قال صلى الله عليه وسلم : ( من كانت الدنيا همه فَرّق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن كانت الآخرة همه جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) لقد تكفل الله تعالى لمن آمن به وعمل صالحاً وجاهد في سبيله وسار إليه وسعى له ، أن يزيده من فضله ويبارك له في عمله ، ويجزيه خير الجزاء كما قال تعالى: ﴿ مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾160الأنعام ، والإنسان لا يؤتى إلا من قبَل نفسه فهو الذي يضعف أو يكسل أو يسوف ، وذلك يؤخر وعد الله أو يصرفه عنه، ولذلك فإن العمل في هذه الدنيا غير مضمون النتائج ، وليس كل من عمل لطلب شيء في هذه الدنيا يناله، وكم من إنسان سعى لكسب مال فما ازداد إلا فقراً، أو سعى لكسب ود إنسان فما ازداد منه إلا بعداً، ذلك لاْن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب كما قال تعالى : ﴿ كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾20الإسراء . فالله يمد جميع الناس بمقومات الحياة ، فمنهم من يستخدم هذه المقومات في الطاعة ، ومنهم من يستخدمها في المعصية ، كما اختص الله أمر الأرزاق والآجال ، بقسمته بين الناس لتستقيم حياة الناس ومعاشهم قال تعالى : ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ 32الزخرف، فقوله ورفعنا بعضهم .. الآية كلمة مبهمة تعني أن الكل مرفوع في شيء ، ومرفوع عليه في شيء آخر ، وبهذا يتكامل الخلق وتتم المصالح وتُقضى حاجات المجتمع كما قيل :
الناس للناس من بدو وحاضِرَةٍ بعضٌ لبعضٍ بما لا يعلموا خَدَمُ
فأنت مرفوع فيما تُحْسِنه من الأعمال ومرفوعٌ عليك فيما لا تجيده ، فهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، بمقتضى حكمته وعلمه بما يُصلح حال الناس قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ 52 الزمر . فيبسط هنا بمعنى يوسع ، ويقدِر بمعنى يُضيّق وعليه فإن المسألة في الرزق ، ليست شطارة ومهارة في تناول الأشياء ، إنما هي قدرٌ قدَّره الله الرازق ، ولذلك قال أبو العتاهية :
يُرزق الأحمق رزقاً واسعا وترى ذا اللب محروماً نَكِدِ
ولذلك فإن أهل الدنيا لا ينالون بعملهم إلا الدنيا وما لهم في الآخرة من نصيب كما قال تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾ 20 الشورى، فمن عمل للدنيا لا يحْرَم متعتها ولذَّتها لكن حين تُعَجل له الطيبات في الدنيا ، يُحْرَم منها في الآخرة ، أما أهل الآخرة فإنهم ينالون بعملهم الدنيا والآخرة ، قال تعالى: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ 134النساء . والمسلم الحق ينظر إلى الدنيا على أنها مسخرة له كما قال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ 13 الجاثية، فهي مخلوقة لتكون ممراً إلى الآخرة ، وليست دار قرار، فالمسلم يعمل عمله الدنيوي من زراعة أو صناعة أو تجارة أو غيرها لينال حظه من الدنيا ، ويستعين به على عبادة الله وليطلب رزقه بما أباح الله وليكن قلبه معلقاً بالله ورجاؤه به، وتوكله عليه وحده لا على العمل أو السبب المادي ، فكم من إنسان جنى عليه اجتهاده وكما قال الشاعر :
إذا كان عون الله للعبد ناصراً تهيأ له من كل شيء مراده
وإن لم يكن عون من الله للفتى فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
والعامل للدنيا يكون في الغالب ممن كثر أكله وضحكه ونومه وغضبه ، قليل الرضى ، لا يعتذر إلى من أساء إليه ، ولا يقبل معذرة من اعتذر إليه كسلان عند الطاعة ، شجاع عند المعصية ، أمله بعيد وأجله قريب ، لا يحاسب نفسه ، قليل المنفعة كثير الكلام ، قليل الخوف ، لا يشكر عند الرخاء ولا يصبر عند البلاء ، يعمل عمل أهل النار كالإشراك بالله والتكذيب بالرسل والكفر والحسد والكذب والخيانة والظلم والفواحش والغدر وقطيعة الرحم والجبن عن الجهاد والبخل واختلاف السر والعلانية واليأس من روح الله ، والأمن من مكر الله والجزع عند المصائب والفخر والبطر عند النعم وترك فرائض الله واعتداء حدوده وانتهاك حرماته وخوف المخلوق دون الخالق ورجاء المخلوق دون الخالق والتوكل على المخلوق دون الخالق ، والعمل رياء وسمعة ومخالفة الكتاب والسنة وطاعة المخلوق في معصية الخالق والتعصب بالباطل والاستهزاء بآيات الله وجحد الحق ، والسحر وعقوق الوالدين وقتل النفس التي حرم الله بغير الحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والفرار من الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات . وكلها أعمال تدخل في معصية الله ورسوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ﴾ ، وأما أعمال أهل الجنة ، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره والشهادتان ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت . وأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . ومن أعمالهم : صدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعهد وبر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم . ومنها : الإخلاص لله والتوكل عليه والمحبة له ولرسوله وخشية الله ورجاء رحمته والإنابة إليه والصبر على حكمه والشكر لنعمه . ومنها : قراءة القرآن وذكر الله ودعاؤه ومسألته والرغبة إليه . ومنها : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله للكفار والمنافقين ، وكلها تدخل في طاعة الله ورسوله ﴿ ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ﴾ . دخل أحد الأشخاص على رجل من الصالحين .. وقال له: أريد أن أعرف .. أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة ؟ فقال له الرجل الصالح ، إن الله أرحم بعباده ، إذ لم يجعل موازينهم في أيدي أمثالهم ، فميزان كل إنسان في يد نفسه لماذا ؟ لأنك تستطيع أن تعرف أأنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة ، قال الرجل كيف ذلك؟ فرد العبد الصالح : إذا دخل عليك من يعطيك مالا ودخل عليك من يأخذ منك صدقة .. فبأيهما تفرح ؟ فسكت الرجل .. فقال العبد الصالح : إذا كنت تفرح بمن يعطيك مالا ، فأنت من أهل الدنيا ، وإذا كنت تفرح بمن يأخذ منك صدقة ، فأنت من أهل الآخرة .. والإنسان يفرح بمن يقدم له ما يحبه فالذي يعطيني مالا يعطيني الدنيا .. والذي يأخذ مني صدقة يعطيني الآخرة .. فإن كنت من أهل الآخرة .. فأفرح بمن يأخذ منك صدقة .. أكثر من فرحك بمن يعطيك مالا . ولذلك كان بعض الصالحين إذا دخل عليه من يريد صدقة يقول مرحبا بمن جاء يحمل حسناتي إلي الآخرة بغير أجر ويستقبله بالفرحة والترحاب . فالرجل من أهل الآخرة لا يفعل شيئا في حياته إلا وفي باله الله ، وأنه سيحاسبه يوم القيامة أما من كان من أهل الدنيا فإنه يفعل ما يفعل وليس في باله الله ، وعن هؤلاء يقول الله سبحانه : ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعةْ يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجده الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ﴾ 39 النور . فمن يفعل شيئا وليس في باله الله .. سيفاجأ يوم القيامة بأن الله تبارك وتعالى الذي لم يكن في باله موجود ، أنه هو الذي سيحاسبه على ما عمل ، فمن آمن واتبع منهج الله فإلى الجنة ، ومن أنكر فإلى جهنم وبئس القرار . ومن عدل الله سبحانه أن أعد يوما للحساب .. لأن الذين ظلموا وبغوا في الأرض ربما يفلتون من عقاب الدنيا ، وهل من أفلت في الدنيا من العقاب يفلت من عدل الله ؟ .. أبدا لم يفلتوا .. بل أنهم انتقلوا من عقاب محدود إلي عقاب خالد .. وافلتوا من العقاب بقدرة البشر في الدنيا إلي عقاب بقدرة الله تبارك وتعالى في الآخرة ولذلك لابد من وجود يوم يعيد الميزان فيعاقب فيه كل من أفسد في الأرض وأفلت من العقاب .. ولا خير لإنسان يفلت من عقاب الدنيا لأنه أفلت من عقاب محدود إلي عقاب أبدي. من الخطأ أن نتصوّر أن العمل الدنيوي منفصل تماما عن عمل الآخرة وأنّه لا يُمكن احتساب شيءٍ أُخْروي من خلال العمل الدنيوي، ولكن الأعمال الدنيوية إذا لم تنضبط بضوابط الشّرع كانت وبالا على صاحبها، ويمكن أن يُمارس الإنسان أعمالا أخروية من خلال عمل دنيوي ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنْ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ ( أي توجّه وقصد ) فَأَفْرَغَ مَاءهُ فِي حَرَّةٍ ( الأرض الصلبة ذات الحجارة السوداء ) فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ ( والشّراج مسايل الماء ) قَدْ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلانٌ لِلاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنْ اسْمِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ لاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا قَالَ أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ وفي رواية : وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ فِي الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ ) مسلم
دل الحديث على فضل الصدقة والإحسان إلى المساكين وأبناء السبيل , وفضل أكل الإنسان من كسبه , والإنفاق على العيال .
أهل الدنيا وأهل الآخرة
