أوقات الشدة والفرج


قال الله تعالى في وصف حال بعضٍ العباد : ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً. أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً. أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً ﴾ الإسراء 67 . المشهد الذي تعرضه الآية نموذجاً للحظات الشدّة والفرج الذي يشعر الناس أن يد الله تدفع لهم الفلك في البحر ليبتغوا من فضله ، فيتوجهون إليه في لحظة الخطر ، لا يدْعون أحداً سواه إنه وصف للإنسان إذا أحاطت به الأخطار فلا يلجأ إلا إلى الله ، حتى وإن كان كافرا ، لأنه وحده القادر على تفريج الكروب وإغاثة الملهوف ، وإن دعوه سمع لهم وأجابهم على كفرهم وعنادهم ، فما أرحمه حتى بمن كفر به ، لذلك قال الله في الحديث القدسي : ( قالت الأرض : يا رب إئذن لي أن اخسف بابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك ، وقالت السماء : يا رب إئذن لي أن أسقط كسفاً على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك ، وقالت الجبال : يا رب إئذن لي أن أخر على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك ، وقالت البحار : يا رب إئذن لي أن أُغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك فقال تعالى : دعوني وما خلقت ، لو خلقتموهم لرحمتموهم ، أنهم عبادي فإن تابوا إلي فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ) . بعض العباد إذا فوجئ بالمصيبة فإنه لا يراها إلا في الحالة التي فاجأته ، وشعر من جرائها بالضر والألم ، فإذا ما ابتلي بمرض يستقر في ذهنه أن البلاء إنما هو نابع من هذا المرض الذي ابتُلِيَ به، وإذا عُوفِيَ من آلامه استطاع أن يضمن لنفسه الأمن والرغد من العيش ، هذا التصور الخاطئ يُنَبِّهُنَا الله سبحانه إلى خطورته فالله الذي شاء أن يبتليك بفقر ، ربما ابتلاك بالغنى ، فكان الغنى أشد بلاءً من الفقر الذي كنت تعاني منه . والله الذي يبتليك بمرض أفقدك الراحة ، ربما عافاك بعد ذلك ففجَّر من العافية التي تتمتع بها بلاءً ومصيبة أشد ، وهذا معنى كلام الله تعالى : ﴿ أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً ﴾ الإسراء 68. هذا المعنى ذاته يلفت نظرنا إلى البيان الإلهي عندما يقول: ﴿ أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ. أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ الملك 16 . فما أكثر ما يتصور الإنسان أن الأرض مهدٌ جعلها الله سبباً للسعادة والرخاء ، لكنه ينسى أن الله الذي جعل من الأرض مهداً – إن شاء – جعل منها سبباً للدمار ، لأن البشر في قبضة الله في البر ، كما هم في قبضته في البحر فكيف يأمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بركان يقذفهم بالحمم ، فلا يجدوا لهم من دون الله من يحميهم وكيف يأمنون الغرق بالماء الذي جعله الله سراً للحياة ، فأهلك به كثيراً من العباد ، ولو أن الإنسان تدبر الوصية التي أوصى بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بن عباس إذ قال فيها : (تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) . لعلم أن الساعة التي يتمتع فيها بالعافية والصحة ، لربما تحولت في لحظة واحدة إلى سبب للشقاء ، فكثيرٌ من الناس يلتجئون إلى الله عز وجل عند الشدة فراراً منها ، حتى إذا ما زالت الشدة نسي الله ونسي الالتجاء إليه .
روي أن احد الحكماء ابتلي بمصيبة ،فدخل عليه إخوانه يعزونه في المصاب فقال : إني عملت دواء من ستة أخلاط . قالوا : ما هي ؟ قال الخلط الأول : الثقة بالله والثاني : علمي بأن كل مقدور كائن والثالث : الصبر خير ما استعمله الممتحنون والرابع : إن لم أصبر أنا فأي شيء أعمل ؟ ولم أكن أعين علي نفسي بالجزع والخامس : قد يمكن أن أكون في شر مما أنا فيه والسادس: من ساعة إلي ساعة فرج. وذكروا عن الفضل بن سهل: ” أنَّه كان يتميَّز بسَعة العلم والكرم وكان قد أكرمه الله أن برِئَ من علَّة كان فيها، فجلس للنَّاس وهنَّؤوه بالعافية فلمَّا فرغ الناس من كلامِهم قال : “إنَّ في العلل لنعمًا لا ينبغي لعاقِلٍ أن يَجهلها: تمحيص للذنب، وتعرُّض لثواب الصبر، وإيقاظٌ من الغفلة، وإذْكار بنعمة الله في حالة الصحَّة، واستدعاءٌ للمثوبة وحضٌّ على الصدقة، وفي قضاء الله وقدرِه بعدُ الخيار ” . وقد أحسن القائل :
قَدْ يُنْعِمُ اللَّهُ بِالبَلْوَى وَإِنْ عَظُمَتْ وَيَبْتَلِي اللَّهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِّعَم
فالابتلاء في هذه الدنيا لا ينجو منه احد ، وهنا قد يتساءل البعض : لماذا خلق الله البلاء ؟ ولماذا يتألم البعض بينما لا يحس به الغير ؟ قال تعالى :﴿ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون* ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ﴾ العنكبوت2-3 . ففي هاتين الآيتين بين الله سبحانه ، الهدف من وجود الإنسان على الأرض آلا وهو الابتلاء أي الاختبار والامتحان ، ليظهر في عالم الشهادة من يستحق نعيم الجنة ممن يستحق جحيم النار ، وهذا الابتلاء هو وسيلة التمييز بين العبد الصالح والعبد الطالح . وقد جعل الله تعالى لهذا الابتلاء بابين : باب الشدة وباب الرخاء قال تعالى : ﴿ كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون ﴾ الأنبياء 35 . ومن هنا يمكن قسمة الابتلاء إلى قسمين : الابتلاء بالشر وهو النوع الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التعوذ منه ، فعن ابي هريرة رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء ) . وسبب تعوذ الرسول صلى الله عليه وسلم من شدة البلاء وسؤال الله العافية يعود إلى أن البلاء أمره شديد على النفس ، لا يطيقه كل الناس مهما ادعوا القوة والقدرة حتى الإيمان نفسه ، يخشى عليه من الضعف أمام شدة البلاء لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينصح أصحابه ، بان لا يسالوا الله البلاء بل يسألوه العافية ، وإذا وقع البلاء فلا دواء له إلا بالصبر والرضا ، لأن الله مع الصابرين ، والصبر مفتاح الفرج ، وإذا لم يأتي الفرج فالآخرة خير وأبقى قال الله تعالى : ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴾ . قال الشافعي :
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج
فالبلاء أمر لا يقوى عليه كل الناس ، وقد يشتد مع اشتداد إيمان العبد وفي ذلك تطهيرٌ له من الذنوب ، حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أي الناس اشد بلاء ؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فان كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وان كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه من خطيئة ) . وهنا قد يتساءل الناس عن سبب كون حال الكافر في هذه الحياة الدنيا أفضل من حال المؤمن يتمتع بنعيم المال والجاه بينما يتخبط المؤمن في الفقر والجوع ؟ إن هذا الكلام لا يمكن الأخذ به بشكل مطلق لسببين: إن إعطاء الله المال والغنى والصحة للكافر أمور لا يمكن أن نجزم بها في كل الأحوال ، إذ انه كما يوجد كافر غني يوجد أيضا مؤمن غني فعطاء الله في هذه الحالة لا يتعلق بالمحبة وإنما يتعلق بحكمته سبحانه وتعالى وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن أحب ) ثم إن اشتداد البلاء على المؤمن لا ينفي وجود المدد والعون من الله تعالى في حين ينتفي هذا الأمر تماما بالنسبة للكافر ، والواقع يشهد أن ما يصيب المؤمنين من الشرور والمحن والأذى ، دون ما يصيب الكفار ، وقد أكد القران الكريم على حقيقة شدة بلاء الكافر ، خاصة انه لا يعرف معنى الصبر الذي يعرفه المؤمن كما انه لا يؤمن بالجزاء الذي ينتظره المؤمن ، فأي البلاءين اشد؟ قال تعالى: ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما ﴾ النساء 104. ومن هنا من المفيد ذكر قصة ذكرها الإمام الغزالي في كتابه ” إحياء علوم الدين ” تُلَخِصْ الفرق بين بلاء المؤمن وبلاء الكافر ، وهذه القصة تروى عن ابن عباس حيث قال : ” شكا نبي من أنبياء الله إلى ربه فقال: يا رب العبد المؤمن يطيعك ويجتنب معاصيك تزوي عنه الدنيا وتعرض له البلاء ، والكافر لا يطيعك ويجترىء عليك وعلى معاصيك فتزوي عنه البلاء ، وتبسط له الدنيا فأوحى الله تعالى إليه : أن العباد لي والبلاء لي ، والكل يسبح بحمدي فيكون المؤمن عليه من الذنوب ، فأزوي عنه الدنيا وأعرض له البلاء ، فيكون كفارة لذنوبه ، حتى يلقاني فأجزيه بحسناته ويكون الكافر له حسنات، فأبسط له في الرزق وأزوي عنه البلاء ، فأجزيه حسناته في الدنيا حتى يلقاني فأجزيه بسيئاته ” . فالمؤمنون يجزون بحسناتهم في الدنيا والآخرة، ويُزاد في بلائهم في الدنيا ليكفر الله عنهم من خطاياهم ، فلا يُعاقبون عليها هناك ، وحتى تسلم لهم حسناتهم في الآخرة. وأما الكفار فيُجزون بحسناتهم كلها في الدنيا، فيكون ما يستمتعون به في دنياهم – مما يُرى أنه قدر زائد على ما أعْطيه المؤمنون- يكون هذا في مقابلة ما يكون لهم من حسنات ، وفي الآخرة لا يقام لأعمالهم وزنا قال تعالى : ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا ﴾ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *