إنّ الخوف من الله فرض على كل أحد، ولهذا عُلِّق على الإيمان ، فمن كان مؤمناً حقَّاً خاف الله سبحانه قال تعالى:{ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} آل عمران 175 . وقال : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } . البقرة40 . فالخوف الذي دعا إليه سبحانه في هذه الآيات هو الخوف القائم على مراقبة الله ، والخضوع لأمره وترك المحرمات خوفاً منه وتعظيماً له ، وهذا يستلزم الرجوع إلى الله ، والاعتصام بحبله وقد قيل : “الخوف سوط الله يقوِّم الشاردين عن بابه”.
قال الإمام أحمد : ” من كان بالله أعرف كان منه أخوف ، فكل واحد إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل ، فإنك إذا خفته هربت إليه قال تعالى : { ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين } . ويكون الخوف محموداً ، إذا حال بين صاحبه ويبن محارم الله عز وجل ، فلا يتعامل بالربا ، ولا يأكل مالا حراما ، ولا يشهد زورا ، ولا يحلف كاذبا، ولا يخلف وعدا ولا يخون عهدا ، ولا يغش في المعاملة ولا يمشي بالنميمة، ولا يغتاب الناس ، ولا يترك النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يزني ولا يتعاطى محرما ، ولا يقصّر في الصلاة ، بل يجب أن يصلي ، لأن الخوف من الله : أن يجدك حيث أمرك ويفتقدك حيث نهاك قال تعالى : { أقيموا وجوهكم عند كل مسجد } لأن في الصلاة سجود والخوف من الله فيه ، يحرق وجود الشيطان ، لأنه يتصاغر ويولول ويقول : يا ويلي أُمِر هذا بالسجود فسجد ، وأُمرت بالسجود فلم أسجد ، بل إن الخوف من الله في قلب المؤمن ، يعصمه من فتنة الدنيا ، وبدونه لا تصلح الحياة ، قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه : ( وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين : إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة ، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة ) رواه أبن حبان في صحيحه كثير من الناس لا يريدون أن يعملوا ، ولا يريدون أن يتذكروا خوف الله معتمدين على عفو الله وستره ، وما علموا أن اعتمادهم على هذا مرّة بعد مرّة ، قد يكون استدراجا من الله لهم قال الله تعالى :{ سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } الأعراف 182 . كان السلف الصالح يخافون ويبكون ، حتى قال الله تعالى عنهم :{ ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا}. وقال صلى الله عليه وسلم : (حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله) . وما كانوا يخافون ويبكون ويتضرعون ، نتيجة تقصير أو عصيان أو كثرة الذنوب ، بل كانوا يخافون أن لا يتقبل الله منهم ، فلم لا ترتجف قلوبنا من الخوف تأسياً بهم فلسنا أشرف ولا أزكى من رسولنا صلى الله عليه وسلم ، فقد كان إذا ذكرت النار يهتز قلبه ، وكان صدره كأزيز المرجل ، وكان عمر بن عبد العزيز إذا مرّ بآية من آيات النار ، شعر أن لفح جهنم في أذنيه ووجهه .
وما دام العبد مستشعراً روح الخوف من الله ، فإن قلبه يظل عامراً بالإيمان واليقين ولذلك قالوا : “إذا سكن الخوفُ القلوبَ ، أحرق مواضع الشهوات منها ، وطرد الدنيا عنها “. قال ابن رجب : ” القدر الواجب من الخوف ، ما حَمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم ، فإن زاد على ذلك ، بحيث صار باعثاً للنفوس على التَّشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات ، والتَّبسُّط في فضول المباحات ، كان ذلك فضلاً محموداً “.
فمن خاف الله عز وجل وخاف حكم الله فيه ونهى نفسه عن هواها، وردها إلى طاعة مولاها فمصيره إلى الجنة قال تعالى :{ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } النازعات 40 وقال سبحانه :{ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } الرحمن 46 . وقال صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثٌ منجيات: خشية الله تعالى في السرِّ والعلن، والعدل في الرِّضا والغضب والقصد في الغنى والفقر. وثلاثٌ مهلكات: هوىً مُتَّبع، وشحٌّ مُطاع وإعجاب المرء بنفسه ) البزّار والبيهقي ، ما أحوجنا اليوم إلى الخوف من الله ، لأن وازع الخوف إذا انعدم أو ضعف في النفوس ، فإنها تنتهك الحرمات، وتفعل الكبائر والموبقات ، وبذلك تفشو الرذيلة ، وتنعدم الفضيلة ، لأن الخوف يدفع لفعل الطاعات، والكف عن المحرمات .
إذَا ما خَلَوْتَ الدَّهْرَ يوماً فَلا تَقُل خَلَوْتُ ولكن قُل عليَّ رَقيبُ
وَلا تحسـبَنَّ اللهَ يغفـلُ ساعَـةً وَلا أنَّ ما تُخفِي عليهِ يَغيبُ
فالخوف من الله سمة المؤمنين ، وآية المتقين ، قال تعالى :{ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ } الرعد 21 . وهو درجة عظيمة تدل على قوة الإيمان ، قال عمر بن عبد العزيز : “مَن خاف الله ، أخاف الله منه كل شيء ومن لم يخف الله ، خاف من كل شيء”.
وخوف الله تعالى هو الذي حجب قلوب الخائفين عن زهرة الدنيا ، وعوارض الشبهات ، وقوة مراقبة المرء لربه ، ومحاسبته لنفسه ، بحسب قوة معرفته بجلال ربه ، والخوف من وعيده .
إذا مـا الليل أظلم كابـدوه فيسفـر عنهمُ وهـمُ ركوع
أطار الخوف نومهمُ فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوعُ
عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( دخل على شاب وهو في الموت ، فقال: كيف تجدك ، قال : أرجو الله يا رسول الله ! وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمَّنه مما يخاف) رواه الترمذي وابن ماجه .
وقد ذكر الله تعالى في كتابه آيات كثيرة تدل على عِظَم شأن الخوف ، وأنه لا بد منه للمؤمن في حياته الدنيا؛ لكي يصل إلى رضا الله تعالى وجنته ، لأنه كلما زاد خوف العبد من ربِّه ، زاد عمله ، وقل عُجْبه، وقلت معصيته ، وكلما قلَّ خوف العبد من ربِّه ، نقص عمله ، وزاد عجبه ، وكثرت معصيته لذا يجب على الإنسان تنمية الخوف من الله في قلبه لأنه صفة بارزة من صفات عباد الله الصالحين لا غنى لهم عنها ، في إقبالهم على الله تعالى ، فتراهم يؤدون حقوق الله ، وهم خائفون وجلون من عدم قبولها ، فكانوا أحرص الناس على طاعة ربهم والمسارعة إلى رضاه ، والبعد عن معصيته ، والفرار من سخطه وغضبه ، ومع ذلك يخافون من عدم قبول أعمالهم ، لأن الخوف من الله دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام عندهم ، وخشيته في السر والعلن من صفاتهم ، لذا مدحهم الله وأثنى عليهم فقال:{ إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُون وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُون } المؤمنون 57 . وعن هذه الآية سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ! قولُ الله :{ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق ؟ فقال: لا يَا ابنة الصِّدِّيق، ولكنَّه الرَّجل يصوم ويصلي ويتصدق ، ويخاف أن لا يُقبل منه”. فمع كونهم يخشون ربهم ويؤمنون بآياته ، ولا يشركون به شيئا ، ويؤدون طاعته ، فإنهم يخافون عدم قبوله لهم ، عند الرجوع إليه ، ولقائهم له . فمن يخاف الله تعالى يتقيه ، ورد في الحديث : ( مَنْ خاف أدلج ، ومَنْ أدلج بلغ المنـزل ) من أدلج : يعني- سرى في الليل ، وصل إلى مكان يأمن فيه . فكذلك مَنْ خاف من عذاب الله ، ابتعد عن أسبابه ، فيتَرَكَ المعاصي والمحرمات ويفعل الطاعات . قال الحافظ بن حجر في الفتح :” إن الخوف من المقامات العلية ، وهو من لوازم الإيمان قال الله تعالى :{ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } آل عمران 175 وقال الله تعالى :{ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} المائدة44 وقال الله تعالى:{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } فاطر 28 وقال صلى الله عليه وسلم : ( أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) وكلما كان العبد أقرب إلى ربِّه ، كان أشد له خشية ممن دونه وقد وصف الله تعالى الملائكة بقوله :{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } النحل50 والأنبياء بقوله :{ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ } الأحزاب 39 . وإنما كان خوف المقربين أشد ؛ لأنهم يطالبون بما لا يطالب به غيرهم ، فيراعون تلك المنـزلة ” .
