يمكن القول بأنها حرب الدفاع عن النظام العالمي الجديد ، لأن المدة الزمنية التي أعلنت للقضاء عليها وهي ثلاث سنوات ، توحي بأن هدف المعركة الحقيقي هو إعادة ترتيب أوضاع المنطقة العربية وحدودها ، بما يشبه “سايكس بيكو” جديدة ، وبما يضمن استقرار سيطرة أميركا ، وحلفائها على المنطقة ويضمن أمن مصالحها ، واستقرار وأمن إسرائيل ، وهذا يذكرني بما حصل في العالم العربي والإسلامي ، يوم سقوط الدولة العثمانية ، وسيطرة فرنسا وبريطانيا على المنطقة باسم ، الانتداب ، وتقسيم المنطقة إلى دويلات وكيانات ، من خلال اتفاقية “سايكس – بيكو” ومن ثم إطلاق وعد بلفور لليهود ، بإقامة دولة لهم في فلسطين ، ولم يحصل العرب والمسلمون ، إلا على الفتات من الدويلات ، وها هي دولهم لا تزال محكومة بالسيطرة الغربية .
والسؤال : هل هذه الحرب تتطلب كل هذا الحشد العالمي وكأنها حرب عالمية جديدة؟ وهل يتطلب تنظيم كهذا مثل هذا الحشد؟ وكيف ظهر هذا التنظيم ؟ ومن هي الجهات المتضررة منه ؟ إن التحركات في العالم العربي والإسلامي تجاه الغرب في هذا العصر، بدأت تسير في الاتجاهات المتطرفة ، نتيجة السياسات العدوانية للغرب ، وكان من الطبيعي ، أن تطلق أوصاف الإرهاب والتطرف ، على حركات التحرر العربية ، التي ثارت على الظلم والقهر ، وها هي أمريكا تعتمد سياسة الكراهية ، التي جاءت بها الحروب الصليبية ، فغزت بلاد العرب والمسلمين ، وارتكبت أشد أنواع القتل والتعذيب والظلم ، ونتيجة ممارسة الظلم كان طبيعيا أن يحتقن المشهد السياسي والأمني وأن تطفو على السطح ، حركات متطرفة تفرض خياراتها على الشارع ، الذي عانى من الظلم والقتل ، والتهجير على الهوية، من تنظيم الدولة ، الذي احتل الموصل ، وبدأ بالتمدد ، فجاءت الدعوى إلى التحالف الذي يتمثل في عمل سياسي عسكري هدفهُ المعلن ، القضاء على الإرهاب ، المتمثل بتنظيم الدولة ، الذي ما كان له أن يقوى ، لولا التمويل من جهات معروفة ، بالمال والرجال ، وغض الطرف الأمريكي ، وأما الهدف الغير معلن ، من هذا التحالف ، فهو القضاء على أنظمة دول ، وأحزاب وجماعات مما يدل على أنه تنظيم ابْتُدِع ، لنشر الفتن الطائفية ، والإجهاز على الأقليات ، وتشويه الإسلام ، بدليل ما قاله رئيس المخابرات الأميركي ، بعد هزيمة إسرائيل في جنوب لبنان قال : ” علينا أن نصنع لهم إسلاماً يناسبنا ، ليقتتلوا به وحوله” فكان إسلام داعش ، هو الإسلام الأميركي المنشود ، وبه أضحت داعش ، مصدر خطر شديد على المنطقة ، وساهمت الحرب النفسية والإعلام ، في تضخيم التنظيم ، بوصفه بالجيش الذي لا يقهر . إن أميركا ، تؤكد بأنها لن تكون في حرب ضد داعش ، للقضاء عليه ، وإن مواجهتها له ، وحصره في الميدان ، الذي تستهدفه أمريكا بعدوانها ، يتطلب إستراتيجية طويلة المدى وهو ما عبر عنه أوباما عندما قال : ” أن ليس لأمريكا استراتيجيه الآن ، لمحاربة داعش وإن حربها بحاجة لاستراتيجيه طويلة المدى يجب البحث عنها مع الحلفاء ” وكأنه يقول : اتركوا أمر داعش لنا ، ونحن نتدبره وفقاً لمصالحنا، بدليل ما قاله كيري : بأن جل ما تريده أميركا الآن ، منع تمدد داعش إلى دول أخرى ، وكأنه قبول أميركي ، بإرهاب داعش حيث هي، ورفض دخولها ، إلى مناطق قد تهدد المصالح الأميركية .
إن هذه التصريحات ، تدل على أنهم من أوجد داعش ودعمها ، بكل الأشكال السياسية والعسكرية والتمويلية ، حتى خرجت عن السيطرة ، وإن المسلمين هم من تضرر ودفع الثمن ، من دمائهم وأموالهم ، وتشردهم ودمار أوطانهم ، وسيدفع أهل المنطقة الآن ثمن الحرب الجديدة ، وبنفس الخسائر، فهم أداة المواجهة المباشرة ، وهم الممول، وعلى أرضهم تدور رحاها ، أما دول التحالف فسيقتصر دورها العسكري ، بالمشاركة على التحليق في الجو ، وقد وافق النظام العربي على ذلك ، دون أية مطالب ، وكان يمكنه ربط موافقته ، بإحراز تقدم في القضية الفلسطينية ، وإنهاء الاحتلال الصهيوني .
إن ظهور داعش في العراق ، ليس إلا مقدمة لأمر أكبر ، من ما يُروَج له ، في الإعلام الغربي ، فقد نشرت مجلة التايمز الأمريكية مخططاً لتقسيم العراق ، تحت عنوان نهاية العراق ، والتي في الغالب ، ما تعبر عن وجهة نظر الإدارة الأمريكية ، هذا المخطط المطروح قبل ظهور داعش في العراق ، بل إن هذا المشروع طٌرح سنة 1973 على لسان كسنجر الذي أوضح ، أن العراق يجب أن يفرز طائفياً وعرقياً ويجب تقسيمه إلى ثلاث أقاليم متناحرة .
والسؤال هنا : هل داعش هي الهدف لهذا التحالف ؟ أم أن هناك أهدافاً أخرى ؟ ليس الهدف من دخول أمريكا للعراق محاربة داعش ، ونشر السلام , لأن الرئيس الأمريكي ، قد حصل مؤخراً ، على الضوء الأخضر ، من مجلس الشيوخ الأمريكي لتمويل وتدريب المعارضة السورية المعتدلة بحسب تعبيره ، وإن هذا التجهيز ، سوف يتم تنفيذه ، بعد محاربة داعش في العراق ومحاصرة سوريا دولياً ، وسيتم الإيعاز لهذه المعارضة المدربة حديثاً ، والمجهزة بالمعدات العسكرية الأمريكية المتطورة ، بأخذ دور تنظيم الدولة في سوريا ، مما يدل على أن مشروع الشرق أوسط الجديد ، الذي سقط سهواً ، من فم رايس ، يجري على قدم وساق فهدف أمريكا والغرب ، هو تقسيم الشرق الأوسط ، والهدف الرئيس ، هو كسر محور المقاومة ، الذي كان ومازال ، عصياً على الهيمنة الأمريكية والصهيونية , والقضاء على أي نواة قد تتشكل ، للوقوف في وجه الأهداف التمددية الصهيونية . ليست هناك رغبة حقيقية لدى الغرب ، في القضاء على داعش ، لأن المخابرات المركزية الأمريكية ، هي من صنعت تنظيم القاعدة الذي خرَّج جميع التنظيمات الإرهابية ،كما صنعت تنظيم الدولة الإسلامية ، وغيره من التنظيمات المتشددة ، وهذا يدل على عدم وجود إرادة سياسية غربية ، للقضاء على التنظيمات الإرهابية في المنطقة، وإعلان الحرب على داعش ، ما هو إلا مجرد غطاء على الأهداف الحقيقية ، من وراء الدعوة إلى التحالف الدولي ، وهو فرض التقسيم وتحويل العراق ، إلى مجموعة دويلات متصارعة متنافرة ، في الوقت الذي يتجه فيه العالم ، نحو نظام عالمي وإقليمي جديد ، وقد اتخذت أمريكا ، عنوان الحرب على داعش والإرهاب ، مظلة جديدة ، من أجل إعادة تشكيل الواقع الدولي والإقليمي . إن إدانة كل ما تقوم به داعش ، من أعمال وحشية ، والعمل لمواجهته ، لا يدل على أن الغرب يريد محاربة داعش ، فقد حاول الرئيس الفرنسي هولاند في هذا السياق أن يسبغ على داعش ، ما ليس في حقيقتها ويدّعي بأنها ” ليست تنظيماً عادياً ، بل إنه كيان يملك كافة مقومات الدولة ، ولديه الأموال والثروات ، التي تمكنه من الاكتفاء الذاتي ،كما ولديه القاعدة الشعبية ، والبيئة الحاضنة ، التي تمكنه من النمو ، وإيجاد المقاتلين باستمرار “. ويؤازره رئيس الوزراء البريطاني في حملة التخويف والترويع هذه عندما يقول : ” بأن داعش ستتمدد قريباً إلى لبنان والأردن وأن لديها القدرات لذلك ” .
وخلاصة القول : إن داعش تنظيم مصطنع ، وأداة تستخدمها أمريكا ، لتقسيم دول المنطقة وفتح المجال ، لتدخلها في شؤون دولها الداخلية و تحركها بما يضمن مصالحها ، و مصالح الكيان الصهيوني ، وإن ما تطرحه أمريكا من شعار الحرب على الإرهاب ، كلمة حق يراد به باطل فهي الراعية والممولة ، والصانعة للإرهاب وتستغله لتحقيق أهدافها ، لضرب قوى التحرر في المنطقة ، وإعاقة تطورها واستقرارها .
