إن الحكم بغير ما أنزل الله، والسياسات الخاطئة ، أدت إلى زعزعة حاضر الأمة وتشويه ماضيها، مما أدى إلى الهزائم المتتالية التي تعاني منها الأمة الإسلامية حتى أصبح كيانها هزيلاً لا يُسمع له صوت، ولا تُحترم له كلمة، ولا يُصان له حق، وأصبحت هذه السياسات عوناً لأعداء الأمة في الخارج مخالفةً تعاليم الإسلام الذي يحرِّم علينا أن نمد أيدينا إلى الذين يؤذون المسلمين ، وأن نستجيب لهدي ربنا ، الذي ينبه ويحذر من شر النفاق والمنافقين. قال تعالى: ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾المنافقون4 . ويفضح خباياهم الخبيثة فقال : ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ آل عمران 118 . فالقوانين الوضعية ، لا تحرِّم موالاة الكفار بل ترغِّب فيها ،وتتجاهل النصوص الشرعية التي تحّذر من موالاة الأعداء من اليهود والنصارى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾المائدة 49 .
فإذا كان المنافقون الكارهون لشريعة الله يسارعون إلى الأعداء ، في حال استضعاف النفاق ، فكيف بهم إذا تولّوا أمور المسلمين ، إنهم لن يقصروا في تقديم كل معونة ، لتسهيل خطط الأعداء ، التي عجزوا عن تنفيذها بأنفسهم ، قال صاحب الظلال : «أحسب والله أعلم، أن اليهود الصهيونيون والنصارى الصليبيين كليهما، قد يئسوا من هذا الدين في المنطقة الإسلامية الواسعة، في أفريقيا وآسيا وأوروبا، كذلك يئسوا أن يحوّلوا الناس فيها إلى الإلحاد عن طريق المذاهب المادية، كما يئسوا كذلك من تحويلهم إلى ديانات أخرى عن طريق التبشير أو الاستعمار ، ذلك أن الفطرة البشرية ذاتها ، تنفر من الإلحاد وترفضه، حتى بين الوثنيين ، فضلاً عن المسلمين، وان الديانات الأخرى ، لا تجرؤ على اقتحام قلبٍ عرف الإسلام ، أو حتى ورث الإسلام. وأحسب -والله أعلم- أنه كان من ثمرة اليأس من هذا الدين أن عدَل اليهود الصهيونيون ، والنصارى الصليبيون عن مواجهة الإسلام جهرة ، عن طريق التبشير ، فعدلوا إلى طرائق أخبث ، وإلى حبائل أمكر ، لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع تتزيا بزي الإسلام، وتتمسح في العقيدة، ولا تنكر الدين جملة… ثم هي تحت هذا الستار الخادع ، تنفذ جميع المشروعات ، التي أشارت بها مؤتمرات التبشير. وبروتوكولات صهيون إن هذه الأنظمة والأوضاع ، ترفع راية الإسلام ، أو على الأقل ، تعلن احترامها للدين، بينما هي تحكم بغير ما أنزل الله وتقصي شريعة الله عن الحياة، وتحل ما حرم الله، وتنشر تصورات وقيماً مادية عن الحياة والأخلاق ، تدمر التصورات والقيم الإسلامية، وتسلط جميع أجهزة التوجيه والإعلام ، لتدمير القيم الإسلامية، وسحق التصورات والاتجاهات الدينية، وتنفيذ ما نصت عليه مؤتمرات المبشرين وبروتوكولات الصهيونية». إن تحقيق أهداف الأعداء في بلاد المسلمين ، لن يجد مناخاً أنسب ، من المناخ الذي يسيطر على مقدرات الأمة ، مَن لا يحكمون بشريعة الله ، وما من مرة فرطت الأمة في رسالتها ، وانحرفت عن شريعتها على مدار التاريخ ، إلا وسلط الله عليها غيرها.
وقد لُقن المسلمون هذا الدرس، فقد كانت مخالفة أمر رسول الله ، في أحُد درساً يُعطي للأمة المؤشر ، الذي يمكن أن تقيس به حالها، فقد هُزم المسلمون وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حدث هذا ليستقر في تصور المسلمين أن عقوبة المخالفة هي مصائب عاجلة تتناسب مع قدر المخالفة ، ومكانة المخالِف وهذه الأمة المكلّفة بالقيام بأعظم رسالة تؤخذ بما لا يؤاخذ به غيرها ، وقد تنَزَّل القرآن يبين سبب الهزيمة ، وعلة المصيبة فقال تعالى : ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ آل عمران 165. إنها سنة الله ، فما يصيب المسلمين من مصائب ، لا يكون من قِبَل قوة الأعداء ، ولا بسبب خذلان الأصدقاء، إنما الذي يؤتى المسلمون من قِبَله ، هو نفوسهم ذاتها:﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾الأنفال 53 .
إن هذا الدرس الذي تلقاه المسلمون الأوائل ظل على مدى التاريخ الإسلامي ، هو الدرس نفسه، فالصليبيون تسلطوا على المسلمين في أواخر القرن الخامس الهجري ، في وقت كان بيت المقدس محاطاً بالعديد من الإمارات المتهالكة على السيطرة، المتنافسة في معترك الأهواء، وفي الوقت الذي شغلت العباسيين شواغل أخرى ، عن الإعداد للصليبية المتربصة التي حاربت المسلمين ، في زحف لا ينقطع مد ة قرنين من الزمان ، فقد كانت الأهواء متغلغلة في جسد الأمة ، حتى وصلت عناصر من المبتدعة الضالين ، إلى سدة الحكم في كثير من الديار الإسلامية ، فاستولى العبيديون- الفاطميون الإسماعيليون وهم الرافضة – على مصر ومناطق من الشام ، والمغرب العربي ، لعقود طويلة، ومن سوء الحظ أنهم كانوا في بيت المقدس ، وقت أن دهمها الصليبيون، وكذلك سُلط النصارى على المسلمين في الأندلس لأن الأمراء الذين بدأوا ، فكانوا لله خلائف انتهى الأمر بهم ، إلى أن أصبحوا ملوك طوائف ، يبحثون عن اللذات ، ويقدمون الأهواء على الشرائع في الحكم ، فقد مرحوا في بلادهم دهراً ، وهم آمنون من مكر الله ثم صحوا وقيود الهوان ، تغل أيديهم وأرجلهم كانوا يقتتلون ويتواطئون مع المستعمرين ليطمئنوا على بقاء الملك في بيوتهم الرفيعة ولو ضاعت في سبيل ذلك شعوبهم ، وجاء التتار ، فاجتاحوا بلاد المسلمين ، حتى لم تنج منهم عاصمة الخلافة نفسها، ولم يفلت من بأسهم ، حتى خليفة المسلمين، فهل كان هذا من فراغ؟ لقد استمر عهد العباسيين خمسة قرون ، وضعفت دولتهم في آخرها ، فقامت دول على أساسها ، ولم يكن داع لقيامها لولا العصبية التي حملتها ، واللغة التي أحيتها من جديد. فظهرت الدولة السامانية- سلالة إيرانية حكمت أجزاء من فارس وأفغانستان- والغزنوية- سلالة تركية حكمت في أفغانستان، خراسان وشمال الهند – والخوارزمية – سلالة تركية مسلمة سنية حكمت أجزاء كبيرة من آسيا وغرب إيران- ولا شك أن الطموح السياسي كان أساساً في نشأتها ، وأعلنت عن قيام خلافة مستقلة فيها، وكانت الخلافة الأموية في الأندلس والفاطمية في مصر وأجزاء من أفريقيا، ولم تكن هذه الدول على تفاهم فيما بينها، بل كانت معادية بعضها لبعض، وكل منها على صلة بأعداء الأخرى ، فالعباسيون في بغداد يصادقون حكام الفرنجة ، خصوم أمويِّي الأندلس ، وهذا يدل على ضعف الروح الإسلامية ، لدى المسلمين في ذلك العهد وفي العصور المتأخرة، وعندما دب الفساد في أجهزة الحكم العثماني ، تراجع العثمانيون وهزموا في معارك عديدة أمام الأعداء وتقهقر المماليك أمام (نابليون) فكان ذلك مؤشراً على الحال التي وصلت إليها الأمة حتى ولت الأدبار ، أمام زحف الكفار ، ومن سنن الله تعالى ، أنه إذا عُصِيَ الله تعالى ممن يعرفونه، سلَّطَ عليهم من لا يعرفونه.
وفي العصور الحديثة استولت أوروبا النصرانية على أغلب بلاد المسلمين، حتى كادت تستولي على الحرمين الشريفين بعد الحرب العالمية الثانية ، التي قسمت بلاد المسلمين بمقتضى معاهدة (سايكس بيكو) ، وانتهى الأمر بإسقاط دولة الخلافة العثمانية ، على يد يهود الدونمة ، بالتعاون مع النصارى . ومن يومها والمصائب تتوالى على المسلمين ، الذين استسلموا لأنظمة حاكمة ، بغير ما أنزل الله ولم يعد الأمر، أمر دروس أو عبر، بل صار أقرب إلى الانتقام الإلهي ، منه إلى التذكير. لأن الشقة قد بعدت بين المسلمين ، وبين حكم الإسلام، حتى لم يعد الظالمون يكتفون بإقصاء الشريعة وإبعادها عن الحكم، بل صار ديدنهم محاربتها ، وإدانة من يطالب بها ، ولهذا سُلط الأعداء، وأطلقت الأيادي لتنال بلاد المسلمين ، وعظمت المصيبة بتسليط الأعداء على الأمة ، التي كانت عزيزة بالإسلام ، فذاقت ألواناً من المهانة والذل ، في ميادين القتال وساحات المعارك ، وما هذه الهزائم ، إلا أثراً من آثار الانحراف عن الشريعة ، الذي غرقت فيه الأمة إلى القاع، وتغلغل فيها حتى النخاع قال تعالى : ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
