جعل الله اللسان وسيلة التخاطب وهو من نعم الله العظيمة ، إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان ، وآفاته كثيرةٌ ومهلكة ، وإن أكثر خطابا الإنسان من حصائد اللسان ، إذ لا ينجو من شرّه إلا من قيده بلجام الشرع ، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة ، لأن خطره عظيم ، فكم من فرقة وعذاب وفوضى واضطراب وشرورٍ وآثام وفتنٍ وإجرام تأتي عن طريقه ، ولا نجاة من خطره إلا بالصمت ، لذلك مدح الشرع الصمت وحث عليه أخرج الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من صمت نجا ) . كما أخرج عن عبد الله بن سفيان عن أبيه قال : قلت يا رسول الله ! أخبرني عن الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدا بعدك قال : ( قل آمنت بالله ثم استقم قلت فما أتقي ؟ فأومأ بيده إلى لسانه ) . وقال الأوزاعي : كتب إلينا عمر بن عبد العزيز أما بعد : ” فإن من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فبما يعنيه ” . إن في حفظ اللسان السلامة من الشر ، والنجاة من لهلاك ورحم الله امرأ قال خيراً فغنم أو سكت عن شرٍّ فسلم ، وقد ورد أن استقامة اللسان من خصال الإيمان كما في مسند أحمد عن أنس أن الني صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ) . وأول مراحل هذه الاستقامة ، أن ينفض يديه مما لا شأن له به وألا يقحم نفسه فيما لا يُسأل عنه روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ثقباً صغيراً يخرج منه نورٌ كبير ويحاول الرجوع فلا يستطيع ، سأل عنه فقيل له : ( هذا مَثَلُ الكلمة تخرج من فم الإنسان فلا يستطيع ردها ، وإن الرجل ليتكلم بكلمةٍ لا يلقي لها بالا تكون عليه حسرة وندامة يوم القيامة ، وما خلق الله للإنسان لساناً وأذنين إلا ليسمع أكثر مما يقول ) وقد عد بعض العلماء للسان عشرين آفة وكلها من الكبائر والله يقول :﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفِّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريما ﴾ النساء . إن من تمام الإيمان أن تقول خيراً أو تصمت ، فالخير أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر ، وتلاوة القرآن والذكر والدعاء , والشر كالكذب والنميمة والشتم واللعن روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات ، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالاً يهوي بها في جهنم ) :
زيادةُ القولِ تحكي النقصَ في العملِ ومنطقُ المـرءِ قد يهديهِ للَّزللِ
إن اللسان صغـيرٌ جُـرمُه ولـهُ جرمٌ كبيرٌ كما قد قيل في المثل
وقد قيل إن اللسان يقول كل يومٍ للجوارح : كيف أنتن ؟ فيقلن له :” نحن بخيرٍ ما تركتنا” ومن الناس من يعجبه الكلام ولو كان فيه حتفه قوّال ثرثار :
إحفظ لسانك لا تقولُ فتبتلى إن البلاء موكّلٌ بالمنـطق
فالعاقل من حفظ نفسه وكف لسانه إلا عن حقٍ ينصره أو باطلٍ ينكره ، لأن من كثر كلامه قل احترامه ، ومن زاد لغطه فحش غلطه . والبعد عن اللغو من دلائل الاكتمال وقد يتكلم المرء بما يدمر مستقبله وقد قيل : ” من كثر لغطه كثر غلطه ” :
يموت الفتى من عثرةٍ بلسانه وليس يموت المرءُ من عثرة الرِجْلِ
وقد قيل : ” السكوت في وقته صفة الرجال ، كما أن النطق في موضعه أشرف الخصال ” . جاء في كتب العجم : أن ملك فارس والهند والروم وملك الصين اجتمعوا فقال أحدهم : ” إذا تكلمت بالكلمة ملكَتْني ولم أمْلِكْها ، وقال الآخر : ندمت على ما قلت ولم أندم على ما لم اقل ، وقال الآخر : أنا على ردِّ ما لم أقل أقدر مني على ما قلت ، وقال الأخير : ما حاجتي إلى أن أتكلم بكلمة ، إن وقعت عليَّ ضرتني ، وإن لم تقع عليَّ لم تنفعني ” ومن الضمانات التي اتخذها الإسلام لصيانة الكلام من الانحراف والهوى تحريمه الجدل وسده لأبوابه ، لأن هناك أحوالاً تستبد بالنفس وتغري بالمغالبة ، فتجعل المرء يناوش غيره بالحديث ، ويتصيد الشبهات التي تدعم رأيه ، والعبارات التي تُروِّج حجته فيكون حب الانتصار عنده أهم من إظهار الحق ، وهذا ما يعده الإسلام خطراً على الدين والفضيلة روى أبو داود أن رسول لله صلى الله عليه وسلم قال : ( من ترك المراء وهو مبطل بُني له بيت في رَبَضِ الجنة ، ومن تركه وهو محق بُني له وسَطَها ، ومن حَسُنَ خُلُقُه بُني له في أعلاها ) .
هناك أناس تغريهم ألسنتهم بالاشتباك مع العالم والجاهل ، ويكون الكلام لديهم شهوة غالبة لا يَملّونه أبدا ، هذا الصنف من الناس إذا سَلَّطوا ألسنتهم على شئون الناس أساءوا ، وإذا سلطوها على حقائق الدين شوَّهوا جمالها وأضاعوا هيبتها ، وقد سخط الإسلام على هذا الفريق من الناس روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ) . هذا الصنف من الناس لا يقف لسانه عند حد ، إنه يريد الكلام فحسب يريد أن يباهي ، وإذا ما جادل في الدين فسد به الدين ، وقس على ذلك الجدال في بقية العلوم والآداب والمجالس التي يتجاذب الناس فيها أطراف الحديث ، فإن الإسلام يكره مجالس القاعدين الذين يقضون أوقاتهم في تسقط الأخبار وتتبع العيوب وكأنه لا شغل لهم إلا في التسلي بشئون الآخرين قال تعالى: ﴿ ويلٌ لكل همزةٍ لمزة الذي جمع مالاً وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذنَّ في الحطمة ﴾ الهمزة . إنه تهديد لكل من يستهين بأقدار الناس ، فيندفع إلى الاستهانة بأقدارهم وكراماتهم ولمزهم وهمزهم يعيبهم بلسانه ويسخر منهم بحركاته ، بالقول والإشارة وباللفتة الساخرة والحركة الهازئة . وقد دأب الناس على هذا في مجالسهم وهو من الخطايا العظيمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضاً في الباطل ) وهو ما أشار إليه سبحانه بقوله : ﴿ وكنا نخوض مع الخائضين ﴾ . أوصى الله عز وجل عباده المؤمنين أن يتقوه فيما تنطق به الألسنة فقال تعالى آمراً العبادة وواعداً لهم بعظيم ما يكون من الخير في الدنيا والآخرة إذا اتقوا الله في اللسان : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ الأحزاب70-71 . من اتقى الله في لسانه، فإن الله وعده أن يصلح حاله، وأن يحسن عاقبته ومآله ، وأن يفوز فوزاً عظيماً . فقل خيرا تغنم وإلا فاعلم أنك ستندم واعلم أن قبل اللسان شفتان وأسنان فهل يحجزانك عن الكلام ؟ أرجو أن يكون كذلك اللهم انفعنا بما سمعنا ووفقنا لحسن القول ولزوم الصمت ولقد صدق من قال :
وجدت سكوتي متجرا فلزمته وإذا لم أجد ربحا فلست بخاسر
وما الصمت إلا في الرجال متاجر وتاجره يعلو على كل تاجـر
وقال :
الصمــت زيـن والسـكوت سـلامة فإذا نطقت فلا تكــن مكثـاراً
فـإذا نــدمت على ســكوتك مـرة فلتندمـن علـى الكلام مـراراً
وقال لقمان الحكيم لابنه: يا بنيّ من رحم يرحم ، ومن يصمت يسلم ، ومن يفعل الخير يغنم ، ومن يفعل الشر يأثم ، ومن لا يملك لسانه يندم .
يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرِّجل
فعثرته بالقول تذهب رأسـه وعثرتـه بالرجل تبرأ على مهل
أما حفظ اللّسان : فاحفظ اللسان عمّا لا يعنيك ، فإنّ أكثر خطايا ابن آدم لسانه ، وإنّ الصمت باب من أبواب الحكمة ، وقد ورد أنه لا يزال العبد المؤمن يُكتب محسناً ما دام ساكتاً ومن أراد سلامة الدارين فليحفظ لسانه ، وإذا أراد الله تعالى بعبد خيراً أعانه على حفظ لسانه ، وشَغَله بُعيوبه عن عيوب غيره . ومَن قَلّ كلامه كَمل عقله وصفى قلبه ، ومن كثر كلامه قَلّ عقله وقسا قلبه ، وإنّ الصمت لا يورث الندم ، ورُب كلام يورث الندم في الدّنيا والآخرة ، وقد قيل : ” إذا كان الكلام من فضّة فالسكوت من ذهب “. نعم، قد يكون الكلام ذهباً لعارض والسكوت تراباً ، كالتكلّم بالفقه والوعظ والآداب الشرعية والأخلاق المرضية ، بل قد يكون السكوت سمّاً قتّالاً ، كالسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فاحفظوا ألسنتكم , ولا تطلقوا لها العنان فتهلككم وتوردكم البوار , وإذا أردتم الكلام في شيء فتذكروا كلام الله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلّاَ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ق:18 وتذكروا كلام الناصح الأمين محمد صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) .
