أهمية سنة رسول الله وكيف حفظت

رايت من يقرأون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحسبون أنهم أحاطوا بأحكام الإسلام وإذا بهم يحاربون الفقه المذهبي لحساب سلفية مزعومة ، عَرَفَتْ من الإسلام قشوره وتجاهلت جذوره وما علموا أن الفقهاء ما حادوا عن السنة ، بل أرشدوا الأمة إلى ما هو أصدق وأهدى سبيلا ، ليخلّصوا المسلمين من قليلي الفقه في القرآن والسنة النبوية ، فيصدرون الأحكام ويرسلون الفتاوى التي تزيد الأمة بلبلة وحيرة ، وما علموا أن الفقهاء اعتمدوا الكتاب والسنة كأصل للاستدلال في الدين ، إضافة إلى ما بني عليها من مصادر كالاجماع والقياس ، وكل ما أمر به الشارع أو نهى عنه ، فإنه يستحق التعظيم والامتثال قال تعالى : { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا واطعنا } النور 51 . لقد نفى الله الإيمان عمن أعرض عن حكم النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم ولم يرض به ، أو وجد في نفسه حرجاً من ذلك قال تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما } النساء 65 .
وقد أمر الله سبحانه بطاعة رسوله في آيات كثيرة قال تعالى : { وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } الحشر 7 . وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ) أخرجه أحمد . إذن كل ما ثبت عن النبي حق وصدق لا ريب فيه قال تعالى : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } النجم 3 . وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم أقواماً اهملوا ما جاء في سنته
عن المقداد بن معد يكرب رضي الله عنه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: ( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان علي أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإنَّ ما حرَّمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله ) رواه أبو داود . ولأهمية السنة ، أهتم بها اهتماماً عظيما علماً وعملا ، وحرصوا على حفظها ونقلها ، وقاموا بتحفيظها وتنقيحها ، وتمييز صدقها من كذبها ، وخاصةً بعد ظهور الفتن ونتشار المبتدعه وفشو الكذب ، ولهذا قال بن عباس : ” كنا إذا سمعنا رجلاً يقول : قال رسول الله صلى الل عليه وسلم ابتدرته أبصارنا واصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف ” رواه مسلم . لقد رسم أئمة الإسلام منهجاً علمياً متميزاً في ضبط اصول الرواية وتقعيد قواعدها محفوظة بفضل الله من العبث والتزييف فكانوا المرجع الذي يرجع إليه في معرفة الصحيح من الضعيف قال بن تيميه : ” المنقولات فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب ، والمرجع في التمييز بين هذا وهذا إلى أهل علم الحديث كما نرجع الى النحاة في الفرق بين نحو العرب ونحو غير العرب ، ونرجع إلى علماء اللغة فيما هو من اللغة وما ليس من اللغة ، وكذلك علماء الشعر والطب وغير ذلك ، فلكل علم رجال يعرفون به والعلماء بالحديث أجلّ هؤلاء قدراً ، وأعلاهم منزلة وأكثرهم دينا ، وهم من أعظم الناس صدقاً وأمانة وعلماً وخبرة فيما يذكرونه من الجرح والتعديل ” قال ابن قدامه : ” أما الأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة ليلبسوا بها على أهل الإسلام ، أما الأحاديث الضعيفة ، إما لضعف رواتها أو جهالتهم أو لعلة فيها ، فلا يجوز أن يقال بها ولا اعتقاد ما فيها بل وجودها كعدمها ” من ههنا ومن دون أدنى شك في صحة الأحاديث التي جمعها أصحاب السنن ، وتعتبر المصدر الثاني من مصادر التشريع ، ولا يجوز الإعراض عنها أو تجاهلها ، ومن أجمل ما قاله ابو أيوب السختياني : ” إذا حدثت الرجل بالسنة فقال دعنا من هذا حسبنا القرآن فاعلم أنه ضال ” .
إن الاهتمام بالسنة النبوية ضرورة شرعية ومسؤولية دينية على كل ذي عالم بدين الله ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يحمل من كل خلق عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين ) ومن واجبنا أن ننكر على من أنكر الآراء المخالفة ومن زعم أنه وحده على الحق وما عداه على الضلال ، بل إنه واجب على كل ذي علم بدين الله أن ينكر على من خرج بآراء وتفسيرات لدين الله يشذ بها عن السابقين واللاحقين أو ما فيها من التشديد على الناس كمحاسبتهم على النوافل والسنن كأنها فرائض ، والمكروهات كأنها محرمات ، مع أن المفروض ألا نلزم الناس إلا بما ألزمهم الله به جزما ، وما زاد على ذلك فهم مخيرون فيه ، وحسبنا حديث طلحة بن عبيد الله في الصحيح في قضية ذلك الأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما عليه من الفرائض فاخبره : ( بالصلوات الخمس وصوم رمضان ، فقال : هل عليّ غيرها ؟ فقال : لا إلا أن تطوع ، فلما أدبر الرجل قال : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فقال الني صلى عليه وسلم : أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق ) .
فليس من الحكمة ممن التزم خط التشدد والتزمت ، الزام الناس بذلك وان يضيّع من لم يوافقه في تشدده في أن هذا التفكير فيه قصور فهمٍ لهموم الداعية ، الذي كل همه الدعوة إلى توحيد الله والتذكير بالآخرة والتحذير من الوقوع في الموبقات ، وإن الإسراف في التحريم دليل عدم الرسوخ في فقه الدين وقد جاء النهي عن الإسراف في القول بالتحريم واضحاً في قوله تعالى : { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الكذب } فالفقه في الدين ألا نطلق الحرام إلا على ما علم تحريمه جزما وإلا
فحسبنا ما كان عليه علماؤنا الذين كانوا يقولون نكره كذا ، ولسنا مع المغالين الذين يسارعون في التحريم دون تحفظ . وستظل سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم على مدى الأجيال والقرون، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها نبراسًا للمسلمين .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *