اجتماع سَكْرة الموت مع حَسْرَة الفوت

الحمد لله الذي كتب الموت على كل حي ، ولم يستثن منهم أحب خلقه وعباده إليه ، بل أذاقه رسله وأنبياءه ، بل وأصفى أصفيائه وأحب أحبائه محمداً صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ﴾ وقال : ﴿ وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن متَّ فهم الخالدون. كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ﴾ ، وقال صلى الله عليه وسلم فيما عن ربه : ( وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته ، ولابد منه ) . جاء في تفسير قوله تعالى :﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ ، كما قال الحافظ ابن رجب الحنبلي : “أن المراد بذلك اجتماع سكرة الموت مع حسرة الفوت” فلا يسأل عن سوء حاله ، ولا رداءة مآله . فالسعيد من طاب للموت وطاب له الموت ، فجعل يشتاق إلى لقاء ربه لاستعداده لذلك وتوقعه لما هنالك ، والشقي من اجتمعت عليه الحسرتان ، وتطابقت عليه الشدتان ، واستبان له الخسران ، وواجه مغبة التسويف والمماطلة والنسيان . أن للموت سكرات وأي سكرات؟! قال تعالى: ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ ، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن للموت سكرات ) ألسنا أبناء الموتى ، وأن الله نعى إلينا نبينا صلى الله عليه وسلم ونعانا إلى أنفسنا ، فما منا من أحد إلا وهو يحمل أصل شهادة وفاته ، وما يستخرج له من شهادة بعد وفاته ، إن هي إلا صورة من تلك الشهادة المقوقعة بقول الله : ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ﴾ وقوله : ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ وهو توقيع بخراب الدنيا . إن أرواحنا عارية في أجسادنا ، ولابد لصاحب العارية من ردها وقبضها . لهذا علينا أن نكثر من ذكر هادم الذات ، ومفرق الجماعات وميتم البنين والبنات ، ومؤيم الأزواج والزوجات ، ومنغص العيشات ، وعلينا أن نستعد له بتجديد التوبات ، والحرص على الطاعات ، والبعد عن المحرمات ، والاستعداد للممات ، والحذر من اجتماع الحسرات ، والانغماس في الشهوات ، واغتنام الفرص ، والاستفادة من الأوقات . قال الفضيل بن عياض رحمه الله لرجل : كم أتى عليك ؟ قال : ستون سنة ؛ قال له : أنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ؛ فقال الرجل : إنا لله وإنا إليه راجعون ؛ فقال الفضيل : من علم أنه لله عبد ، وأنه إليه راجع ، فليعلم أنه موقوف ، وأنه مسئول ، فليعد للمسألة جواباً ؛ فقال الرجل : ما الحيلة ؟ قال : يسيرة ؛ قال : ما هي ؟ قال : تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى ، فإنك إن أسأتَ فيما بقي أخذتَ بما مضى وبقي . فلا تأمن يا أخي مكر الله ، ولا تأمن الموت ، ولا تظنن أنك في أمان منه ، فقد يموت الصغير ، ويعمر الشيخ الكبير ، ويهلك الصحيح ، ويصحُّ المريض ؛ فكم من صغيرة دفنتَ، وشاب وشابة واريتَ ؟ وكم من عروس قبرتَ ؟ وشيخ عجوز عاصرتَ ؟ ولله در القائل :
تفتُّ فـؤادك الأيــامُ فتـا وتنحتُ جسمك الساعات نحتاً
وتدعوك المنونُ دعاء صدق ألا يـا صاح أنتَ أريد أنتَ
ولا تقل الصبا فيه امتهـال وفكر كم صغيـراً قد دفنتَ
وكانت آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز رحمه الله، قال فيها: ” إنكم لم تُخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سدى ، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للفصل بين عباده ، فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء ، وحرم جنة عرضها السموات والأرض ، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيرثها بعدكم الباقون ، كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين ، وفي كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله، قد قضى نحبه ، وانقضى أجله، فتودعونه ، وتدعونه في صدع من الأرض، غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب ، وفارق الأحباب، وسكن التراب ، وواجه الحساب ، غنياً عما خلف، فقيراً عما أسلف ، فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت ، وانقضاء مواقيته ، وإني لأقول لكم هذه المقالة ، وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي ، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه ؛ ثم رفع طرف ردائه ، وبكى حتى شهق ، ثم نزل ، فما عاد إلى المنبر بعدها حتى مات رحمة الله عليه ” . فالحذر الحذر أخي الكريم من الغفلة وطول الأمل ، وحب الدنيا ، وكراهية الموت ، فهذه أدواء مضلة ، وأمراض مذلة ، وأماني مخلة . فالعاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، واعلم أن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل ، واحرص أن لا يكون يقينك بوعد الله وبالمغيبات شبيهاً بالشك ، سيما الموت . قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: “لم أر يقيناً أشبه بالشك كيقين الناس بالموت ، موقنون أنه حق ، ولكن لا يعملون له ” . فمن كد وجد ، ومن زرع حصد ، ومن اجتهد نجح ، ومن عمل أفلح . واعلم أن دوام الحال من المحال ، فاليوم في الدور وغداً في القبور ، واتق ليلة فجرها يوم القيامة ، واعمل لدار السلامة ، ولا تعجز فتكون في دار الندامة ، وكفى بالقرآن مذكراً ، وبالرسول صلى الله عليه وسلم مبشراً ومنذراً ، وبالموت واعظاً وبالدهر مفرقاً .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *