دماء المسلمين تسيل ، ولا يخشى القاتلون قصاصا ، هذا الدم أرخصته أحوال أمتنا ، فأصبح أرخص من التراب ؛ وأصبح المسلمون يعيشون في عالم حُرم من راحة البال ، ومن نعمة الأمن والأمان ، فأصبح الملايين من البشر ينتظرون الموت في كل لحظة ، والقتل في كل ساعة أصبحوا لا يستشعرون بحلاوة العيش ، في عالم سُفكت فيه الدماء ومُزِّقت فيه الأشلاء ، ودُمرت فيه البيوت والمصانع والمزارع والمدارس صورة أخبرنا عنها الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن أبى هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج قالوا وما الهرج يا رسول الله قال القتل القتل ) .
وفتن الدماء من أعظم الفتن ؛ لعظم أمرها ، وسهولة استباحتها بالتأويل، وعجز العقلاء عن كف المتقاتلين، يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: ” وَالْفِتْنَةُ إِذَا وَقَعَتْ عَجَزَ الْعُقَلَاءُ فِيهَا عَنْ دَفْعِ السُّفَهَاءِ ” وَهَذَا شَأْنُ الْفِتَنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾الأنفال: 25. وَإِذَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ التَّلَوُّثِ بِهَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ الله تعالى ” ، ولعظم أمر الدماء ، فإن استحلال دم مسلم واحد ، كاستحلال دماء المسلمين جميعاً قال تعالى : ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ المائدة: 32، وقد دلت الأحاديث على أن قتل مسلم بغير حق من أكبر الكبائر، ومن السبع الموبقات ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن : ( قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا ) ، وحديث : ( ولو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار) .
إن فتن الدماء ظلم، والظلم سبب للهزيمة والفشل، وظهور الأعداء على المسلمين ، لأن المسلمين إذا ضرب بعضهم رقاب بعض ،كان فيهم ظالم ومظلوم، والله تعالى لا يرضى الظلم، بل إن الله يؤيد بالعدل دولة الكفر، ويديل لها على المسلمين ، إذا استحلوا دماء بعضهم بعضا، ولأن يخطئ العبد بمجانبة سبيل فيه خير عظيم اتقاء فتنة مظنونة خير من أن يرتكس في فتنة تتلطخ فيها يداه بدماء إخوانه المسلمين لأن الخطأ في العفو أهون من الخطأ في العقوبة ، وترك من يستحق القتل ، أخف إثما من قتل من لا يستحق القتل. وقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنِ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنُ، وَلَمَنْ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا أي فطوبى له ) رواه أبو داود ، وما نراه ألان ونسمعه ان الكل يقاتل الكل والناس منقسمون دون ان ينحازوا للحقيقة، ويتبصروا الواقع، منجرفين وراء سياساتهم ،مرهونين لمعتقداتهم ،دون النظر لمصالح أوطانهم، التي تآكلت وتهدمت ودمرت .
إنه الصراع على الحصول على متع هذه الحياة، وتعظيم شأن الدنيا والزهد في الآخرة ، وما عند الله تعالى، وهذا من أمارات النبوة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها ستحصل بين المسلمين قبل قيام الساعة، وهذا ليس المراد منه واقعة بعينها ، وإنما المراد المعنى العام والاقتتال بين المسلمين ، قد وقع كثير منه في بلاد المسلمين حتى لا يعرف القاتل فيما قَتل، ولا المقتول فيما قُتل ، وقد روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ أي كلٌ منهما يدّعي نصر الحق ، وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبًا مِنْ ثَلاَثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ) وروى ابن ماجه بسند صححه العلماء عن أبي موسى قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَهَرْجًا قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: الْقَتْلُ ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَقْتُلُ الْآنَ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَلَكِنْ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ، وَابْنَ عَمِّهِ وَذَا قَرَابَتِهِ ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا، تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: وَايْمُ اللَّهِ، إِنِّي لَأَظُنُّهَا مُدْرِكَتِي وَإِيَّاكُمْ، وَايْمُ اللَّهِ، مَا لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجٌ، إِنْ أَدْرَكَتْنَا فِيمَا عَهِدَ إِلَيْنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا أَنْ نَخْرُجَ كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا ) فهذه بعض أسباب الاستهانة بسفك الدماء المحرمة من المسلمين من قبل المسلمين أنفسهم ، غدر وانقلابات ومؤامرات وأدوات موت وإزهاق وفناء ، فالرصاص والدبابات والمدافع والطائرات هي التي تتكلم وتزمجر، فتقتل وتدمر، والعقول نائمة،، والأفكار هائمة والشعوب تساق كالسائمة، والمنادي أين الحكماء والعلماء ، وأين رجال الدين الأتقياء ، وأين الملوك والرؤساء والأمراء ؟ هل هم أموات أم أحياء ؟ أم أنهم يشعلون نار الفرقة والعداء، وصرف الأموال على الشهوات بسخاء، فهانت عليهم البلاد والأوطان ، وأصبحت الشعوب لا قيمة لها ، بعد ان الصقوا فيها صفة القتل والإرهاب ، و لماذا نجعل شعوبنا وأوطاننا ومقدراتنا وثرواتنا لقمة سائغة في أفواه الأعداء والعملاء؟ عجبا للتاريخ واسفاره وأقلامه، كيف ستسجل هذه الحقبة من تاريخ الأمة وهذه الانتكاسة والغمة ؟
أرخص الدماء
