، تجاه قضاياها المصيرية ، الأمر الذي أعطى الفرصة للعدو ، أن يستغل تلك التفرقة ، ليفتت نسيج الأمة ، ويسيطر على مقدراتها بكل سهولة ويبث في جسدها المشاكل والنزاعات ، ودعم المتسلطين على رقاب الناس والتقصير في أمورهم وما يصلحهم، سأل سيدنا عمر بن الخطاب أحد الولاة: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال له: أقطع يده، فقال سيدنا عمر للوالي: إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه، لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر له حرفتهم، فإن وفرنا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
لقد عمل أعداؤنا على استبعاد أصحاب القرار الديني ، فظهرت الدكتاتوريات المتربعة على البلاد الإسلامية والتي أنشأت عدداً من الدول ، التي تستعين بالأجنبي لحمايتها وإدارة مصالحها، وهو ما تبتغيه الدول المستعمرة من أجل فرض الهيمنة العسكرية والاقتصادية على هذه البلدان ، وبقائها تابعة لها في جميع أمورها ، فدعمت العنف الذي يخرج النزاعات من حالة السيطرة ، إلى الحالة الخارجة عن السيطرة ، والخاضعة إلى المؤثرات الخارجية التي تغذيها سلباً.
والسؤال هنا ما هو المطلوب منا ؟ المطلوب من الشعوب الإسلامية أن تعمل من أجل إقامة المجتمع الإسلامي المنشود ، وليكن شعارها ، لحكم الله نخضع ، وبحكم الله نسود ، وعلينا أن نعمل على اتخاذ القرآن دستورا ، حتى لا نظلم أنفسنا ونظلم أمتنا قال تعالى : ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾ المائدة 45 . كما يطلب من الدعاة على وجه الخصوص ، العمل على ترسيخ هذا المبدأ ، والترويج للمفاهيم الإسلامية القائمة على أساس التسامح ، والتعايش ونبذ العنف وإدخال تلك المفاهيم ضمن المناهج التربوية والتعليمية في البلدان الإسلامية ، والتشجيع على قول الحق ، والابتعاد عن التملق والتعاون مع المعتدي ، وتعميق لغة الحوار، لفض النزاعات التي تقود إلى العنف ، والى حالة من الفوضى التي تقود إلى انتهاكات حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية ، حتى ساد الاعتقاد أن الأصل في العلاقات الدولية ، هو الحرب والاختصام ، وليس الوئام والسلام ويحزن المرء حينما يرى أن معظم هذه النزاعات والحروب تجري بين المسلمين وفى ديارهم ، وقد تكون من فعلهم أو بتدخلات أجنبية وغالباً ما تأتى تحت مظلة تطبيق حقوق الإنسان ، فهل آن الأوان أن نعمل على تربية المسلم على خشية الله وتقواه ، ليكون قادراً على تأدية واجبه بإخلاص وأمانة من أجل إقامة عالم أفضل ﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ﴾
