قال تعالى : ﴿ إنَّهٍمً يّكٌيدٍونّ كّيًدْا ﴾ تؤكد هذه الآية القرآنية حقيقةً ثابتةً على مر العصور في مواجهة أهل الكفر والباطل لما سبحانه وتعالى من الشرائع، إنها حقيقة كيد أعداء الدين ، ووقوفهم ضدّه ، فالكيد من الأعداء مستمر لا ينقطع حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، وفي هذه الآية الكريمة ما يردُّ على المستغربين من المسلمين في هذا العصر الذين ينفون فكرة مؤامرة الأعداء ضدَّ الإسلام والمسلمين ومخطَّطات أهل الكفر والعصيان ضد دين الله وأهله وأنصاره ، متعددة ومتنوعة ، فمن الناحية العسكرية ، أعلنوا الحرب على المسلمين ، بأقوى الأسلحة ، ومن الناحية الفكرية ، حاولوا التشكيك في دين الله وزعزعة العقيدة في قلوب المسلمين ، بما ينشرونه من كتب ورسائل ، وما يلقونه من خطب ومقالات بالطعن في الإسلام وقادته ، قال تعالى : ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ . وإذا لم يعتنق المسلم ما هم عليه من الكفر والضلال اقتنعوا منه بالشك في دينه ، وفي ذلك خروجه من الدين ؛ فقد قالوا : ” إننا نستبعد من المسلم أن يدخل في ديننا ، ولكن يكفينا أن يشك في دينه ثم يخرج منه إلى أي دين شاء ” وهذا صموئيل زويمر رئيس جمعيات التنصير؟ يقول في إحدى المؤتمرات : ” إنكم إذا أعددتم نشأً لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، أخرجتم المسلم من الإسلام ، وجعلتموه لا يهتم بعظائم الأمور، ويحب الراحة والكسل، ويسعى للحصول على الشهوات بأي أسلوب، حتى تصبح الشهوات هدفه في الحياة، فهو إن تعلم فللحصول على الشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوّأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات، إنه يجود بكل شيء للوصول إلى الشهوات ” يكيدون لأنهم يعلمون علم اليقين أن عز الإسلام هو ذلهم والقضاء عليهم ، وأن انتصار الإسلام يعني خذلانهم ، وأن قيام دولته يعني سقوط دولهم ، ومن الناحية الخلقية نشروا بين المسلمين ما تفسد به أخلاقهم ، وتفسد به آدابهم ، وتفسد به قيمهم ؛ إما بالأغاني الماجنة والقصص الخليعة ، وإما بالصور الفاتنة حتى يصبح المسلم فريسة لشهوته يتحلل من كل خلق فاضل، وينزل إلى مستوى البهائم ، وحتى لا يكون للمسلم إي هم سوى إشباع غريزته من حلال أو حرام ، وبذلك ينسى دينه ويهجر كل فضيلة ، وينطلق مع شهواته ولذاته ومن الناحية العاطفية ، تظاهروا بمحبة المسلمين والولاء لهم ، والعطف عليهم ، ومراعاة مصالحهم ،حتى يغتر بهم من يغتر من المسلمين ، فيميلوا إليهم بالمودة والإخاء ، والقرب والولاء ، الذي جاء النهي عنه صريحا في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ ﴾ . يعلمون أن قوة الإسلام والمسلمين تكمن في عقيدتهم ، وما يملكون من الثروات التي تعيش عليها الأمم الأخرى ، إنهم يتزودون بسبعين بالمئة من الوقود الذي تقوم عليه الحضارة الصناعية المعاصرة ويملك المسلمون ضمن مجموعة الدول النفطية مردوداً مالياً نقدياً يوازي ميزانية أكبر دول العالم ثلاثة مرات سنوياً ، كما يملك المسلمون قدرةً على التنامي السكاني ، الذي يمكن أن يهدد العالم ولذلك يكيدون ، والله لهم بالمرصاد وسينصر عباده المؤمنين ، فقال تعالى :﴿ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الحساب ﴾ وما علموا أنهم في حرب مع الله ومن كان في حربٍ مع الله فهو خاسر ومهزوم قال تعالى : ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله لقوي عزيز ﴾ . لقد تجمعت كل القوى على معاداة الإسلام ، فتحالفت الصهيونية العالمية التي تمثلها إسرائيل ، وكل المجامع الماسونية والنوادي اليهودية مع الصليبية العالمية ، وانضمت إليهم الشيوعية الملحدة ، لإبعاد الإسلام من الطريق ، وظل تمزيق العالم الإسلامي حلماً بالنسبة لهم ، وكان القضاء على الخلافة الإسلامية من أولى الأولويات عندهم ، لما لها من أهمية كبرى في الإسلام ؛ ففضلاً عن أنها تقوم بحماية الدين والسهر على تنفيذه، فهي تقوم على حماية المسلمين وتوحيد كلمتهم ، بحيث يتمكنون من الدفاع عن عقيدتهم وأوطانهم، وحتى ينفرط عقد هذه الخلافة ، فقد ركز الأعداء على إحياء النزعات القومية والعنصرية التي مزقت الخلافة الإسلامية ، وحتى تستمر الأمة المسلمة في حالة ضعف أدرك العدو أنه لابد من الهيمنة على نظم الحكم في العالم الإسلامي ، عن طريق إعداد طبقة من الموالين لهم من أهل تلك البلاد وتسليمهم مقاليد الحكم ، وعن إبعاد الإسلام عن مجال الحياة العامة ، عملوا على إحلال القوانين الغربية محل القوانين الإسلامية وعلى سبيل التمويه والخداع أُطلق على هذه العملية اسم (العلمانية) وتحقق لهم ما أرادوه ، من فصل الدين عن الدولة، فتمزق الشباب المسلم وتحللت المجتمعات الإسلامية وانتشر الصراع الداخلي بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة.
وفى مواجهة المد الإسلامي الفكري شجع الأعداء على تكوين الفرق الهدامة المنسوبة للإسلام لضرب الإسلام وتشكيك المسلمين في دينهم، ومساعدة هذه الفرق ، في محو فكرة الجهاد من الشريعة الإسلامية والترويج لفكرة أن الإسلام لم يعد صالحاً للعصر الحديث، وليس خافياً أن هذه الفرق تحظى بحماية كاملة من أعداء الإسلام ، لإنجاح خططهم ومؤامراتهم، لإضلال المسلمين وإفسادهم وإخراجهم من دينهم، قال تعالى: ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ﴾ فقد تآمروا وأشعلوا الحروب بين المسلمين ، فقسموهم شيعة وسنة ، ولم يكتفوا بذلك بل واصلوا تجزيء المجزأ ،وتشتيت المشتت ، ولن يتوقفوا عن عبثهم بنا،حتى يصبح كل واحد منا أمة ، له مذهبه وطقوسه واستقلاله الذاتي.
تآمروا على نسائنا وبناتنا ، فأصبحن بعد التستر متهتكات ، وبعد الخلق الفاضل فاسقات ، وبعد التحجب عاريات ، وبعد الحياء والحشمة والوقار فاتنات ، وتآمروا على شبابنا في أخلاقه وطريقة لبسه وموضة حلاقته وكل اهتماماته.. إنها المؤامرة على الإسلام والمسلمين ، والسؤال هنا : هل نستسلم لأصحاب نظرية المؤامرة ، أولئك الذين يردون كل انكساراتنا وخيباتنا وهزائمنا وأسباب ضعفنا ،إلى مؤامرة ،نسجها بليل أعداء الأمة ، وواصلوا تآمرهم علينا ، وهل وُجدت الدول والأمم إلا لكي يكيد بعضها لبعض؟ أوليس دأب الدول والأنظمة السياسية التآمر على بعضها لتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية؟ وكم هو طويل ومتشعب تاريخ المؤامرة ،وكم هي متداخلة سلاسله ، وهل مكتوب علينا أن تُكَبِلَنا من بين كل العالمين ؟ وبأي منطق ، وتحت أي ذريعة نستسلم لنظرية المؤامرة ؟ أما آن لنا الرجوع إلى كتاب ربنا وسنة نبينا ، وندع الأماني والتمني :
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
فكيف نطرب ولا نغضب ؟ وكيف نأمل ولا نعمل ؟ وكيف نتألم ولا نتعلم ؟ كفى أن نجعل من نظرية المؤامرة كابوساً مخيفاً، أو شماعة نلقي عليها كافَّة الأعذار ، التي تحول بيننا وبين ما نتطلع إليه من اللحاق بركب التنمية والتجديد والتنوير بمفاهيمها الإسلاميَّة ، قد يأتي هذا التبرير لدى كثير من الناس متدينين وغير متدينين، فبعضهم يعتقد أنَّ كل شر أتى لهذه الأمة بسبب الكفار والغربيين تحديداً، وكل خطأ يقع في بلادنا من نواح سياسيَّة أو اقتصادية فهو بسبب عدونا، ويتناسون أنَّ هنالك الكثير من الأخطاء التي صنعناها بأيدينا ونحن عنها غافلون. قال تعالى : ﴿ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ﴾ هود 117 .
