أول هذه الأسباب الزنا قال تعالى : هناك عقابان للزنا : عقاب وضعي وعقاب علمي ، أما العقاب الوضعي ، فقد جاء واضحاً فيما رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( في الزنا ست خصال : ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة ، أما اللواتي في الدنيا : فيذهب ببهاء لوجه ويورث الفقر ، وينقص العمر وأما اللاتي في الآخرة فيورث السخط وسوء الحساب والخلود في النار ) الطبراني في الأوسط عن ابن عباس . كما دل على أن الله يجعل الزاني فقيراً ، ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الزنا يورث الفقر ) الجامع الصغير عن ابن عمر . أما العقاب العلمي ، فقد ثبت أن الزنا يسبب كثيراً من الأمراض والعاهات ، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك حين قال : ( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا ) . فهل هناك أوضح من هذا الكلام في موضوع فيروس الإيدز ؟ وقد جاء النهي عن الزنا وأسبابه في قوله تعالى في سورة الإسراء : ما قال : ولا تزنوا ، قال : ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾ فالنهي ليس عن الزنا ، بل النهي عن الأسباب التي توقع في الزنا كالخلوة ، وإطلاق البصر ، والاختلاط .
ومن الأسباب : نقص المكيال والميزان قال صلى الله عليه وسلم : ( وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ- وهي القحط والجفاف ـوَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ) .
ومنها : الحكم بغير ما انزل الله قال صلى الله عليه وسلم : ( وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ) ابن ماجه عن ابن عمر . ومنها : منع الزكاة قال صلى الله عليه وسلم : ( ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم ، ولا ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا سلط الله عليهم الموت ، وما منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر ) أخرجه الحاكم عن بريدة وقال : صحيح على شرط مسلم . وفي حديث آخر : ( ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين ) الطبراني في الأوسط عن بريدة بسند صحيح . وقد دلت الإحصاءات على أن خمسة بالمئة فقط من أغنياء المسلمين يدفعون زكاة أموالهم .
ومنها : الربا قال تعالى : وقد روى الحاكم عن ابن عباس ، وسنده صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :(إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله ) . ومنها : اليمين الكاذبة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( اليمين الفاجرة تُذهب المال ، أو تَذهب بالمال ) البزار عن عبد الرحمن بن عوف وسنده حسن . وبعض التابعين قال لأحد التجار : ” يا عبد الله ، اتق الله ، ولا تكثر الحلف ، فإنه لا يزيد في رزقك إن حلفت ، ولا ينقص من رزقك إن لم تحلف ” فلا داعي للحلف بأن هذه السلعة سعرها كذا ، الله عز وجل هو الرزاق ، ويقول عليه الصلاة والسلام : ( الحلف منفقة للسعلة ممحقة للبركة ) فالشاري قد يخجل منك فيشتري البضاعة بأيمان مغلظة ، لكن الله يمحق هذا المال ، كان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يتصدق بدينار عن كل يمين حلفها صادقاً ، فكيف إذا كان كاذباً ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارًا ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ : خَابُوا وَخَسِرُوا ، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ )مسلم عن أبي ذر .
ومنها: الكذب وهو من صفات الكافرين والمنافقين : فالمؤمن لا يكذب ، فقد يقع في معاص ، لضعف في نفسه فقد تغلبه شهوته ، إلا أن الكذب ليس شهوة بل هو خُبثٌ ، لذلك ورد في بعض الأحاديث : (يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ) رواه أحمد عن أبي أمامة الباهلي . هناك مؤمن عصبي المزاج ، ومؤمن يحب البقاء في البيت ومؤمن يعتني بهندامه أقلّ من غيره ومؤمن يحب الاختلاط مع الناس ، ومؤمن يؤثر العزلة هذه طباع : أما إذا كذب وخان فليس مؤمناً ، لأن المؤمن لا يكذب . كما ينطبق هذا على الإعلانات التي توهم بخصائص لبضاعة ليست فيها ، أو توهم بأنها من مصدر معين ، وهي من مصدر آخر ، أو توهم أن فيها هذه الخصائص وهي ليست فيها ، كأن تضع العلامات التجارية الرائجة على سلع ليست من مصدرها ، وتباع السلع بهذه الطريقة ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، أَوْ قَالَ : حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا ، وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ) متفق عليه ، وبعض الآباء دون أن يشعروا يعلمون أولادهم الكذب يقول لابنه إذا ما سُئل عنه : قل لهم : إنني لست هنا هذا الكلام العملي يلغي ألف محاضرة في الصدق لأن الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم ، ولغة العمل أبلغ من لغة القول . وإذا كنا صادقين ونتحرى العدل فإن الله ينصرنا ، أما إذا كذب وظلم بعضنا بعضاً فالله يخذلنا لا محاله .
ومنها : الاحتكار ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( مَنْ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامًا ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَالْإِفْلَاسِ ) رواه ابن ماجه عن عمر مرفوعا . فالاحتكار أن تحبس بيع البضاعة ، وخصوصاً البضاعة الغذائية التي يحتاجها الناس ، من أجل أن يرتفع ثمنها ، وفي هذه الأيام المشتري يحتكر كما يحتكر البائع ، كيف ؟ قد تحتاج في الشهر إلى كمية معينة من الغذاء ، فإذا شعرت بأزمة ، فإنك تشتري فوق حاجتك بأضعاف ، مما يسبب نقصاً في هذه البضاعة فتكون محتكراً أيضاً ، لذلك قَالَ صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ ) أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود .
خاطئ ، فماذا تعني كلمة خاطئ قال تعالى : ﴿ إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ﴾ القصص . كلمة خاطئ في القرآن تعني أنه إلى جهنم ، ويئس المصير ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : (مَنْ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَبَرِئَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ ، وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمْ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى ) رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط . فقد توعد الله من احتكر الطعام ورفع سعره ويقول صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) أحمد .
ومنها : الغش كتغيير صفات البضاعة ، وتغير المنشأ ، واللعب بالوزن ، والكيل والمساحة أو إعطاء عطلاً كاذباً لمن يريد أن يصلح جهازه أو سيارته ، فقد يحتاج دقيقة لإصلاحها فيوهمه أن ذلك يحتاج إلى وقت كبير ليأخذ منه أضعاف الأجر مستغلاً جهل صاحبها بذلك ، متناسياً عقاب الله ، وقد قيل : يا رب لقد عصيتك ، ولم تعاقبني ، قال : عبدي ، قد عاقبتك ولم تدر ، نعم قد يسوق الله للغاش مليون مصيبة .
ومنها : التجارة في المحرمات ، هناك مواد محرمة ومشروبات محرمة ، ولحوم محرمة وبضائع محرمة فمن تاجر فيها فقد وقع في الإثم ، وليعلم هؤلاء أن من ابتغى الحلال كان له فيه بركة ، ومن عاش تقياً عاش قوياً وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ) الجامع الصغير . ومنها : الكفر بالنعمة يزيلها والكفر بالرزق يذهبه وإن عدم الرضا يبدل الحال إلى أسوأ وأشد قال تعالى في سورة سبأ : ﴿ لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشِمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدةٌ طيبة ورب غفور ، فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيلَ العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أُكُلٍ خَمْط وائْلٍ وشيء من سدر قليل , ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نُجْزي إلا الكفور ﴾ آية 15 سبأ . إذا كان ذلك حال سبأ أعطاهم الله رزقا وفيرا جنات عن يمين وجنات عن شمال مملوءة بالخيرات ليأكلوا منها حيث شاءوا ، فقابلوا الرزق بالكفر والجحود و أعرضوا عن نعمة الله وعن شكر المنعم , فكانت النتيجة حرمانهم من الرزق والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنَ الرجُلَ ليحرم الرزق بالذنب يُصيبُه ) ، فأكل الربا وأكل حقوق الناس واستغلال حاجة الفقير يمحق المال ويذهب الرزق ، وفي هذا إنذار لكل من كفر وعصا والعقاب من جنس العمل .
الأسباب المانعة للرزق
