قال تعالى : ﴿ الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ﴾الزخرف:67 موضوع الصحبة موضوع له أهميته في الدين والحياة ، لأن الإنسان ميال إلى التواصل والمعاشرة والمصاحبة ولا يطيق الوحدة والانعزال، فيصطفي من الناس ويختار أصحابا له ، ورفقاء وجلساء ، يعاشر بعض الناس ويقاطع البعض ، ويتوافق مع هؤلاء ويتنافر مع أولئك ، وقلما يكون ذلك عن حسن اختيار للصاحب الصالح والرفيق النافع ، والجليس الناصح . وصار ذلك شاهدا على المرء في عقليته وأخلاقه وسيرته حيث يعرِف بين الناس صالحًا أو طالحا بالنظر الى أصحابه وقرنائه وجلسائه، حتى قيل : قل لي من تصاحب أقل لك من أنت لأن الإنسان يتأثر بصفيه وجليسه، ويكتسب من أخلاق قرينه وخليله في أقواله وأفعاله وأحواله ،خيرا أو شرا . وبالرغم من أن أثر الصحبة والمجالسة ثابت ومعلوم ، فإن من الناس من يصاحب الصالحين الأخيار الذين يعينون على الحق والطاعات وفعل الخيرات، ومنهم من يلازم الأشرار، أهل الغواية والمعاصي ، لذا حث الإسلام المسلم على اختيار الصحبة الصالحة والارتباط بأصدقاء الخير الذين إذا نسيت ذكروك، وإذا ذكرت أعانوك. وحذّر من اختيار الأصحاب الذين يجاهرون بالمعاصي لما في صحبتهم من الداء، وما في مجالستهم من الوباء، وجاءت النصوص تحثُ المسلمين على اختيار الصحبة الصالحة ، عن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله، أي جلسائنا خير؟ قال: ( من ذكَّركم بالله رؤيته وزاد في علمكم منطقه وذكركم بالآخرة عمله ) رواه أبو يعلى الموصلي. فمن صاحب أصدقاء الخير تأثر بأخلاقهم الحميدة وأعمالهم المرضية لله عز وجل، وكانوا له عوناً على طاعة الله وإصلاح نفسه ،وهذا ما يؤكد أهمية الصحبة والمعاشرة والمجالسة .
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقـــــــارن يقتــــــــدي
فكم من فائدة تجنى من مجالسة الأخيار و كم من معصية وضرر تصيب من مجالسة الأشرار. وإن مجالسة الأخيار جالبة لمحبة الله كما في الحديث الذي رواه الأمام مالك في موطأه وصحح إسناده المنذري والنووي : أن مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَجَبَتْ مَحبِتي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ) قال ابن الجوزي:” رفيق التقوى رفيق صادق، ورفيق المعاصي غادر، ومهر الآخرة يسير، قلبٌ مخلص، ولسانٌ ذاكر” فالناسُ معادن مختلفة، وأصنافٌ مُتعدِّدة، وطبائِع مُتفاوتة، وغرائزُ متغايِرة، كلٌّ يميلُ إلى من يُوافِقُه، ويصبُو إلى من يُشاكِلُه، ويحِنُّ إلى من يُماثِلُه ، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ( الأرواح جنودٌ مُجنَّدة، ما تعارفَ منها ائتلَف، وما تناكَر منها اختلَف) أخرجه مسلم. والجُودُ بالمودَّة من كريمِ البذل، والبَوح بالمحبَّة من جميل الفضل، وقصرُها على أهل التقوى دليلُ العقل. والعاقلُ من يُخالِطُ الأفاضِل، ويُعاشِر الأماثِل، لا يُصافِي غريبًا حتى يسبُر أحوالَه، ولا يُؤاخِي مستورًا حتى يكشِف أفعالَه؛ لأن المرء موصوفٌ بأفعالِ من صاحَب؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ( الرجلُ على دين خليلِه، فلينظُر أحدُكم من يُخالِل ) أخرجه أبو داود والترمذي. أي ليتدبَّر أحدُكم من يُخالِط فإن رضِيَ دينَه وخُلُقَه خالَلَه، وإلا صارمَه وبايَنَه، لأن الطباعَ تُعدِي، وصُحبةَ السُّوء تُغوِي ، ومن يصحَب صاحبَ السوء لا يسلَم، ومن يدخل مداخِل السوء يُتَّهَم وإياك وإخوانَ السوء؛ فإنهم يخونون من رافقَهم، ويُحزِنون من صادقَهم، قُربُهم أعدَى من الجرَب، ورفضُهم من استِكمال الأدب”، وقد قيل: “الجليسُ الصالِح كالسِّراج اللائِح، والجليسُ الطالِح كالجرَب الجائِح”. فلا غرابة إذن أن يعنى الإسلام بشأن الصحبة والمجالسة ويوليها بالغ الرعاية، ويدعو الى اختيار الصاحب الناصح والجليس الصالح، وتلك قيمة حميدة من قيم الإسلام ، التي أضحت عملة نادرة في زمان ابتلي الناس فيه بقرناء الشر ، وجلساء السوء . وفي حديث أكثر بيانا وتفصيلا لأهمية هذه القيمة ، في وصية خير صاحب وأفضل جليس بين كل الأنام محمد عليه الصلاة والسلام، الذي يقول : عن أبي موسى الأشعريِّ : ( إنما مثلُ الجليس الصالِح وجليس السوء كحامِل المِسك ونافِخ الكِير؛ فحامِلُ المِسك إما أن يُحذِيَك، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجِد منه رِيحًا طيبة، ونافِخُ الكِير إما أن يُحرِق ثيابَك، وإما أن تجِد منه ريحًا مُنتِنة ) متفق عليه. يراد بالجليس الصالح ، كل صديق او رفيق فاضل ، كريم الأخلاق ، طيب في أقواله وأفعاله وأثاره، ونافع في صحبته ومرافقته ومجالسته ، فكيف إذا كان هذا الجليس ممن يعلمك علما وأدبا وخلقا، ويرشدك إلى ما فيه صلاح دنياك وآخرتك . ويراد بجليس السوء الصاحب السيئ الذي يضر ولا ينفع، في مصاحبته ومرافقته ومجالسته لا ينفث الا الخبث والشرر والضرر.فكيف اذا كان يصد عن ذكر الله وشكره وعبادته ويغري بالفواحش والمنكرات .
إن من الحكمة والحزم والرشاد ،أن يزن المسلم الناس بميزان الشرع والعقل ، فلا يصاحب أو يرافق أو يجالس إلا من يرى في مصاحبته ومجالسته ومؤاخاته نفعا له في دينه ودنياه . وإن خير الأصحاب ، وأنفع الجلساء ، الأتقياء الأوفياء ، ذوو المروءة والنهى، ومكارم الأخلاق والآداب من أهل الصحبة الطيبة التي تثمر محبة الله تعالى كما في الحديث:(وجبت محبتى للمتحابين فىّ والمتجالسين فىّ).وإن شر الأصحاب والرفقاء والجلساء ، وأسوأهم أثرًا على من يصاحبهم ويجالسهم، من قلت مروءتهم وساءت أخلاقهم، وخبثت سيرتهم و سريرتهم ، لا يقيمون للدين وزنًا، ولا للمروءة اعتبارًا، ولا يرعون للصداقة حقًا ، فزايِل أخي أهلَ الرِّيَب، وانْأَ عن أهل الفسوق ، وصارِم أهل الفجور، وأعرِض عن أهل السَّفَه والتفريط؛ فكم جلبَت خِلطتُهم من نقمة، ورفعَت من نعمة، وأحلَّت من رزِيَّة، وأوقعَت في بليَّة،﴿ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ﴾النساء 38. فمن الجهل والغفلة أن يعاشر المرء قرناء السوء ، يرتاح إليهم وينقاد ، إن همَّ بخير ثبطوه ، وإن أبطأ عن شر أعجلوه ، وإن استحيا من منكر هونوه له وشجعوه ، ومن قادَه أهلُ الزَّيغ والفِسق والعمَى ، عضَّ على يديه تحسُّرًا وتأسُّفًا وتندُّمًا ، يوم القيامة ، يوم لا تنفعه صيحة الندامة ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾الفرقان27. فيا فوزَ من وعَى! ويا سعادة من إلى ربِّه سعَى!،
لعمرُك ما مالُ الفتى بذخيرةٍ ولكنَّ إخوانَ الثقاتِ الذخائِرُ
قيل لابن السمَّاك: أيُّ الإخوان أحقُّ ببقاء المودَّة؟ قال: الوافِرُ دينُه، الوافِي عقلُه الذي لا يَمَلُّك على القُرب، ولا ينساكَ على البُعد، إن دنوتَ منه أدناك، وإن بعُدتَ عنه راعاك ” وأوصى رجلٌ ابنه : “يا بُنيَّ، إن نزعَتك إلى صُحبة الرجال حاجة، فاصحَب من إذا صحِبتَه زانَك، وإن خدمتَه صانَك وإن أصابَتك خصاصةٌ أعانَك، وإن رأى منك حسنةً عدَّها، وإن بدَت منك ثُلمةٌ سدَّها”. وخيرُ الجُلساء والأخلاَّء من تُذكِّرُ بالله رؤيتُه، وتنفعُ في الحياة حكمتُه، وتُعين على الطاعةِ نصيحتُه وسيرتُه ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾الكهف28. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ما أُعطي العبد بعد الإسلام نعمة خيراً من أخ صالح، فإذا وجد أحدكم وداً من أخيه فليتمسك به”.وقال الشافعي: “إذا كان لك صديق -يعينك على الطاعة- فشد يديك به؛ فإن اتخاذ الصديق صعب ومفارقته سهلة”. وقال الحسن البصري:” إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا وإخواننا يذكروننا بالآخرة ” وقال لقمان الحكيم لابنه:” يابني؛ ليكن أول شيء تكسبه بعد الإيمان بالله أخا صادقا ، فإنما مثله كمثل شجرة ، إن جلست في ظلها أظلتك وإن أخذت منها أطعمتك وإن لم تنفعك لم تضرك “. كان العلماء والصالحون عبر التاريخ في حياتهم العملية وفي أثارهم التي يجالسهم فيها اهل النهى والفضائل ، فلينظر المسلم العاقل ، من يصطفي ويقتفي ويصاحب ويجالس ، لخير دينه ودنياه وأخرته :
يُقاسُ الـمرءُ بالمـرءِ إذا ما المرءُ ماشـاه
وللشـئ من الشيئ مقاييــسٌ وأشبـــــاه
وذو الـعقل إذا أبصَــر ما يخشـى توقّــــــاه
ﻣﺮﺽ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ رحمه الله ﺫﺍﺕ ﻳﻮﻡ ﻭﻻﺯﻡ ﺍﻟﻔﺮﺍﺵ، ﻓﺰﺍﺭﻩ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ رحمه الله ﻓﻠﻤﺎ ﺭﺃى ﻋﻠﻴﻪ ﻋﻼﻣﺎﺕ ﺍﻟﻤﺮﺽ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ أﺻﺎﺑﻪ اﻟﺤﺰﻥ، ﻓﻤﺮﺽ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ، ﻓﻠﻤﺎ ﻋﻠﻢ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﺬﻟﻚ ﺗﻤﺎﺳﻚ ﻧﻔﺴﻪ ﻭﺫﻫﺐ ﻟﺮﺅﻳﺔ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ﻓﻲ ﺑﻴﺘﻪ ﻓﻠﻤﺎ ﺭﺁﻩ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ﻗﺎﻝ :
ﻣﺮﺽ ﺍﻟﺤﺒﻴﺐ ﻓﺰﺭﺗﻪ ﻓﻤﺮﺿﺖ ﻣﻦ أﺳﻔﻲ ﻋﻠﻴﻪ
ﺷُﻔﻲ ﺍﻟﺤﺒﻴﺐ ﻓﺰﺍﺭﻧﻲ ﻓﺸُﻔﻴﺖ ﻣﻦ ﻧﻈﺮﻱ إليه
فاتقوا الله عباد الله ، واختاروا لدينكم ودنياكم من الرفاق والأصحاب والخلان والجلساء من ترضون دينهم وأخلاقهم وتأنسون منهم الخير والصلاح .
