قال تعالى : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ من حسن منطقهم تطرب لاستماعه، فأجسامهم وأقوالهم معجبة، وليس وراء ذلك من الأخلاق الفاضلة والهدى الصالح شيء ولهذا قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ لا منفعة فيها ولا ينال منها إلا الضرر المحض ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك لجبنهم وفزعهم وضعف قلوبهم ، فهؤلاء ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ حذّر منهم لأن العدو البارز المتميز أهون من العدو الخفي وهو مخادع ماكر ويزعم أنه ولي ، وخطورة هذا الصنف من الناس ، ترجع إلى دورهم الفعّال في إحداث الفتنة ، وتمزيق الكلمة وبث الكراهية ، فئةٌ تظهر الإيمان ، وتكن العداوة والبغضاء ، كما تكمن خطورتهم في قدرتهم على التلون ، فهم مؤمنون صالحون إذا كان ذلك يحقق لهم مطالبهم ومصالحهم ، وهم علمانيون إذا كان ذلك يحقق لهم بغيتهم وما يريدون ، وهم علماء ومفكرون إذا لزم الأمر ، يكتمون العلم ويخفونه وقت الحاجة ، وهم جهلاء بسطاء أبرياء ، إذا اقترفوا الذنب وارتكبوا المعصية ، وهذا يؤكد لنا أن هذا الصنف من الناس أسوأ من المشركين والكفار ، لقدرتهم على الخداع والتضليل ، فيكون إيذائهم شديدا ، فكم من أنفسٍ مسلمة بريئة أُزهقت بأيديهم ، وكم مِن نفوس مؤمنة رُوّعت وخوفت وكم من أموال وممتلكاتٍ أُتلِفت، لم يرحَموا طفلاً ولا شيخًا ولا امرأة ، ولم يراعوا أيَّ قِيَم دينيّة وأخلاقية، ولم يبالوا بشرعٍ ولا عقلٍ ولا إنسانية لسيطرت المصالح المادية والأهواء الشخصية على أغلب مجالات الحياة عندهم ، فانفصل القول عن العمل عندهم ، وتدهورت القيم والأخلاق وظهرت بطانات النفاق التي استطاعت أن تتبوأ المراكز الحساسة التي تمس حاضر الأمة وتؤثر على مستقبلها ، ومن أهمها وسائل الإعلام ، ومراكز صنع القرار ، ورغم أنه من المعلوم ديناً ، أن المنافق في الدرك الأسفل من النار ، وأن الكذب أصل النفاق فإنه يوجد بيننا من يكذب وينافق ، ويخون العهد ويضلل الناس ، ورغم إيماننا بأن الله تكفل بالأرزاق وأنها مقدّرةٌ ومكتوبة ، تجد الصراع على الكسب غير المشروع على أشده ، ومع العلم بأن الظلم ظلمات يوم القيامة ، تجد المظالم تمارس ، وإذا كان من المسلم به أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ، فإن مهمة تغيير المنكر باليد مطلوبة في المقام الأول من الأمراء ، وإذا كان الجهر بكلمة الحق جهادا ، فإن مهمة التغيير باللسان هي مهمة العلماء ، لكننا في زمن انقلاب الموازين واضطراب الأمور، لعدم توافق الأقوال مع الأفعال ورحم الله ابن مسعود فقد قال : «مَن كان كلامه لا يوافق فعله، فإنما يوبّخ نفسه» ، فلا خير في كلام لا تعززه الأفعال ، وقد بين ذلك بأفصح لسان، عثمان بن عفان فقد قال للناس عشية استخلافه: “إنكم إلى أمير فعّال أحوج منكم إلى أمير قوّال”، ولقد صدق القائل
وإلا أكن فِيكُم خَطِيبًا فإنني بسيفي إِذا جد الوغى لخطيب
فالإقلال من الكلام والإكثار من الفعل هو ديدن القادة الحقيقيين ودأبهم؛ ولهذا قالوا: دع أعمالك هي التي تتكلم. ولقد نعى القرآن على اليهود مخالفة أعمالهم منطقهم، فهم يرفعون شعارات البر، وواقعهم الفجور قال تعالى : ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ البقرة 44 ومثل الصورة التي رسمها المتنبي لمن هجاهم بقوله:
إنّي نَزَلْتُ بكَـذّابِينَ ضَيْفُهُمُ عَنِ القِرَى وَعَنِ الترْحالِ محْدُودُ
جودُ الرّجالِ من الأيدي وَجُودُهُمُ منَ اللّسانِ، فَلا كانوا وَلا الجُودُ
وهذا حال عبيد الأجانب في بلادنا ، فعالهم أعجمية، وأقوالهم عربية ويتمسحون بالوطنية .
وهنا سؤال : ما هو المطلوب ؟
لقد كرمّ الخالق عز وجل، الإنسان وأمره بالصدق والأمانة والعدل، والوفاء، والبيان والتبيان، وعدم الكتمان، ونهاه عن الكذب والغش والغدر والخيانة والنفاق. يقول تعالي: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ *كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون ﴾ الصف2. إن الأقوال لن تبلغ أثرها المنشود دون اقترانها بالعمل ، وقد توعد الله من يأمر بمعروف، ولا يأتيه، وينه عن منكر ويأتيه فقال تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ فقد كبر مقتاً عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل ، قال احد الحكماء :أفسد الناس جاهل ناسك، وعالم فاجر هذا يدعو الناس إلى جهله بنسكه ، وهذا ينفر الناس عن علمه بفسقه ، فقد كان المتقون السابقون يحاسبون أنفسهم، ويخافون من مخالفة عملهم لأقوالهم، قال رجل لابن عباس: “أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر؟” فقال له ابن عباس: “إن لم تخش أن تفضحك هذه الآيات الثلاث فافعل وإلا فابدأ بنفسك”، ثم تلا: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ﴾ البقرة44، وقوله تعالى: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ الصف2 وقوله تعالى حكاية عن شعيب -عليه السلام-: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ هود88 .
لما دخل الحجاج بن يوسف الثقفي البصرة قال: من سيد البصرة ؟ فقيل له: الحسن البصري، قال: كيف وهو من الموالي ؟! فقيل له: لأن الناس احتاجوا إلى علمه ، وزهد هو عما في أيدي الناس . نعم ، إنه العلم الذي يرفع الله به صاحبه مهما كان شكله أو لونه أو صنعته أو حالته ، إنه سيد التأثير ، تأثير موصول بالسماء تأثير عابر للقرون والأحقاب، إذ لازال الناس يتأثرون بأقوال العلماء الأفذاذ الذين بليت أجسادهم منذ أمد بعيد وما بليت أقوالهم وأعمالهم ، ولا تبدد تأثيرهم ونفعهم . ويقول الحسن البصري: ” يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء فيرجح مداد العلماء ” ويقول الشاعر:
رضينا قسمة الجبـار فينا لنا علم وللجهال مال
فعز المال يفنى عن قريب وعز العلم باق لا يزال
إن أزمة الأمة في هذه الأيام هي أزمة قدوات.. لقد ابتليت أمة الإسلام بأسماء لا مسميات لها، وبألقاب تفتقر إلى مضمون. لذا كثر المتكلمون وقل المؤثرون، ونُمقت العبارات وشُوهت الحقائق.
فنرى من يحث على التحلي بفضيلة وهو لا يتحلى بها، أو أمر بالتخلي عن نقيصة وهو ملوث بها لا يقابل قوله إلا بالرد، و لا يعامل إلا بالإعراض و الإهمال ، فقوله موضع حيره للبسطاء، ومحل سخرية للعقلاء، يروى عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك، ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه ) رواه مسلم
فالحذر الحذر..من مخالفة الأقوال الأعمال. وحذار أن يكون النصح باللسان والقول دون الجنان والعمل ، عن عمران بن حصين قال : قال صلى الله عليه وسلم : ( أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان ) رواه الطبراني في الكبير والبزار . فيجب على كل من يعظ الغير أن يتعظ هو أولاً ثم يعظ ، ويُبصر ثم يُبصّر، ويهتدى ثم يهدى غيره ، ولا يكون دفتراً يفيد ولا يستفيد ، وأن يكون كالمسك يطيب غيره وهو طيب في نفسه، وأن لا يناقض مقاله بفعله، ولا يكذّب لسانه بحاله.
أرباب القول المؤثر والفعل المخرّب
