لقد أصبحت الأخلاق في وضع لا يطاق ، فما بين انتشارٍ لحوادث الخطف والاغتصاب ، إلى الإدمان وتعاطي المخدرات ، إلى تزايد جرائم القتل والتزوير والرشوة والسرقات ، عز الصدق والإخلاص وانتشر الكذب والإفلاس ، وأصبح الحياء عملة نادرة وغاب التوقير والاحترام داخل الأسر ، فعق الأبناء الآباء ، وأهملت تربية الأبناء ، وتقطعت الأرحام وأصبح التواصل في الأحلام وتطبق القوانين الوضعية بدل الشريعة الإلهية .
كان المسلمون قديماً يحرصون على المبادئ الخلقية السامية ، والخصائص الاجتماعية الفاضلة وخاصة فيما يتعلق بالأسرة ، فقد كان بر الأبناء للآباء استجابةً لخالق السماء ، وكان حب الأبناء لآبائهم وبرّهم وحرصهم على أداء حقوقهم ، غير مقتصر على حياة الأبوين ، بل كان يستمر إلى ما بعد وفاتهما ، بالبر بأصدقائهما ، والتحبب إلى أولادهم ، عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: ( إن من أبر البر بر الرجل بأهل ود أبيه بعد أن يولي) ، وكان الأبوان مثلاً للنصح والإخلاص في حبهما للأولاد ، وكانا يضحيان في سبيل تثقيفهم وتربيتهم وتعليمهم وكان ضمير الحر عزيزاً محترماً كدينه وعرضه ، لا يساوم عليه ، ولا يباع بأي ثمن ، وكان الواحد يفضل الموت على كذبة أو خيانة ، يخلص بها نفسه من الموت . فقد كانوا صادقين ، ولم يكن صدقهم واعترافهم بما يعملون ويعتقدون ، مقتصراً على ما يتصل بأنفسهم ، بل كانوا صادقين فيما يتصل بأمتهم ، وكانوا يعدون الكذب وشهادة الزور رذيلة وإثماً كبيراً . وكانوا قوامين على الحق شهداء لله ، وإذا حكموا عدلوا ، استجابةً لقوله تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ﴾ وقوله : ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ وقوله : ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ وقوله : ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ . وكانوا يعدون العلم وديعة من الله لا يبيعونه ، ولا يتعاونون به على إثم آثم ، وعدوان معتد ، ولا يرضون أن يستعين به نظام جائر أو حكومة فاسدة . قارنوا هذه الروح السامية ، والنفس الكبيرة المتعالية التي تأبى أن يباع العلم بيع السلع , لأنها تغار على العقيدة والكرامة ، أن تشترى بمال أو منفعة ، بهذا التبذل والإسفاف ، الذي وصل إليه أهل العلم والعقل والصناعة في هذا الزمان , فقد عرض الكثيرون من علمهم وعقلهم وما يحسنونه كالسلع في الأسواق ، يبيعونها ليشتريها من يزيد في الثمن كائناً من كان ، وتجاهلوا أنا أُمرنا أن نعتصم بحبل الله المتين ، ونهينا عن التعاون على الإثم والعدوان في قوله تعالى : ﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ فقد أمرنا ألا نساعد على معصية وأن نكون مع الحق حيث كان ، ولا نخش في الله لومة لائم ، وأن لا نجامل أو نعين على ظلمٍ أو معصية ، لأن من أعان ظالماً سلطه الله عليه ، وقد يكون من أول ضحاياه . يروي التاريخ أن المنصور الخليفة العباسي ، طلب من ابن طاووس في مجلس أن يناوله الدواة ليكتب شيئاً فامتنع ، فسأله الخليفة عن سبب امتناعه ، وعدم امتثاله أمره ، فقال : أخاف أن تكتب بها معصيةً فأكون شريكك فيها ومتعاوناً على الإثم والعدوان ، فقد آمنوا بقوله تعالى : ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان ﴾ أما ترون يا إخوتي هذا الاحتراس من التعاون على الإثم والعدوان وهذا التعفف عن المشاركة في نظام حكم غير صحيح ، والامتناع من أدنى مساعدة لهدف لا يتفق مع مصالح الأمة ، أو يعود على الأمة بالضرر أو فيه غش وخديعة لها .
إن ما نراه اليوم من التعاون الذي تتمتع به الحكومات الأوربية من بعض المسلمين ، أمرٌ يتنافى مع منهج الله وشريعتة ، فهنالك شبانٌ مسلمون وكتاب بارعون ، يتولون تحرير الصحف والمجلات التي تصدرها الحكومات الأجنبية ، لنشر دعايتها في بلاد المسلمين ، وتمويه الحقائق ، ويعملون على نشر دعاية الحكومات الأجنبية ، التي تعيث فساداً بالمسلمين ومقدراتهم ، فإذا كان هؤلاء المتحدثون لا يرضى ضميرهم بما يقولون , فلماذا يتحدثون لصالح تلك الحكومات .
روى التاريخ أن ملكاً من ملوك العرب طلب من الشاعر العربي عبيدة بن ربيعة فرساً له يقال لها سَكاب ، فمنعه واعتذر أن يعطيها بأي ثمن وقال :
أَبَيْتَ اللَّعْنَ إِنَّ سَكابِ عِلْقٌ نفيسٌ لا تُعارُ ولا تُباعُ
والعِلْق : النفيس من كل شيء ، فماذا لو عاصر هذا الشاعر، هؤلاء الذين يشتغلون في الحكومات الأجنبية أو يذيعون من محطاتها ، ما لا يرضى به ضميرهم ، ولا يصدقه علمهم ، أو يصدرون صحفاً أو يؤلفون كتباً على راتب شهري ؛ أذل وأرخص من جواد ذالك الشاعر ، لأنه يعار ويباع وذلك لم يكن ليعار ولا ليباع ، أما لماذا يعملون في هذا المجال ، لأنهم فقدوا الضمير ، الذي منحه الله للإنسان ليُحَكّم مواقفه وتفكيره ، ويدله على الخير والشر وكسب الرضا والراحة النفسية ، ولذلكَ ضَربَ اللهُ لذلك مثلاً بيوسفَ -عليه السلامُ- حينما حجَزَهُ ضميرُه عن الانجرافِ وراءَ الهوى وقال: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ يوسف23 نعم ينبغي على الإنسان ، عندما يُقْدِم على عمل ما أن يتذكّر العقوبة التي تترتب على ذلك العمل ، لأن الإنسان إن وجد وسائل الرقابة التزم ، وإلا فإنه سرعان ما يتفلت ويتهرب ، ويتحايل على القانون وإن شريعة الإسلام ، إلى جانب ما شرعته من أحكام وحدود وعقوبات ، فقد سعت لتربية الفرد المسلم ، على يقظة الضمير ، والخوف من الله ومراقبته ، وطلب رضاه ، حتى إذا غابت رقابة البشر وهمت نفس الإنسان بالحرام والإفساد في الأرض تحرك ضميره الحي ، ليصده عن ذلك ويذكِّره بأن هناك من لا يغفل ولا ينام ، يحكم بين عباده بالعدل ، ويقتص لمن أساء وقصر في الدنيا والآخرة فقال تعالى : ﴿ وإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ الانفطار10 . إن المرء لينظر في حياة الناس فيجد عجباً مشاكل وصراعات ، وتهاجر وتدابرٌ ، وقطعٌ للأرحام وغمطٌ للحقوق والواجبات ، وتنكر للمعروف على أتفه الأسباب ، بل إنك لتجد من يكون سبباً في شقاء المجتمع ، بسبب سؤ أخلاقه وتصرفاته ، فتجد من يخون أمته ، ويبيع وطنه ، ويدمر مجتمعه ، لأن الضمير عندما يباع أو يغيب من النفوس ، عندها تهمل الواجبات ، وتضيع الأمانات ، ويقصّر في الحقوق والواجبات ، ويوسد الأمر إلى غير أهله وتظهر الخيانات ، وتحاك المؤامرات ، وتقدم المصالح الشخصية على مصالح المجتمعات ، فلنحذر من الغفلة وبيع الضمائر ولنتذكر قدرة الله وعلمه ، وما أتعس عديم الضمير الذي لا يتذكر ، عند انتهاك الحرمات ، فلا يردعه دين ولا خلق ، وإن أظهر من أعمال البر والخير ما أظهر ، فيحرم التوفيق في الدنيا والثواب في الآخرة ، لأن ضميره لم يكن مع الله قال تعالى: ﴿ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ النساء 107 . أي يستترون من الناس خوفًا من اطلاعهم على أعمالهم السيئة، ولا يستترون من الله تعالى ولا يستحيون منه ، وهو عزَّ شأنه ، معهم بعلمه، مطلع عليهم حين يدبِّرون ما لا يرضى من القول وكان الله محيطًا بجميع أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .
