ابتلاء الله وغضبه

الابتلاء سنة إلهية لا يسلم منها أحد وتشمل الخير والشر،قال تعالى:﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾، أي اختباراً وامتحاناً بالنعم والنقم، والصحة والمرض والغني والفقر، والرخاء والشدة، والحياة والموت قال تعالى : ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ﴾ . أما غضب الله فيكون بعدم توفيق العبد إلى الطاعة ، فيعصي الله ، ويرتكب الجرائم حتى إذا أخذه لم يفلته ، بخلاف العبد الطائع ، فلا يسخط إذا نزل به بلاء أو مكروه ، ومما يؤسف له أن بعض ، ضعاف الإيمان ، إذا نزل به البلاء ، تسخط ولام خالقه في أفعاله ، وغابت عنه حكمة الله في قدره ، فوقع في بلاء أشد من البلاء الذي أصابه ، وتناسى أن الدنيا مليئة بالمصائب والرزايا ، والمحن والبلايا، إلى جانب ما فيها من كريم المنح والعطايا وهي دار شدة ورخاء، وضحك وبكاء تتنوع فيها الابتلاءات، ليعتبر بها المعتبرون ويغتنمها الموفقون، ولايغتر بها المغترون ويهلك بها الهالكون قال تعالى: ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ﴾الأنبياء35. وقال تعالى : ﴿ فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ﴾العنكبوت3، فكم من الشاكين والباكين؛ الذين يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ، فإذا نزلت بأحدهم النازلة ، أو حلت به الكارثة ضاقت عليه المسالك، وترقب أفجع المهالك؛ فضاق صدره، ونفد صبره واضطربت نفسه، وساء ظنه، وكثرت همومه ، وتوالت غمومه، فصد عن الحق، وتعلق بمن لا يملك نفعه ولا ضره من الخلق؛ يأساً من روح الله ، وقنوطاً من رحمته، وذلك هو الخسران المبين في الدارين لأن التعلق بالمخلوقين ، والإعراض عن رب العالمين ، شرك بنص الكتاب المبين قال تعالى:﴿ ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يُرِدْك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ﴾ يونس 106. أما من آمن بالله وعرف حقيقة دنياه، وسلّم لربه فيما قدره وقضاه، فإنه يصبر على الضراء ، ويشكر على السراء ويطيع ربه في الشدة والرخاء، لأنه يؤمن أن الله يبتلي العبد بالخير والشر ؛ ليختبر صبره فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال:(عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) رواه مسلم . فاستخدامك للسرّاء في طاعة الله ، يكون نعمة ومنحة من الله ، ومكافأة علي طاعتك لله ، وإن كان استخدامك لها في غير طاعة الله تصبح هذه النعمة بلاء وإذا ازددت بهذه النعمة اقترابا من الله ، وسخرتها لإعانة المحتاج ، فقد نجحت في الامتحان الإلهي وإن زادتك تكبرا وغلظة فقد أخفقت ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة) الترمذي ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام : (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) فكم من محنة في طيها منح ورحمات، وكم من مكروه يحل بالعبد ينال به رفيع الدرجات ، وصدق الله إذ يقول:﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ الزمر10.قد يتعجب البعض إذا قلنا أن الألم والابتلاء نعمة ، نعم إنه نعمة لأن الألم تهذيب للنفس ، وتخليص لها من شوائب الدنيا ، التي قد تكون علقت بها ، فإذا نظرت، ستجد الكل مبتلي، فهذا مبتلي في صحته.. وذاك مبتلي بالفقر وضيق ذات اليد.. وذاك ابتلاه الله بفقد الولد أو مرضه.. فلست وحدك المبتلى فالكل يعاني ويكابد ، من الابتلاء لأنه سنة كونية تتجلى في قوله تعالي: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾ أي أن هذا ما قدره الله علي عباده في هذه الحياة ، من التعب والمشقة ، والمعاناة التي تتفاوت من شخص لآخر، ولو علمنا حكمة الله في الابتلاء والجزاء ، الذي أعده للصابرين ، لحُسدوا على النعيم الذي أعده الله لهم في الآخرة فمن صبر علي الفقر في الدنيا ، عوضه الله عن ذلك بنعيم دائم لا ينقطع في الآخرة ومن احترق قلبه لوعة لفقده ولده ، وصبر واحتسبه عند الله ، بني الله له بيتا في الجنة يسمي بيت الحمد ، كما جاء في الحديث القدسي : ( يسأل الله سبحانه ملائكته اقبضوا ولد عبدي ، اقبضوا ثمرة فؤاده فيقولون : نعم يا ربنا ، فيقول تعالى وهو الأعلم بعباده: فماذا قال؟! قالوا: حمدك فيقول: ابنوا له بيتا في الجنة اسمه بيت الحمد ) .فالابتلاء إذن ، ليس مذموما دائما ، ولا مكروها دائما ، وكيف لا يكون البلاء أو الألم نعمة من الله ، وجزاء من يصبر عليهما الجنة ونعيمها؟! وفي ذلك قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ( ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذي ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها خطاياه ) رواه البخاري . وقد يتخفي البلاء في ثوب النعم ، ويتجلي هذا المعني في قوله تعالي: ﴿ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ﴾ فالنعم ليست في مطلقها خيرا، بل قد تكون امتحانا من الله لعبده ، ومن نعم الله أن جعل البلاء فرصة للتوبة قبل أن يحل العذاب الأكبر يوم القيامة قال تعالى :﴿ وَلَنُذِيقَنهُم منَ العَذَابِ الأدنَى دُونَ العَذَابِ الأكبَرِ لَعَلهُم يَرجِعُونَ ﴾ السجدة 21 ، والعذاب الأدنى هو نكد الدنيا ، وما يصيب الإنسان من سوء وشر ، وإذا استمرت الحياة هانئة فسوف يصل الإنسان إلى مرحلة الغرور والكبر ، ويظن نفسه مستغنياً عن الله فمن رحمته سبحانه ، أن يبتلي الإنسان حتى يعود إليه ، فيكون نزول البلاء خيرٌ للمؤمن ، من أن يُدَّخر له العقاب في الآخرة ، كيف لا وفيه تُرفع درجاته وتكفر سيئاته ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبـــه حتى يوافيه به يوم القيامة ) صححه الألباني في صحيح الترمذي .وقال الحسن البصري رحمه الله :” لا تكرهوا البلايا الواقعة ، والنقمات الحادثة فَلَرُبَّ أمرٍ تكرهه ، فيه نجاتك ، ولَرُبَّ أمرٍ تؤثره ، فيه عطبك – أي هلاكك ” قيل للإمام الشافعي رحمه الله : أَيّهما أَفضل : الصَّبر أو المِحنة أو التَّمكين ؟ فقال : التَّمكين درجة الأنبياء ، ولا يكون التَّمكين إلا بعد المحنة فإذا امتحن صبر ، وإذا صبر مكن ” فاتقوا الله وأثبتوا على إيمانكم واصبروا على ما قد تبتلون به ، وأدوا حق الله فيما أعطاكم ولا يطغينكم عز ورخاء أو صحة وثراء، ولا تضعفوا أمام الأحداث والشدائد والمضايقات ، فما هي إلا إبتلاء وامتحان ، ثم يأتي فرج الله ونصره ، ومثوبته لمن قام بأمره ، قال عليه الصلاة والسلام :
( إذا رأيت الله يُعطي العَبد مِن الدُّنيا على مَعاصيه ما يُحِبّ ، فإنما هو استدراج ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ . رواه الإمام أحمد ، وصححه الألباني .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *