إن المتأمل ببصرٍ وبصيرة في أحوال الكثير من المسلمين اليوم يجد أنهم أصبحوا يعيشون لدنياهم فقط , لأنها غرتهم بزخرفها الزائف وأعمت بصائرهم بنعيمها الزائل فنسوا وتناسوا الآخرة ونعيم الجنة الدائم , وكأن الموت وسكراته والقبر وضمته, والقيامة وأهوالها, والنار وزفراتها, والجنة ونعيمها ,كلها مجرد أوهام ليست وأقعاً سنصير إليه لا محالة عاجلاً أم أجالاً, وإلا فما سبب تقاعدهم عن الكثير من الطاعات وتكاسلهم عن أداء الكثير من العبادات وتقاعسهم عن العديد من أعمال الخير والتي بمقدورهم القيام بها دون كبير كلفة أو بالغ عناء أو مشقة.
فيجب علينا أن لا ننخدع بنعيم الدنيا ، الزائل وأن نحاول أن نقي أنفسنا من النار ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ، وقد أرشدنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم ، إلى الطريقة التي نتقي بها النار, حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(من أستطاع منكم أن يتقي النار فليتصدق ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة)رواه أحمد ومسلم ، فالإنفاق في سبيل الله والصدقة على الفقراء والمساكين والأرامل ، تعتبر من أفعال الخير العظيمة التي تقي مصارع السوء ، وتقي من النار ، وقد أمر المولى عز وجل المسلمين بالتصدق والإنفاق حيث : ﴿ يا أيها الذين أمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلةٌ ولا شفاعةٌ والكافرون هم الظالمون ﴾ سورة البقرة 254 . وقال جل جلاله : ﴿ وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ﴾ ، كما أمرنا رسولنا الكريم بالتصدق كل يوم حيث قال صلى الله عليه وسلم : ( على كل مسلم صدقة.فقالوا يا نبي الله فمن لم يجد ؟ قال يعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا فإن لم يجد؟ قال : فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر, فإنها له صدقة ) رواه البخاري.
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكد لنا أن الصدقة في الدنيا تطفئ غضب الرب ، وتقي من ميتة السوء ، أي أنها تقي المسلم من الخاتمة السيئة فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء ) رواه الترمذي وحسنه . وكيف لا تقي الصدقة المتصدق من النار وقد غفر الله عز وجل ذنوب إحدى بغايا بني إسرائيل بسبب سقيها لكلب كان يلهث من العطش,فقد روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بينما كلب يطيف برَكِيَّةٍ,قد كان يقتله العطش إذ رأته بَغِىٍّ من بغايا بني إسرائيل فنـزعت مَوقها, فاستقت له به,فسقته فَغُفرَ لها به)
وإذا كانت الصدقة تقي من النار، وتطفئ غضب الرب ، وتقي من ميتة السوء ، ومع ذلك لا تُنْقِصْ من مال المتصدق شيء ، مهما كان مقدارها فقد روى الترمذي عن أبى كبشة الأنماري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فأحفظوه :ما نقص مال من صدقة, ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا,ولا فتح عبد باب مسألة ، إلا فتح الله عليه باب فقر ) , وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً : ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينـزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً, ويقول الآخر: اللهم أعط كل ممسك تلفاً)رواه مسلم .
اتقاء النار باصطناع المعروف والصدقة
