من سنة الله في خلقه ، حياة ثم ممات ، وحكمته في كونه قدوم وفوات ، ومن البشر النقص والهفوات ، ولهذا شرع الله مواسم لجني الحسنات ، والتخفيف من السيئات ، ومسح الذنوب والآفات ، وغسل الزلات ، وإزالة العثرات ، ومن هذه المواسم شهر رمضان المبارك ، الذي يستقبله البعض ويخرج منه ولا يتحرّك فيه ساكن ، ماضٍ في غيِّه مستمر في ضلاله ، وآخرون يصلحون أنفسهم صلاحاً مؤقتاً ، ومنهم من يتوب إلى الله ، يرجو رحمته ويخاف عذابه ، ومنهم من ينتظر قدومه ، لينهل من بركاته ويغترف من خيراته ، لأنه فقه قوله صلى الله عليه وسلم في محاورته مع جبريل عليه السلام ( من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار ، فأبعده الله ، قل آمين ، فقلت آمين)أخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان والترمذي والطبراني بإسناد حسن ، فالذين لا يرحبون برمضان ، لا يحبونه لأنه يزجر عن المعاصي والذنوب والآثام ، أما من عودوا أنفسهم على الصيام فإنهم ، يفرحون بقدومه لأنهم تعودوا صيام النوافل ، كالإثنين والخميس وأيام البيض ، وغيرها من صيام النوافل ، التزاماً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لذا يعتبر صيام رمضان بالنسبة لهم أمراً طبيعياً ، لكن الذي لا يصوم النوافل ، فإنه يجد في صيام رمضان مشقة؛ لأنه لم يعود نفسه على الصيام ، روي عن السلف أن قوماً منهم ، باعوا جارية لهم فاشتراها رجل ، فلما أقبل رمضان بدأوا بتحضير المآكل والمشارب لاستقبال شهر رمضان، فقالت لهم: لماذا تصنعون هذا؟! قالوا: نصنعه لاستقبال رمضان قالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان! والله لقد جئت من عند قومٍ السنة عندهم كأنها رمضان ، لا حاجة لي إليكم ، ردوني إليهم. فرجعت إلى سيدها الأول، ويروى أن الحسن بن صالح الزاهد الورع كان يقوم الليل ، هو وأخوه وأمه أثلاثاً، يقوم ثلثاً ويقوم أخوه ثلثاً آخر، وتقوم أمه الثلث الباقي فلما ماتت أمه تناصف هو وأخوه الليل ، فصار يقوم نصفه ، ويقوم أخوه النصف الآخر، فلما مات أخوه ، نقل عنه أنه كان يقوم الليل كله ، وقيل: بأنه باع أمةً له، فلما انتصف الليل عند سيدها الجديد، قامت في وسط الدار وصاحت: يا قوم الصلاة الصلاة، فقاموا فزعين، وقالوا: هل طلع الفجر؟! قالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة!! فلما أصبحت رجعت إلى سيدها وقالت: لقد بعتني على قومٍ لا يصلون إلا الفريضة، ولا يصومون إلا الفريضة، لا حاجة لي إليهم ردوني ردوني، فردها. إذاً: إذا اعتاد الإنسان على الصيام لا يجد في صيام رمضان مشقةً ، لهذا يفرح بقدومه ، لأنه يعرف أن الامتناع عن اللذات في هذه الدنيا سببٌ لحصولها في الدار الآخرة لذلك يفرح بهذا الشهر الكريم والعكس بالعكس، فإن الذي يقبل على الملذات المحرمة في الدنيا يكون هذا سبباً في حرمانه منها يوم القيامة ، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة) عقاباً له على تمتعه بخمرة الدنيا، وفي حديث آخر: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) ، ومن يعلمون أن الله عز وجل يجري في رمضان من الأجور ما لا يجري في غيره من الشهور، يفرحون بقدومه فرح الغائب بقدوم غائبه ، وهناك من يستعظمون نـزوله ، يعدون أيامه ولياليه ، ويفرحون بكل يومٍ يمضي ، لأنهم وجدوا في هذا الشهر ، مانعاً يحول بينهم وبين لذاتهم فيستثقلونه ، لأنهم يلتزمون فيه ببعض الطاعات التي قصروا فيها في غيره يستثقلونه لأنهم سيفارقون فيه مألوفهم من الشهوات، ونسوا أو تناسوا فضل هذا الشهر ، وعظمة الأجر فيه ، هناك من لا يعرفون الله إلا في رمضان ويهجرون العبادات في غيره ، وهناك من يصومون عما أحل الله ويفطرون على ما حرم الله، يصومون عن الأكل والشرب لكنهم يرتكبون أشياء محرمةً، مثل الغيبة والنميمة والكذب، والسب والشتم… وغيرها من المحرمات سواء أكانت قوليةً أم فعلية. هناك من يركزون في حديثهم على الفوائد الدنيوية للصوم فيتكلمون عن أثر الصوم في حفظ الصحة، ويستشهدون بالحديث الضعيف : ( صوموا تصخوا ) وينسون ضرورة التنبيه إلى ثواب الصائم في الدار الآخرة، وهناك من يسوء خلقه فيقسو على أهله ويعاملهم بأسلوبٍ فظٍ غليظ متناسياً قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (الصوم جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم) وهناك من يتخذ رمضان فرصةً للكسل والخمول ونوم نهاره ويحتج بأنه صائم بالحديث الضعيف: (نوم الصائم عبادة)، وهناك من يبالغ في تناول الأطعمة ، ما يتنافى مع الحكمة الأساسية من مشروعية الصيام أعجبني من وصفهم فقال: “إنكم تأكلون الأرطال وتشربون الأسطال، وتنامون بالليل ولو طال، وتزعمون أنكم أبطال”، ومن الناس من لا يعرف لهذا الشهر إلا أنه شهر المسلسلات والتمثيليات ومسابقات القمار التي يعد لها أعداء الله ورسوله والمسلمين، وأخيرا ، ألا ليت المسلمين يستقبلون رمضان كما يجب ، أو يعاملونه كما ينبغي فيعملوا الصالحات ويتوبوا عن المنكرات .
