إن حجم الإنسان عند الله هو بحجم عمله الصالح وإن الرزق والأجل لا يتغيران وقد جاءت النصوص لتؤكد أن الرزق يزداد وأن الأجل يطول ، وقد قال العلماء أن العمر يطول بالعمل الصالح بدليل أن موسى عليه السلام لما سقى للفتاتين قال : ﴿ ربي إني لِما أنزلت إلي من خيرٍ فقير ﴾ القصص .
هذه الآية تدل على أن الغنى غنى العمل الصالح وأن الفقر هو فقر العمل الصالح ، والعمل الصالح بيد الإنسان ، فهو مخير وأسبابه متاحة له ، فقد يعيش الإنسان أربعين عاماً ويكون له من الأعمال الصالحة ما يساوي مئات السنين ، فهذا الإمام الشافعي على سبيل المثال عاش دون الخمسين ، وما زال مذهبه يعمل به وابن باديس من العلماء المعاصرين وهو أحد كبار المصلحين في القرن العشرين والذي غيّر أمة بأكملها إذ بدد بثورته الفكرية ما كان مخيماً على الجزائر من تقاليد ثقيلة ، تتمثل في تلك الطرق الصوفية الجامدة المخدرة للشعب ، حيث وصل بهم الأمر إذا ما سئل احدهم عن حاله يقول : ” تأكل القوت وتنسى الموت ” وقد أدت هذه الظاهرة الاجتماعية إلى تعطيل الفكر وشل جميع الطاقات الأخرى ، فالعمر إذن زمن ليس بيد الإنسان ، أما مضمونه فهو بيده ، فبإمكان الإنسان أن يطيل عمره إلى خمسمئة عام بحجم العمل الصالح الذي يفعله في الدنيا ، وحجمه عند الله بحجم عمله الصالح قال تعالى :﴿ والعمل الصالح يرفعه ﴾ فاطر . ومن أعظم الأعمال الصالحة ما استمر بعد موت الإنسان ، روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه ) كثيرٌ من العلماء توفاهم الله من سنوات طويلة ودروسهم تبث كل يوم في تفسير القرآن ، أليس هذا العمل مستمراً ؟ وكذلك من ألّفوا كتباً إسلامية تستفيد منها الأجيال على مدى الزمان . فمن الخير للإنسان أن يجتهد وهو حي بعمل صالح لا ينتهي عند موته ، بل يستمر بعده ، وهذه هي الصدقة وفي المقابل هناك أشخاص يموتون ، وأعمالهم السيئة مستمرة من بعد موتهم ، وأما بعض الأحاديث التي تفيد بأن الله عز وجل ينسأ الإنسان في أجله ، معنى ذلك أن الله يرزقه أعمالاً صالحة تحتاج إلى آجال مديدة ، فالنبي صلى الله عليه وسلم عاش ثلاثاً وستين عاماً لكن أثره عمّ الأرض وقد أقسم الله بعمره الثمين فقال له : ﴿ لعمرك إنهم في سكرتهم يعمهون ﴾ الحجر . فعمر الإنسان محدود زمناً ، أما مضمونه فلا حدود له لإنه يتسع بقدر عمله الصالح ، ورد في بعض الآثار : ( ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ) وكان صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ يقول : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي ، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِه ) الترمذي عن أبي هريرة .
وأعظم الأعمال الصالحة ما استمر بعد موت الإنسان وكذلك الرزق فإنه يتبدل ، وزيادته بيد الإنسان أيضا فإذا عمل بأسباب زيادة الرزق ، ومنها : الاستغفار الذي أمر به الله فقال تعالى: ﴿ وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسنا إلى أجلس مسمى ﴾ هود ، والمتاع الحسن من لوازمه الرزق الوفير قـال تعـالى : ﴿ ويؤت كلَّ ذي فضلٍ فضله ﴾ هود . ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) أبي داود وابن ماجه والمستدرك للحاكم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ . وعَنْ الحسن رضي الله عنه : ( مَنْ أنعم الله عليه بنعمة فليحمد الله ، ومن استبطأ الرزق فليستغفر الله ومن حزبه أمر فليقل لا حول ولا قوة إلا بالله ) . أصاب الناس قحط في عهد عمر فصعد المنبر فاستسقى فلم يزد على الاستغفار فقط ، صعد المنبر واستغفر فقط فقالوا له يا أمير المؤمنين ما سمعناك استسقيت ؟ أين دعاء الاستسقاء ، فقال : لقد طلبت الغيث بمفاتيح السماء التي يستنـزل بها المطر ثم قرأ الآية الكريمة : ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ﴾ نوح 10 . وقوله: ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ﴾ هود 52 .
وروى الطبراني عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم سبعاً وعشرين مرة كان من الذين يستجاب لهم ويرزق بهم أهل الأرض ) فالاستغفار أحد أسباب زيادة الرزق لأن الاستغفار ندم وتوبة وعودة إلى الله .
ولا يعذّب المؤمن من قِبل الله عز وجل إن أستغفره وتاب إليه قال تعالى :﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ الأنفال . كما أن دوام النعمة وبقاؤها مرتبط بشكر الله وحمده يقول الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه :” إن كان عليك نعمة فأحببت بقاءها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر ” والله يقول : ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ إبراهيم
فمفتاح الرزق السعي مع الاستغفار ، ومفتاح المزيد الشكر ، وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار فإن الله تعالى يقول في كتابه : ﴿ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴾ ، إذا حزبك أمر من سلطان ، أي مشكلة كبيرة مع جهة رسمية- فأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها مفتاح الفرج وكنـز من كنوز الجنة ” .
جاء رجلٌ إلى الحسن بن على فشكا إليه القحط فقال له : استغفر الله ، وأتاه آخر فشكا إليه الفقر فقال : استغفر الله ، وأتاه آخر فقال له : ادعُ الله أن يرزقني ابناً صالحاً فقال : استغفر الله ، أتاه آخر شكا له جفاف بساتينه قال له : استغفر الله ، قال الحاضرون : عجبنا من هذا الكلام فقلنا : أتاك رجال يشكون ألواناً ويسألون أنواعاً فأمرتهم جميعاً بالاستغفار ، فقال : ما قلت من نفسي شيئاً إنما اعتبرت قوله تعالى حكاية عن نبيه نوح عليه السلام أنه قال لقومه : ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويُمددكم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جناتٍ ويجعل لكم انهارا ﴾ . أتدرون لماذا لا يستجاب للمسلمين دعاء ؟ وكثيرٌ منهم يدعون الله ليلاً ونهاراً والأمور تزداد تعقيداً السبب أن أمر الله هان عليهم فهانوا على الله ، ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ أي لماذا لا تعظمون أمره ، لماذا لا تأخذون أمره ونهيه أمراً جدياً فتطبقونه منهاجاً ونظاما ، فمن دعا الله مع الخوف من غيره لا يستجاب له أبداً ، أما عندما تؤمن أن كل شيءٍ بيد الله ، وتؤمن أنه لا معطي إلا الله ولا مانع إلا الله ، ولا رافع إلا الله ولا خافض إلا الله ، ولا معز إلا الله ولا مذل إلا الله ، حينما تؤمن أن كل الطغاة في الأرض لا يستطيعون فعل شيء إلا إذا سمح الله ، حينما تجعل علاقتك كلها بالله ، حينما تعقد الأمل على الله ، حينما تتوكل على الله ، حينما لا ترى يداً تعمل في الكون إلا الله ، بذلك يصح دعاؤك ، وإذا صح دعاؤك استجاب الله لك وإياك أن تدعو الله وأنت معتمد على زيد أو على عبيد وإياك أن تدعو الله وأنت ترى أن خلاصك بيد زيد أو عبيد ، أو أن زيداً أو عبيداً إن شاء رفعك وإن شاء خفضك ، عندها لا يكون للدعاء معنى على الإطلاق، لأن التوحيد أساس الدعاء ، فحينما ترى أنه لا إله إلا الله ، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وحينما توحد تدعو ، وإذا دعوت صادقاً يستجاب لك ، وما أمرك الله أن تدعوه إلا ليجيبك ، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك ، وما أمرك أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك ، إذن الله معك وكما جاء في الخبر : ( عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك ، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك وما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد ) ضعوا رحالكم في باب الله ، ضعوا طلباتكم عند الله ضعوا كل همومكم عند الله ، روى ابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ) . هناك صنفان من الناس مستثنون من شروط الدعاء :
المضطر : ولو لم يملك شروط الدعاء المستجاب يستجيب الله له لأنه رحيم .
المظلوم : ولو لم يملك شروط الدعاء المستجاب يستجيب الله له بعدله ، فالمضطر يدعو الله كيفما كان وضعه مستقيم غير مستقيم ، محسن مسيء ، يدعُ الله لأنه ليس له غيره قال تعالى : ﴿ أمّن يجيب المضْطر إذا دعاه ﴾ النمل . بل علينا أن نتقي دعوة المظلوم و لو كان كافراً فإنها ليس بينها وبين الله حجاب ، إياك أن يدعو عليك مظلوم ولو كان كافراً ، فالله يسمع دعائه ، لأنه عبد من عباده الله عز وجل يقول : ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ المائدة ، روى أن أحد أكبر المقربين لهارون الرشيد اسمه خالد البرمكي أقوى إنسان في الدولة ، رأى نفسه فجأة في السجن ، فزاره أحدهم فقال له ما حالك ؟ قال لعل دعوة مظلوم أصابتني . وادعى يهودي أن درع سيدنا علي له ، وقفا أمام القاضي ، والذي عين القاضي على ، فقال له : أمعك شهود يا أمير المؤمنين ؟ قال معي أولادي ، قال : غير مقبولة شهادة أولادك فلا يشهد ابن لأبيه ، وحكم القاضي لليهودي بالدرع فأسلم . قيل لإبراهيم بن ادهم : ما بالنا ندعوا فلا يستجاب لنا؟
قال : لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه
وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته
وعرفتم القران فلم تعملوا به
وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها
وعرفتم الجنة فلم تطلبوها
وعرفتم النار فلم تهربوا منها
وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له
ودفنتم الأموات فلم تعتبروا
وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس .
والحمد لله رب العالمين .
أسباب زيادة الرزق الاستغفار والدعاء
