من أكبر المصائب التي تواجه الأمة الإسلامية ، الاختلاف والتفرق الذي حذر الله منه فقال : ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾الأنفال 45. لأن وحدة الأمة من أهم عوامل قوتها ، به تنال مجدها، وتعيش آمنة مطمئنة، وبه تكون مرهوبة الجانب، عزيزة السلطان ، وإن واقع المسلمين اليوم، يشهد بأنهم في غفلة تامة عن أهميتها فضلاً عن عجزهم عن تطبيقها، أو السعي إليها فقال قائلهم :
حرموا هداية دينهم وعقولهم هذا وربك غاية الخسران
تركوا هداية ربهم فإذا بهم غرقى من الآراء في طوفان
وتفرقوا شيعاً بها نهجهم من أجلها صاروا إلى شنآن
ولا همَّ للعالم من حولهم إلا تفريق كلمتهم والحيلولة دون وحدتهم ، وبث بذور الاختلاف بينهم ، لأن الوحدة من أهم خصائص هذه الأمة لقوله تعالى : ﴿ وَإِنَّ هَاذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ المؤمنون 51. وقد دلت النصوص على وجوبها قال تعالى : ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ آل عمران 103. قال القرطبي في التفسير : “فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة، فإن الفرقة هلكة، والجماعة نجاة”، والتفرق والاختلاف من أكبر الأسباب التي أدت إلى خذلان الأمة وإخفاقها في التعامل مع قضاياها، والحفاظ على حقوقها ومفهوم الأمة الواحدة الذي وصفنا الله به ، وأمرنا بتحقيقه ، يكاد ينعدم على المستوى السياسي الرسمي، وضعيف جدا على المستوى الشعبي ، ولذلك يستفرد الأعداء بمن شاءوا من المسلمين فيطئون أرضهم، ويسفكون دماءهم، ويدمرون بلادهم، وينهبون ثرواتهم، ويفعلون بهم الأفاعيل والبقية الباقية بين متآمر ممالئ ، وبين متفرج عاجز من الخارجين على جماعةِ المسلمين ، وتعاليمِ الإسلام بألسنَتهم أو بأقلامِهم أو بالقوة ، ما يُضعِف جماعةَ المسلمين ، الذي حذر الله منه بقوله : ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ﴾ الأنفال 46 . وطاعة الله تعالى تتمثّل بالانقياد إلى شرعه وحكمه والاستسلام لقضائه وقدره ، واتّخاذ الإسلام عقيدةً وعملا وسلوكا ومنهج حياة، وتتمثل باتباع سنته واتباع أمره واجتناب نهيه فقال تعالى : ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ النساء:65 كما تتمثل الطاعة ، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي جعله الله من أخص خصائص الأمة الإسلامية ، فبه نعرف مواطن الخلل فنتجنبها، وبه يحدث التكامل بيننا، وبه نزداد تمسكاً بوحدتنا وعقيدتنا ، قال الله تعالى : ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ آل عمران110، قال القرطبي رحمه الله عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: “هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ولو طوي بساطه، وأهمله علمه وعمله، لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمّت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا بعد التناد” .
ومن يقول كلمة الحق ، يبتعد عن مجاملة الأشرار والمفسدين في الأرض والنفاق لهم والتمسّح بأذيالهم والسير على خطاهم وتزيين الشرّ والسوء لهم .
وإذا ما تحقّقت طاعة الله ورسوله على أرض الواقع قولا وعملا ، لا ادعاءً ولا رياء ، بطلت أسباب النزاع والشقاق والخلاف ، فما يتنازع الناس إلا حين تتعدّد جهات القيادة والتوجيه، وحين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجّه الآراء والأفعال والأفكار، فإذا استسلم الناس لله ورسولِه واعتصموا بحبل الله ، انتفت أسباب الفرقة والنزاع قـال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ﴾آل عمران 102 .
كما حذرنا الله من التنازع فقال تعالى : ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾الأنفال 46 ، وحذر الله من أن يؤدي الاختلاف إلى الفرقة كما حدث لمن قبلنا : ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ﴾ آل عمران 105 .
يقول الأستاذ عبد القادر عودة رحمه الله: «لقد صنع الإسلام للوحدة الإسلامية كل ما يقتضيه التوحيد وأقام الوحدة على دعائم ثابتة ، لا يتطرق إليها الخلل ما دام المسلمون متمسكين بدينهم ، حريصين على طاعة ربهم ، وقد وحَّد الإسلام بين المسلمين جميعًا بما أوجب عليهم من الإيمان برب واحد، والخضوع لإله واحد، وإتباع كتاب واحد، ومشرّع واحد وبما جعل للأمة الإسلامية على تعدد أفرادها من هدف واحد ، وتفكير واحد ، ومنهج واحد، وبما طبع عليه المسلمين من آداب وأخلاق موحدة وبما جعل للأمة كلها من قبلة واحدة، وسياسة واحدة، وسلوك واحد، وأمر لا يختلف على أصوله اثنان»
وجاءت النصوص تحث المسلمين على الأخذ بكل ما يزيد المحبة بينهم، والنهي عن كل ما يولد البغضاء في صفوفهم، وتأمرهم صراحة بأن يكونوا إخوة، ولا يمكن للمسلمين أن يكونوا إخوة إلا إذا كانوا متحدين، فإن الأخوة ضد الفرقة والاختلاف ، ومن أساليب القرآن والسنة في الدلالة على وجوب الوحدة بين المسلمين النهي الصريح عن الافتراق والاختلاف الذي هو ضد الوحدة والاجتماع ، قال الله تعالى : ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ الأنفال45.
في التفسير : لا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم فتفشلوا، قال الشاعر:
وفي كثرة الأيدي عن الظلم زاجر إذا حضرت أيدي الرجال بمشهد
وقد أمرَ الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الفرقة والاختلاف قال تعالى : ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ آل عمران 105 وعن النعمان بن بشير عن رسول الله قال: (الجماعة رحمة، والفرقة عذاب )
ومن أساليب الشريعة في الحث على الوحدة بين المسلمين التحذير من الشذوذ ومفارقة الجماعة، ففي سنن الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ فِينَا، ثم ذكر خطبة جاء فيها “عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ، فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ”.
وعن أبي الدرداء وقال : ( ما من ثلاثة لا تقام فيهم الصلاة إلا وقد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية ) . لا يختلف اثنان على أن الوحدة سبيل العزة والنصرة، فهذا معن بن زائدة يوصي أبناءه عند وفاته بقوله:
كونوا جميعا يا بني إذا اعترى خطب ولا تتفرقوا آحادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت آحادا
والتاريخ يشهد أن من أهم أسباب سقوط الدول هو التفرق والاختلاف، سقطت الخلافة العباسية بعد أن تفرقت الدول الإسلامية في ذلك الوقت، فنشأت الدولة البويهية، والمماليك، ودويلات الشام، ولم يبق للخلافة العباسية إلا مزع متفرقة متناثرة من العالم الإسلامي، فلما زحف المغول إلى بغداد لم يقف في وجه زحفهم غير أهل بغداد فقط، فأعملوا فيهم القتل حتى قتلوا أكثر من ثمانمائة ألف نسمة، كما قال غير واحد من المؤرخين. وسقطت الدولة الإسلامية في الأندلس بعد أن أصبحت دويلات متفرقة متناحرة، لا همّ لأحدهم سوى التلقب بألقاب الملك والسلطان فقال قائلهم :
مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتضد فيها ومعتمد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
ولم تسقط الدولة العثمانية إلا بعد أن تمزق جسدها إلى أشلاءَ متناثرة، وبعد أن أغرى الصليبيون الجدد المسلمين بالانفصال عنها، وأحسنوا اتقان العمل بقاعدة: فرِّق تسُد .
وهاهو العالم الإسلامي اليوم منقسم إلى دويلات متناحرة، تعيش على هامش التاريخ، وتتجرع ألوان الهوان ، وما ظفر به أعداء الأمة من سطو واستيلاء لا يرجع إلى خصائص القوة في أنفسهم بقدر ما يعود إلى آثار الوهن والضعف في صفوف المسلمين فالفرقة تجعل هلاك الأمة بيد أبنائها ، في سلاسل من الحروب في غير معركة، وانتصارات بغير عدو.
إن العالم الإسلامي بتفرقه وتنازعه لا يشكل أي خوف لأحد، ولكن الأعداء يخشى أن يستيقظ المسلمون من نومهم، فيسارعوا إلى الأخذ بأسباب القوة، والعودة إلى الوحدة ، وتجنباً لذلك فإنهم يحاولون بكل جهد الحيلولة دون عودتهم إلى سابق عزهم وسالف مجدهم ، فتراهم يعملون جاهدين على تكريس أسباب الفرقة بين المسلمين مما يوجب على المسلمين أن نكون يداً واحدة، وأن يكونوا إخوة متآلفين على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما كان سلف الأمة في سيرهم ودعوتهم إلى الله عز وجل، ومخالفة هذا الأصل ربما تؤدي إلى انتكاسة عظيمة، والتفرق هو قرة عين شياطين الإنس والجن؛ لأن شياطين الإنس والجن لا يريدون لأهل الحق أن يجتمعوا على شيء، بل يريدون أن يتفرقوا لأنهم يعلمون أن التفرق تفتت للقوة التي تحصل بالالتزام بالوحدة والاتجاه إلى الله عز وجل، بدليل آيات الله التي نهت عن التفرق :﴿ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ﴾ وقوله:﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا ﴾ وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ .
أهمية الوحدة بين المسلمين
