أمثلة لانتصار الحق على الباطل


ذكر القرآن قصصاً تدل على انتصار الله لعدد من أنبيائه ورسله ، في معرض مواجهتهم لأقوامهم ، وما لا قوه في سبيل دعوتهم من المصاعب والأذى ، وهذه القصص مفادها العظة والعبرة ، وهي دروس يستشف منها المسلم ما يعينه على مواصلة المسير ، مهما اشتد عليه البلاء ، فله في الأنبياء مَثَلٌ وقدوة ، وله في قصصهم عظة وعبرة وهي قصص يتبين من خلال العرض القرآني لها ، كيف تدخلت يد القدرة الإلهية ، لانتصار هؤلاء الرسل وكيف نجو من أذى أقوامهم ، فقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم قصة نوح عليه السلام ، وبينت الآيات مدى الجهد الذي بذله في تبليغ رسالة ربه إلى قومه ، وما لاقاه في سبيل دعوته ، كما ذكرت الآيات نهاية هذا الجهد النبوي انتصار الله لنوح عليه السلام ولمن آمن معه ، وإهلاكه للكافرين قال تعالى : ﴿ كذبت قبلهم قومُ نوح فكذَّبوا عبدَنا وقالوا مجنونٌ وازدُّجر ، فدعا ربه أَني مغلوب فانتصر ، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قُدِر وحملناه على ذاتِ ألواح ودُسُرٍ تجري بأعيننا جزاءً لمن كان كُفِر ﴾ القمر9. إن المسلمين من أتباع نوح عليه السلام ، وتذكر بعض الروايات أنهم اثنا عشر ، كانوا حصيلة دعوته في ألف سنة إلا خمسين عاما ، قد استحقت أن يغير الله لهم المألوف من ظواهر هذا الكون ، وأن يجري لهم ذلك الطوفان الذي غمر كل شيء وكل حي وقتها في الأرض ، وأن يجعلهم وحدهم هم وارثي الأرض بعد ذلك ، وبذرة العمران فيها والاستخلاف من جديد ، لأن وجود البذرة المسلمة أمر عظيم في ميزان الله تعالى ، وشيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها وقواها ومدخراتها جميعاً ، كما يستحق منه سبحانه أن يرعى هذه البذرة ، حتى تسلم وتنمو وترث الأرض وتعمرها من جديد! إنهم يستحقوا أن يسخر الله لهم القوى الكونية الهائلة ، وليس من الضروري أن تكون هي الطوفان . فما الطوفان إلا صورة من صور تلك القوى : ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾ وما على هذه الفئة المؤمنة إلاّ أن تثبت وتستمر في طريقها ، وأن تعرف مصدر قوتها وتلجأ إليه ، وأن تصبر حتى يأتي الله بأمره ، وأن تثق أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء . وأنه لن يترك أولياءه إلى أعدائه ، إلاّ فترة الإعداد والابتلاء ومتى مرَّت هذه الفترة ، فإن الله سيصنع لها ويصنع بها في الأرض ما يشاء . فلا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام ، وأن يظن أن الله تاركه لقوى الكفر كما أنه لا ينبغي له أن يقيس قوته الذاتية إلى قوى الكفر ، فيظن أن الله تاركه لهذه القوى حين يستنصر به فيدعوه :﴿ أني مغلوب فانتصر ﴾ . إن القوى في حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة ، وقوى الشرك والكفر تملك قواها ، ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله ، والله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية – حينما يشاء وكيفما يشاء – فيدمرها ، وقد تطول فترة الابتلاء لأمر يريده الله ، فنوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً ، قبل أن يأتي الأجل الذي قدره الله ، ولم تكن حصيلة هذه الفترة الطويلة إلاّ اثني عشر مسلماً .. ولكن هذه الحفنة من البشر كانت في ميزان الله تساوي تسخير تلك القوى الهائلة والتدمير على البشرية الضالة جميعاً ، وتوريث الأرض لتلك الحفنة الطيبة لتعمرها من جديد .
إن عصر الخوارق لم يمض ! فالخوارق تتم في كل لحظة – وفق مشيئة الله – ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطاً أخرى ، تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها وإذا كانت أغلب العقول لا تدرك هذه الخوارق ، فإن الموصولين بالله يرون يد الله دائماً ، ويلامسون آثارها المبدعة ، وما عليهم إلاّ أن يؤدوا واجبهم كاملاً ، بكل ما في طاقتهم من جهد ، ثم يدَعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة ، وعندما يُغلبون عليهم أن يتوجهوا إلى الله بالدعاء كما توجه نوحٌ عليه السلام : ﴿ فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ﴾ ثم ينتظروا فرج الله القريب . وانتظار الفرج من الله عبادة وعلى هذا الانتظار مأجورون .
وجاء في القصص القرآني كيف نجى الله تعالى نبيه إبراهيم – عليه السلام – ورد كيد الكافرين ، بل وألحق بهم الخسارة في الدنيا والآخرة ، وكيف تحقق وعد الله لعباده المخلصين ووعيده لأعدائهم المكذبين :﴿ فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين ﴾ وأين يذهب كيد العباد إذا كان الله يريد ؟ وماذا يملك أولئك الضعفاء من الطغاة ، إذا كانت رعاية الله تحوط عباده المخلصين: ﴿ وقالوا حرّقوه ﴾ ولكن كلمة أخرى قد قيلت ، فأبطلت كل قول ، وأحبطت كل كيد ذلك أنها الكلمة العليا التي لا ترد : ﴿ قلنا : يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ فكانت برداً وسلاماً كيف :﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له :كن يكون ﴾ . فلا نسأل .كيف لم تحرق النار إبراهيم ، والمشهود المعروف أن النار تحرق الأجسام الحية ؟ فالذي قال للنار : كوني حارقة . هو الذي قال لها : كوني برداً وسلاماً . وهي الكلمة الواحدة التي تنشئ مدلولها عند قولها كيفما كان هذا المدلول مألوفاً للبشر أو غير مألوف ، وما علينا إلا أن نؤمن بأن هذا قد كان لأن صانعه يملك أن يكون ، أما كيف صنع بالنار فإذا هي برد وسلام ؟ وكيف صنع بإبراهيم فلا تحرقه النار ، فذلك ما سكت عنه النص القرآني لأنه لا سبيل إلى إدراكه بعقل البشر المحدود ، وليس لنا سوى النص القرآني من دليل : ﴿ يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ وإن هي إلا رمز للكلمة التي تبطل كل قول وتحبط كل كيد ، لأنها الكلمة العليا التي لا ترد .
وقد ذكر الله تعالى -في مواضيع كثيرة من كتابه- قصة موسى عليه السلام ، فقص الله علينا قصته منذ ولادته ونشأته ، ثم دعوته لقومه ولفرعون ، وما منّ الله به عليه ومن آمن معه ، بالنجاة من فرعون وجنوده ، ثم ما لحق فرعون وجنوده من الغرق والهلاك ، وكذلك ما منّ به على بني إسرائيل – بعد ذلك – من التمكين في الأرض والاستخلاف فيها : ﴿ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ، إنه كان من المفسدين ،ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلَهم أئمةً ونجعلَهُمُ الوارثين ، ونمكنَ لهم في الأرض ونُريَ فرعون وهامان وجنودَهُما منهم ما كانوا يَحْذَرون ﴾ القصص 1-6. والطغاة تخدعهم قوتهم وسطوتهم ، فينسون إرادة الله وتقديره ، ويحسبون أنهم يختارون لأنفسهم ما يحبون ويختارون لأعدائهم ما يشاءون .ويظنون أنهم على هذا وذاك قادرون .
وقد تعرض رسولنا صلى الله عليه وسلم لما تعرض له الأنبياء والرسل السابقين من الأذى والابتلاء ، وصبر على ذلك كله ، ولما أرادت قريش أن تتخلص من الرسول صلى الله عليه وسلم وتقضي على دعوته ، عندها تدخلت يد القدرة الإلهية للانتصار لرسوله صلى الله عليه وسلم ، حتى وصل إلى المدينة المنورة بسلام تحت حفظ الله ورعايته ، وفي ذلك مثل للمؤمنين في كل زمان وللدعاة إلى الله ، ليعلّمهم أن الله معهم ، يؤيدهم وينصرهم ، وإن فقدوا كل أسباب العون والقوة ، وفي بيان هذا يقول الله تعالى : ﴿ إلاّ تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ، ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول صاحبه ، لا تحزن إن الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ، والله عزيز حكيم ﴾ التوبة 40 .
ذلك حين ضاقت قريش بمحمد ذرعاً ، كما تضيق القوة الغاشمة دائماً بكلمة الحق ، لا تملك لها دفعاً ، ولا تطيق عليها صبراً ، فائتمرت به وقررت أن تتخلص منه فأطلعه الله على ما ائتمرت ، وأوحى إليه بالخروج فخرج وحيداً إلاّ من صاحبه الصديق ، لا جيش ولا عدة وأعداؤه كثر ، وقوتهم إلى قوته ظاهرة .
ذلك مثل على نصرة الله لرسوله ولكلمته ، والله قادر على أن يعيده على أيدي قوم آخرين ، غير الذين يتثاقلون ويتباطأون. وهو مثل من الواقع إن كانوا في حاجة بعد قول الله إلى دليل ! وهكذا تجلت قدرة الله في نصرته لأنبيائه ورسله مما قصه الله تعالى علينا في كتابه الكريم والتي تلقي في النفس المؤمنة ، ظلال الطمأنينة والثقة والتثبيت ، في زمن اليأس والعجز والضعف ، وهذه هي حكمة ذكر قصص الأنبياء والرسل في كتاب الله كما ذكر الله تعالى لرسوله بقوله : ﴿ وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ، وجاءك في هذه الحقُّ وموعظةٌ ، وذكرى للمؤمنين ﴾ هود 120 . كان هذا القصص يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة . والقلة المؤمنة معه محصورة بين شعابها والدعوة الإسلامية مجمدة فيها والطريق شاق طويل ، لا يكاد المسلمون يرون له نهاية ! فكان هذا القصص يكشف لهم عن نهاية الطريق ويأخذ بأيديهم وينقل خطاهم في هذا الطريق . إن القرآن لا يتفتح عن أسراره إلا للعصبة المسلمة التي تتحرك به ، لتحقيق مدلوله في عالم الواقع . لا لمن يقرأونه لمجرد التبرك ! ولا لمن يقرأونه لمجرد الدراسة الفنية أو العلمية ، ولا لمن يدرسونه لمجرد تتبع الأداء البياني فيه ! إن هؤلاء جميعاً لن يدركوا من هذا القرآن شيئاً يذكر . فإن هذا القرآن لم يتنـزل ليكون مادة دراسة على هذا النحو ، إنما تنـزل ليكون مادة حركة وتوجيه .
إن الذين يواجهون الجاهلية الطاغية بالإسلام الحنيف والذين يجاهدون البشرية الضالة لردها إلى الإسلام من جديد ، والذين يكافحون الطاغوت في الأرض ليخرجوا الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده ، إن هؤلاء وحدهم هم الذين يفقهون هذا القرآن ، لأنهم يعيشون في مثل هذا الجو الذي نزل فيه ، ويحاولون المحاولة التي كان يحاولها من تنـزل عليهم أول مرة ويتذوقون في أثناء الحركة والجهاد ما تعنيه نصوص القرآن لأنهم يجدون هذه المعاني ممثلة في أحداث ووقائع ، وهذا وحده جزاء على كل ما يصيبهم من آلام ، لا بل إنه لفضل من الله كبير : ﴿ قل فبفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ﴾ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *