في القرآن الكريم عشرات الوعود الربانية، التي يعد فيها سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بوعود، تبشرهم وتطمئنهم بنصر الله وتمكينه لهم، إلا أن فهم كثير من الناس لهذه الوعود يشوبه الخلل في الفهم والتصور، فينظر إلى هذه الوعود كأنما هي بشارات ، بأن الله سيخوض المعركة بالنيابة عنهم، ناسين أن تلك الوعود لا تعمل عملها إلا بشروط ومقدمات ، فوعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله ، قائم في كل لحظة ، ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة قائم كذلك في كل لحظة . وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة وسنة ماضية لم تتوقف ، وعلى الفئة المؤمنة أن تطمئن إلى هذه الحقيقة وتثق بالوعد الرباني ، وتعد للأمر عدته ، وتصبر حتى يأذن الله ، ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله ، المدبر بحكمته المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة : { إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } وقبل أن نسأل : أين وعد الله للمؤمنين بالنصر في الحياة الدنيا علينا أن نؤمن بأنه وعد من الله قاطع وحكم من الله جامع ، إذا استقرت حقيقة الإيمان في نفوس المؤمنين وتمثلت في واقع حياتهم منهجا للحياة ، ونظاما للحكم ، وتجردا لله في كل حركة وعبادة لله في الصغيرة والكبيرة ، حينها لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا والدارس للسيرة النبوية والتاريخ ، يجد أن الهزيمة لا تلحق بالمؤمنين , ولم تلحق بهم في تاريخهم كله ، إلا وهناك ثغرة في حقيقة الإيمان إما في الشعور وإما في العمل ، ومن الإيمان أخذ العدة ، وإعداد القوة في كل حين بنية الجهاد في سبيل الله ، وتحت راية لا إله إلا الله وبقدر هذه الثغرة تكون الهزيمة الوقتية ، ثم يعود النصر للمؤمنين ففي أحد مثلا كانت الثغرة في ترك طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الطمع في الغنيمة وقد بيَّن الله تعالى أن الهزيمة ما لحقتهم إلا بمعصيتهم لله { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } آل عمران فهو سبحانه وتعالى قدير على نصركم وعلى خذلانكم، فلما عصيتم قدَّر الله سبحانه لكم الخذلان ، الذي من أعظم أسبابه معصية الله تعالى ، وهي سبب الخلاف والتنازع، كما أنها سبب الفشل والهزيمة ، أما الطاعة فهي سبب التآلف واجتماع الكلمة وهي سبب النصر والظفر .
وفي غزوة حنين كانت الثغرة في الاعتزاز بالكثرة والإعجاب بها ولو ذهبنا نتتبع كل مرة تخلف فيها النصر عن المسلمين في تاريخهم ، لوجدنا شيئا من هذا ، نعرفه أو لا نعرفه ، أما وعد الله فهو حق في كل حين ، وأما المحنة فقد تكون للابتلاء والابتلاء إنما يجيء لحكمة ، وهي استكمال حقيقة الإيمان ومقتضياته من الأعمال .
والهزيمة في أي معركة لا تكون هزيمة ، إلا إذا تركت آثارها في النفوس ، يأساً وقنوطا ، أما إذا بعثت الهمة ، وكشفت عن طبيعة العقيدة وطبيعة المعركة ، فهي المقدمة الأكيدة للنصر الأكيد ، ولو طال الطريق ، وحين يقرر النص القرآني :{ولن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا} [فإنما يشير إلى أن الروح المؤمنة هي التي تنتصر ، والفكرة المؤمنة هي التي تسود والنص القرآني إنما يدعو الجماعة المسلمة إلى استكمال حقيقة الإيمان في قلوبها ، تصورا وشعورا ، وفي حياتها واقعا وعملا وليس بيننا وبين النصر في أي زمان وفي أي مكان ، إلا أن نستكمل حقيقة الإيمان ونستكمل مقتضيات هذه الحقيقة في حياتنا وواقعنا كذلك ، ومن حقيقة الإيمان أن نأخذ العدة ونستكمل القوة ، ومن حقيقة الإيمان ألا نركن إلى الأعداء وألا نطلب العزة إلا من الله .
ووعده الأكيد للمؤمنين بالنصر , هو الوعد الذي يتفق تماما مع حقيقة الأيمان وحقيقة الكفر في هذا الكون ، فالإيمان صلة بالقوة الإلهية التي لا تضعف والكفر انقطاع عن تلك القوة وانعزال عنها ، ولن تملك قوة محدودة مقطوعة منعزلة فانية , أن تغلب قوة موصولة بمصدر القوة في هذا الكون جميعا ، إلا عندما يتحول الإيمان إلى مظهر ، عندها فإن حقيقة الكفر تغلبه لأن حقيقة أي شيء أقوى من مظهره . ومتى عصى المسلمون ربهم ، أظهر عليهم الكافرين وقد بينت الآيات القرآنية ، أن المؤمنين منصورون غالبون قاهرون لعدوهم مهما كانت قوة العدو وعدده وعدته ، ومهما اختلت موازين القوى لصالح الكفار إذا كان المؤمنون صادقين عاملين بما يجب عليهم تاركين لما نُهوا عنه ، وقد أخذوا من أسباب القوة ما كان في طاقاتهم ووسعهم ، ولم يقصّروا في امتلاك القوة التي يمكنهم امتلاكها وقد قال الله تعالى مبيناً ذلك : { وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ} الصافات 173. والآيات في ذلك كثيرة ، وكان عمر بن الخطاب يُوصي الجيش إذا خرج للجهاد بطاعة الله فيقول : “إنكم لا تنتصرون على عدوكم بعددٍ ولا عدة ، وإنما تنتصرون بطاعتكم لله ومعصيتهم له ، فإذ تساويتم في المعصية غلبوكم بالعدد والعدة”. ويبين ابن رواحة أن المسلمين لا ينتصرون على عدوهم بعدد أو عدة ، وإنما ينتصرون بطاعة المسلمين لله ومعصية الكافرين له ، ويقول عندما استشاره زيد في لقاء الروم بعد أن جمعوا جموعاً كثيرة في مؤتة : ” لسنا نقاتلهم بعدد ولا عدة والرأيُ المسير إليهم ” ، إنه الجيل الذي زلزل عرش كسرى وقيصر ، وفتح البلدان والأمصار ، مع أنهم كانوا قلة في العدد والعتاد، ولكنه الإيمان الذي يصنع المعجزات ، قال تعالى : {فأيدنا الذين أمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } الصف14. وعندما سأل هرقل ملك الروم جنوده عن سرِّ هزيمتهم مع أن عددهم يفوق بكثير عدد المسلمين، ومعهم من العدة والعتاد ما ليس للمسلمين أجابه أحدهم: “لأنهم يصومون النهار ويقومون الليل، ويحبون الموت كما نحب نحن الحياة”. وقد يتأخر ويبطؤ نصر الله لحكمةٍ ما، لكن في نهاية المطاف فهو آتٍ لا محالة :{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ }يوسف 110.
