قال تعالى:﴿ واتقوا فتنةً لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصّة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ الأنفال 25 هذا أمرٌ من الله أن نتقي الفتن ، وهي في بدايتها ، ولو أن كل انحراف عوجل بالضرب على يد من فعله وهو صغير ، لما كبر المنحرف والانحراف ، وإذا رأى الناس الظالم ولم يضربوا على يده فإن ذلك يُغْضب الله ، لأن الظالم يتمادى في ظلمه ، ويعربد على الآخرين فيستشري الظلم ويحق عقاب الله على الجميع ، روى الإمام أحمد قال : قام أبو بكر الصديق فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس أنتم تقرأون هذه الآية :﴿ يا أيها الذي آمنوا لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ وإنكم تضعونها على غير موضعها ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله أن يعمهم بعقابه ﴾ ، وقد يسأل سائل : إن العقاب يقع على الظالم والمظلوم ، مع أن الظالم هو الذي يستحق العقاب ، فما ذنب المظلوم ؟ كان بإمكان المظلوم أن يرد الظلم لكنه سكت ، فاستحق أن يشمله العقاب فإذا لم يقم الناس بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم ومقاومة الفساد والانحراف ، فإن النتيجة هي تمادي الشر والفساد ، والظلم الانحراف في الحياة الاجتماعية ، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى العذاب والبلاء ، الذي يطال جوانب الحياة كلها ، ويصطلي بناره أبناء المجتمع كلهم ، وهذا يوجب على أبناء المجتمع أن يدفعوا عن أنفسهم وقوع البلاء ، بمدافعة أسبابه ، من خلال ممارسة الإصلاح ، ومواجهة الفساد والمفسدين ، والواقع أكبر شاهد على صدق ما نقول ، فقد رأينا مجتمعات سكتت عن فساد المستبدين ، وجبنت أمام سطوة الظالمين وتخاذلت في مواجهة الفاسدين ، فكانت نتيجة ذلك ، أن دخلت تلك المجتمعات في دوامة الفتن ، والصراعات الدامية التي أتت على كل شيء ولم تستثن أحداً ، فدفعت تلك المجتمعات ثمناً باهظاً من دمها وأمنها واستقرارها وسيادتها واقتصادها جراء تقاعسها وتخاذلها عن القيام بواجبها في الإصلاح والتغيير وقد كان بإمكان تلك المجتمعات ، أن تصحح أوضاعها ، وأن تقّوم اعوجاجها ، بخسائر أقل وأهون بكثير ، لو أنها أخذت زمام المبادرة الواعية ، وواجهت بشجاعة بؤر الفساد ، ومصادر الشر والانحراف ، لتجنبت الفتن ، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن السعيد لمن جُنِّبَ الفتن ) رواه أبو داوود، وغيره بإسناد صحيح عن المقداد بن الأسود . ولما وقعت الفتنة في زمن التابعين، أتَى نفر من النصحاء إلى طلق بن حبيب وقالوا : قد وقعت الفتنة فكيف نتقيها، قال: اتقوها بتقوى الله ، قالوا له: أجمل لنا التقوى وبين لنا معناها، فقال : “تقوى الله أن تعمل بطاعة الله ، على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله ، على نور من الله ، تخاف عقاب الله”.
فبالتقوى يضمن المسلم عدم الوقوع في الفتنة وبالتقوى تمر الفتنة دون خسائر، فالذي يلهب الفتنة ، غفلة الناس عن حدود الله ، وانتشار الإشاعة ، وكثرة القيل والقال ، والله يأمرنا بقوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾الأحزاب 70 فلا ضرر مع التقوى ، وجميع الحلول في التقوى يقول الله تعالى : ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ، ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾ الطلاق4 ، ويُعْظِم : يضاعف له حسناته . فأينما حلت التقوى حل الوفاق والطمأنينة والهناء وتفتحـت أبواب الحلول ، يقول الله تبارك وتعالى : ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ الطلاق 2 فالتقوى أن نرى الحرام حراما فلا نفعله ، وأن نرى الفساد فسادا ، فلا نأتيه لأن الخراب حين يحل ، إنما يحل على الجميع فبالتقوى والتمسك بكتاب الله ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ننجوا من الفتن ، ثبت في حديث العرباض بن سارية المُخَرَّجِ في السُّنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا ، فعليكم بسُنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) وقال الإمام مالك : “السُّنَّة سفينة نوح ، فمن ركبها نجا، ومن تركها هلك وغرق” فكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عصمة أمرنا والقلم واللسان في هذه الظروف أولى من السيف والسنان . وعلى علماء الأمة الراسخين والأئمة المحققين ، ومفكري الأمة ، وأهل الحل والعقد فيها ، أن يلتقوا على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وترك الأخذ عن الأصاغر من الناشئين في طلب العلم، والمقلِّين في التحصيل منه، يقول صلى الله عليه وسلم كما في سُنن أبي داوود وغيره :(البركة مع أكابركم) وهو حديث صحيح ثابت فمن كان مُعَوِّلاً على كلمة العلماء المحققين، والأئمة الراسخين، فإنه – بإذن الله – يحمد العاقبة في الدنيا والآخرة، ولهذا وجّه الله – عز وجلّ – في محكم تنزيله، فقال : ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾النساء 83 جاء في تفسير الوسيط لطنطاوي : ” المجتمع الذي يكثر فيه العقلاء والفطناء ، هو الذي تقل فيه إذاعة الأخبار ، إلا من مصادرها الأصلية ، وهو الذي يرجع أفراده في معرفة الحقائق ، إلى العلماء المتخصصين ” وهكذا يرى القارئ للآية ، أنها تغرس في نفوس المؤمنين ، أسمى ألوان الإخلاص لدينهم ودولتهم وقيادتهم ، فالآية في مطلعها تنكر إذاعة الأخبار ، دون التحقق من صدقها ومن فائدتها ، وفي وسطها تأمر بالرجوع إلى حقائق الدين ، وإلى الحكام العادلين ، والعلماء المخلصين ، الذين يعرفون الأمور على وجهها الصحيح ، ليسألوهم عما يريدون معرفته ، وفي آخر الآية ، تذكير للمؤمنين بفضل الله عليهم ورحمته بهم ، حتى يداوموا على طاعته ويشكروه على نعمه
ومن رضي بالإسلام عقيدة ومنهج حياة، فليتفقه في الدين، لينذر قومه، وما تسلط أراذل الناس على أمة الإسلام ، إلا بسبب البعد عن سواء السبيل، فهل نشخص الداء ، ونصف الدواء ونجرب العودة النصوح إلى دين الله .
وبالتأني وعدم العجلة ، تكون النجاة من الفتن جاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال: “إنها ستكون أمور مشتبهات ، فعليكم بالتُؤَدة، فإنك أَن تكون تابعًا في الخير، خيرٌ من أن تكون رأسًا في الشر” وروي أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن من عباد الله مَن هُم مفاتيح للخير ، مغاليق للشر ومنهم من هو مغلاق للخير ، مفتاح للشر فطوبي لمن جعل الله مفتاح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفتاح الشر على يديه) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح. فالعجلة والتسرع والاندفاع ، لا تجر على الأمة إلا العواقب الوخيمة، والأضرار الأليمة، والنتائج السيئة ، ويجب على كل مسلم ، أن يقوم بواجبه الذي يفرضه عليه القرآن ، ولا يُعْذَر أبدا ، إن قعد وهو يرى الفساد يستشري ، والمكر يستعلي والباطل يصول ويجول ، لأن واجبه أن يدافع الفساد بالصلاح ، والشر بالخير ، والمنكر بالمعروف ، والباطل بالحق ، وإذا تعاون أهل الباطل فيما بينهم ، لنشر الفساد ، فإن الواجب على أهل الحق ، أن يتحالفوا ويتعاونوا فيما بينهم لنشر الخير ، ودحر الشر قال تعالى: ﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفساد كبير ﴾ الأنفال 73 .
والذين كفروا بعضهم ، أولياء بعض ، في النصرة والتعاون على قتال المؤمنين ، فهم وإن اختلفوا فيما بينهم ، إلا أنهم يتفقون على عداوة المؤمنين وإنزال الأضرار بهم ، وإذا لم يفعل المسلمون بما أمرهم الله ، من التناصر والتواصل ، وتولي بعضهم لبعض ، وقطع ما بينهم وبين الكفار من علاقات ، تحصل فتنةٌ كبيرة ، ومفسدةٌ شديدة لأنَّ المسلمين إذا لم يكونوا يداً واحدةً ، يضعف شأنهم ، وتذهب ريحهم ، وتسفك دماؤهم ويتطاول عليهم أعداؤهم ، فيعجزوا عن الدفاع عن دينهم وعرضهم ، وبذلك تعم الفتنة ، وينتشر الفساد . لذا على كل مسلم ، للنجاة من الفتن لزوم جماعة المسلمين ، والبعد عن التفرق والاختلاف، لأن الفرقة شرٌ ، والجماعةَ رحمة فقد روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله لا يجمع أمتي أو قال : أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة ويد الله مع الجماعة ) وفي رواية عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة أبدًا قال : يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار) والحديث صحيح كما في صحيح الجامع ، اتفق أهل السنة والجماعة على أن المراد بذلك هو رعاية الله لهم، وعنايته بهم، وأنهم في كنفه وحفظه ، والأمر بالجماعة والائتلاف ، هو أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين وأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ، والأمر للوجوب كما هو معلوم ومقرر في علم الأصول، وعلى قدر امتثال المؤمنين لهذا الأمر ، تكون سعادتهم في الدنيا ، وحسن العاقبة في الآخرة .
اتقاء الفتن
