الأقصى في خطر


تتعرض مدينة القدس في هذه الأيام ، لمحنة من أشد المحن وأخطرها، فالمؤسسات فيها تغلق، وآلاف المقدسيين يطردون ، وتفرض عليهم الضرائب الباهظة وتهدم عشرات البيوت ، وتغلق المحلات التجارية ، وتقام الحدائق التلمودية ، في محاولة لتزييف التاريخ والحضارة والعمل على تغيير أسماء الشوارع والميادين، ونهب الأرض لبناء الوحدات الاستيطانية ، والعمل على تهويد المسجد الأقصى وتقسيمه ، بعد السماح لليهود بدخوله متى شاءوا تمهيداً لهدمه ، وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، ما يفرض على أهلنا في القدس وفلسطين ، إعلان النفير العام والمرابطة بالمسجد لحمايته بصدورهم العارية ، بعد أن أدار العرب والمسلمون ظهورهم له ، والعالم يغض البصر عما يحدث ، ما يؤكد نفاق المجتمع الدولي ، ودليل على أن لا طائل من انتظار الشفقة منه ، أو انتظار مساعدته لأنه السبب الذي جعل إسرائيل تتمادى في ممارساتها ، من النيل من المسجد الأقصى ، في محاولات ليست بالجديدة ولكن الجديد ، هي ردود فعل المسلمين الصامتة ، وهذا ليس غريباً ممن أشغلتهم دنياهم عن دينهم , ولم يعد يهمهم إلا كرسي وحاشية ! علماً بأن الأقصى ليس بحاجة إلى هؤلاء ، ولكنه بحاجة إلى كل جهد مخلص ، يستطيع نصرته ،إنه ليس بحاجة للمغلوبين على أمرهم ، ممن يدّعون دعم القضية الفلسطينية، واعتبارها القضية المركزية بينما هم، في واقع الأمر، يقوموا بدور القاتل المأجور، والحارس الغيور ، لخدمة إسرائيل ومن هم وراء إسرائيل. يصْلّون ويرددون قوله تعالى : ﴿ سُبْحَانَ اْلَّذِىَ أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ اْلْمَسْجِدِ اْلْحَرَامِ إلى اْلْمَسْجِدِ اْلأقْصَى اْلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مٍنْ أَيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ اْلسَّمِيعُ اْلْبَصِيرُ ﴾ . دون أن تحرك فيهم الآية إحساساً بالمسؤولية حيال المسجد الأقصى الأسير، ودون أن تُوقظ فيهم مشاعر العزة والكرامة التي خبت ، ودون أن تُثير فيهم روح الدفاع عن الأقصى ، لوقف العدوان عليه الذي أعلنه زعماؤهم بكل وقاحة ، فهذا ” دافيد بن غوريون” يقول : ” لا معنى لإسرائيل من دون القدس، ولا معنى للقدس من دون المسجد الأقصى”، فإسرائيل تستهدف من قديم الزمان الاستيلاء الكامل على المسجد الأقصى ، بحجة البحث عن هيكل سليمان ، وقد دفعها ذلك ، إلى إجراء كثير من الحفريات حول المسجد ، وفي مساحات واسعة محيطة به ، ومن المؤسف أن العرب والمسلمين لم يؤخذوا على حين غرة ، عندما أقدمت إسرائيل على حرق المسجد الأقصى، ولن يؤخذوا على حين غرة إذا فعلت إسرائيل أكثر من ذلك، لأن النوايا الصهيونية الأثيمة تجاه المدينة المقدسة ، وضد المسجد الأقصى بالذات ومخططهم لإزالته من الوجود ، وإقامة هيكل سليمان على أنقاضه ، نوايا معلومة ومكتوبة ومطبوعة قبل أن يكون لإسرائيل وجود على أرض فلسطين ، وما أعتقد أن ذلك كان مجهولاً أو خافياً على أحد ، هذه حقيقة، وهناك مستندات تؤيد ذلك وتثبته ، ففي سنة 1918م روى أن “رونالد ستورس” أول حاكم بريطاني للقدس بعد الحرب العالمية الأولى ، روي أنه أقام مأدبة ، جمع فيها بين زعماء العرب في فلسطين ، ولجنة من كبار الصهاينة ، قدمت لتعمل على تطبيق وعد بلفور، فوقف وايزمان ، وألقى خطبة بعد العشاء قال فيها: “إن اليهود لا يأتون إلى فلسطين ، ولكنهم يعودون ، وإنه لمن الخبث والخيانة أن يستمع أحد إلى هؤلاء ، الذين يرددون أن لليهود أي أطماع سياسية في فلسطين ، وكل ما يطمع فيه اليهود ، هو مكان يعيشون فيه بجوار الفلسطينيين ، ثم قدم مصحفاً للعرب في صندوق من الخشب المحلّى بالذهب ” وقال الوزير اليهودي البريطاني “اللورد متشت”: إن اليوم الذي سيعاد فيه بناء الهيكل أصبح قريباً جداً، وإنني أكرّس ما بقي من حياتي لبناء هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى ، وها هي أحلام الصهيونية قد خرجت إلى حيز التنفيذ بعد حرب يونيو 1967م، فعمدت إسرائيل إلى تدعيم وجودها في القدس – متحدية بذلك قرارات مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومنذ اللحظة الأولى سعت إلى الاستخفاف بالرأي العام العربي والإسلامي وكان من مظاهر هذا الاستخفاف وهذه الإهانة ، استباحة حرمة المسجد الأقصى بالسماح للإسرائيليين والإسرائيليات بدخوله في ملابس فاضحة ، وفي أوضاع مستهجنة كأنهم في أماكن الدعارة والفجور ، وقامت بهدم جميع الأبنية الأثرية الملاصقة للمسجد الأقصى ، والقيام بحفريات حول المسجد ، ألحقت أضراراً جسيمة بمبناه بحثاً عن آثار عبرانية ، تكشف عن هيكل سليمان ، وقد مهدت الصحف الإسرائيلية لعملية إزالة المسجد الأقصى من الوجود ، حيث كان شعارها يجب الاستيلاء بسرعة على المقدّسات الإسلامية، ووضعها تحت سلطة إسرائيلية ، مهما كان الثمن لأن الثمن في نظر إسرائيل قليل لا يكلفها شيئاً، إنه استنكار من مجلس الأمن . وبعد وقوع الحادث المأساوي المفجع ، الذي أصاب المسلمين في أقدس مقدساتهم حين أقدموا على إحراق المسجد الأقصى ، فقد صدرت بعد الحادث الكثير من الصحف والمجلات العربية والإسلامية ، مجللة صفحاتها بالسواد وكانت ردود الفعل سيئة في البيانات والتصريحات والنداءات والبرقيات ، ومعبّرة عن مبلغ الألم الذي تعتصر النفوس، وعن شدة اللهب الذي يغلي في الصدور وعن الدم الذي نزفته القلوب أسى وحسرة ، ولكن ذلك وللأسف ، انتهى ببيانات التنديد والاستنكار ومضى ثلاث وثلاثون سنة ، وما زالت التصريحات والنداءات والبرقيات، والأقصى ينادي يا أمة الإسلام!! ماذا تنتظرون؟ وماذا أنتم فاعلون؟ هل بقي لكم من عذر، أو شبه عذر بعد كل هذا البغي الإجرامي وبعد أن بلغ السيل الزبى؟ لكنه ما وجد مناصراً ومؤيد ، لأنه من المحال ، أن يقولوا لإسرائيل كفى ظلماً وعدواناً ، من المحال أن يقولوا قولاً كهذا ، حتى ولو كان مجرد كلام، أو حبراً على ورق ، ولو أحرق المسجد الأقصى ، إذاً ما العمل؟ وماذا ينتظرون؟ ما العمل بعد كل هذا الإثم الذي يرتكبه هذا العدو الغادر الماكر، الذي لم تعرف له أي صفة من صفات الشرف ، في تاريخه الأسود الطويل، وصدق الله العظيم: ﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ﴾ المائدة:82. إن الحرب الصهيونية هي حرب دينية ، حدد اليهود مضمونها، وهم اليوم يكشفون عن هذا المضمون ، الذي ما كان يخفى إلا على الأغبياء والواهمين حرب دينية، لا نملك تغيير أسبابها، لأننا لم نبدأها، ولم نخطط لها، ولم نحدد غاياتها، ورغم ذلك، ما يزال في العرب والمسلمين من يعلق أملاً على الضمير العالمي والهيئات الدولية، ومؤتمرات جنيف، ومدريد، وموسكو وغيرها، والحلول السلمية؟ أما آن للمسلمين أن يفيقوا من غفلتهم ، وأن يعلموا أن لا سبيل لإنقاذهم ، سواء في فلسطين أو غيرها، إلا بالعودة إلى الله – فإذا عادوا إليه وحققوا تعاليمه وأوامره – فإنه سبحانه لن يتخلى عنهم كما قال في كتابه الكريم: ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴾ سورة محمد: 7، فإذا ما سلكنا هذا المسلك وأحسَنّا البناء، أمكننا حينئذ أن نسير على الدرب التي توصلنا إلى إنقاذ الأقصى من أيدي اليهود ، الذي يخططون لعزل الأقصى عن وجدان المسلمين ، وفرض حقائق على أرض الواقع . في ظل انشغال العرب والمسلمين بحروبهم ونزاعاتهم الداخلية ، وفي ظل تعاون سياسي واقتصادي وأمني وثيق مع الكيان الصهيوني ، وبالعودة للوراء مرة أخرى ، لننظر كيف كان تعامل الدول العربية ، مع التهديدات التي يواجهها المسجد الأقصى ، نلاحظ أنه كان يتم منع العرب والمسلمين من الذهاب إلى فلسطين أو الأقصى ، بدعوى أن ذلك من باب التطبيع مع الكيان الصهيوني , ويا لها من حجة أقل ما توصف به هي السذاجة فهدف إسرائيل هو أن يصبح الأقصى يهوديا , ولن يصبح كذلك حتى يعتزله المسلمون ويقاطعوه ، وكان أولى بمن يقولوا بذلك ، أن يدفعوا الناس دفعا لزيارة الأقصى والصلاة فيه , تأكيدا على هويته الإسلامية ، ودعما للفلسطينين ، وإيصال رسالة واضحة المضمون ، لكل من تُسول له نفسه من الكيان الصهيوني ، محاولة تدميره ، بأن المسجد الأقصى في قلوب وعقول ملايين المسلمين ، وقد أفتى كثيرٌ من العلماء بجواز الذهاب لفلسطين والصلاة في المسجد الأقصى ، حتى وإن كان تحت الاحتلال , لأنه أول القبلتيين ، وأحد المساجد الثلاثة ، التي لا يُشد الرحال إلا إليها ،كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وقد قام الرسول عليه السلام وصحبه الكرام ، بأداء العمرة في الحرم المكي ، وهو تحت سيطرة الكفار ، ولم يُسم ذلك تطبيعا ، بل كان دافعا في اتجاه تحريره من وثن الكفار ونحن بدل أن نقتدي برسول الله ونعمل على تحريره تركناه فريسة لليهود ، إلا قلة من المرابطيين الفلسطينيين الشجعان الذين يدفعون حياتهم وحريتهم فداءاً له . إن من الواجب على كل حر وكل من له القدرة أن يزور فلسطين ، وأن يصلي في الأقصى , وإن لم تكن بنية تحريره ودعم المُرابطين فيه ، فلتكن بنية الاقتداء بسنة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام , إن هدم المساجد وتفجيرها بالآلاف في المنطقة العربية هو أكبر محفز للصهاينة على هدم الأقصى، وهو في حد ذاته جريمة كبرى ترتكب بحق أقدس الأماكن وأطهرها لدى المسلمين، وجامع انطلاقتهم الشعائرية والتربوية، وإجهاضاً لدور المساجد من جهة، وكسراً لنفوس المسلمين وإماتة الروح الإيمانية لديهم، وخصماً من رصيد الاستعلاء الإيماني لدى البسطاء منهم من جهة أخرى ، وها هي جريمة استهداف المساجد تتصاعد بوتيرة عالية، وتصل للآلاف المساجد وتمر دون اهتمام إعلامي ودعوي لافت، أو حملات لوضع الجريمة في حجمها الحقيقي، لأن هذه الجرائم تكسر هيبة المساجد عند المسلمين ، وعند غيرهم تدريجياً، وتشجع على جرائم أفدح، كما وكيفاً، ويتصدر المسجد الأقصى المبارك قائمة المتضررين من هذا الانكسار ، ونظرة إلى تدمير المساجد المستهدفة، يلاحظ أن الأعداء استهدفوا مساجد ذات طبيعة رمزية وتاريخية (المسجد الأموي الأثري في حلب، والعمري في درعا الذي انطلقت منه شرارة الثورة السورية، ومسجد خالد بن الوليد رضي الله عنه بحمص والعمري في جباليا أقدم مساجد غزة وأكبرها، بني عام 27ه في عهد عمرو بن العاص رضي الله عنه وسمي باسمه، وأنس بن مالك في العراق وغيرها، وهذا مضاعف للجرح، وممهد أكبر لإقدام اليهود على هدم الأقصى- لا قدّر الله – .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *