الإخلاص في العمل

نحن بحاجة إلى الإخلاص في العمل ، وإنما تبنى الأمم بالأعمال لا بالأحلام والأقوال ، حتى إن الإنسان يستحق منزلته في الآخرة بين الأبرار ، بالعمل الصالح المبني على الإيمان، أو بين الأشرار بالعمل الطالح المبني على الكفر والجحود والنكران.
فالعمل إذن ، هو طريق الرقي في الدنيا وسبيل السعادة في الآخرة، ومع إيمان المسلمين بهذا ، إلا أنهم لا يعملون العمل المناسب ، الذي يدفع الحياة إلى الأمام دفعا ويرقى بهم في مصاف الأمم فكان هذا من أسباب ضعف المسلمين في شؤون دنياهم فأصبحوا عالة على غيرهم ، في الكثير من أمور معايشهم ، مما جعل الأعداء يتسلطون عليهم ، ويوجهونهم وفق ما يريدون ، لأن المسلمين لا يعملوا ، ومن يعمل منهم لا يتقن عمله لذلك ضعفت قيمة العمل ، وقلّ العاملون المخلصون فانعكس ذلك مستوى الإنتاج ، الذي تدنى وأدى إلى ضعف المسلمين ، وتسلط الأعداء عليهم .
لذلك جاءت الدعوة إلى العمل في قول الله تعالى : ﴿ وقل اعملوا ﴾ لأنه الطريق الوحيد الذي يخلص الأمة من تسلط أعدائها عليها ، فتشعر بكرامتها وعزتها وتحمل عقيدتها وفكرها ، الذي يعود بالخير على الأمة استجابة لقوله تعالى : ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ ولأن الدعوة بحاجة إلى قوة أمرنا بالإعداد لها فقال تعالى :﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ حتى نقدم هذه العقيدة وندعو إليها من قوة ، أمّا والأمة ضعيفة مهزومة ، أمّا وهي فقيرة مستجدية لفضل غيرها ؛ فإنها لن تحمل فكراً ولن تدعو إليه ، ولو دعت إليه فلن يقبل منها . وحتى تتفوق الأمة في مجال الإنتاج والعمل ، لابد من شروط أساسية لتنطلق في ميدان الإنتاج والإتقان أهمها تصحيح الفهم الخاطئ للناس ‘ بأن الدين لا صلة له بالحياة، وأنه الدافع للعمل، وتناسوا أن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل؟ ولعل الناس يظنون أن المقصود بالعمل ، العمل الأخروي ، وغاب عنهم ، ما أخبرنا به صلى الله عليه وسلم : أن من بات كالا من عمل يديه بات مغفورا له وقوله :اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، وقوله : إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليزرعها ، وفي هذا دلالة على أهمية العمل في الدنيا ، بل إن العمل في الإسلام عبادة والمقصرون في أعمالهم ، لا يضرون أنفسهم فقط بل يضرون غيرهم ، ثم إن القناعة بقيمة العمل والعلم هو الذي يجمع عقول الأمة ويوجهها نحو العمل والإنتاج ، وقد أوصل إهمال هذا الفهم إلى ضعف الأمة ، وطمع الأعداء فيها ، والأمم بحسب ما اعتاد أبناؤها، فإن عودتهم احتمال الشدائد والصبر على المكاره وإتقان العمل، خلقت منهم رجالا يشدون أزرها، وإن اعتادوا الرخاوة والترف والكسل في العمل ، والتهاون في المسؤولية ، كانوا عالةً على الأمة ، ففي مجال تربية الأبناء ، فإن توجيههم إلى ضرورة الاهتمام بقيمة العمل والإنتاج، والتفوق فيه تكاد تكون من أضعف اهتمامات المربين والمدرسين مما جعل حصول الأبناء على الشهادة ، من أغلى الأماني، وأكبر الأحلام ، دون أن يكون لديهم تصوّر لقيمة العمل ، الذي ينهض بالأمة ، بل إن الكثير منهم ربما لم يسمع طول حياته العلمية ، كلمة تشجيع على التفوق والإتقان في حياته العملية ، بل ربما إن حياته العملية التي سيدخلها ، لا ترتبط أصلاً بالعلم الذي اكتسبه ؛ فأصبحت الشهادة مطلباً مباشراً ، سواءً أنتج صاحبها أم لم ينتج ، فشباب الأمة الآن . لا يشعرون ولا يستشعرون أهمية العمل وقيمته ؛ لأن العمل ليس من الاهتمامات التربوية لا في البيت ، ولا في المدرسة، لا من الآباء ، ولا من المدرسين ، مما أدى إلى عدم اهتمامهم بالإنتاج بسبب القصور في الإعداد التربوي ، ولن يصلح حالهم ، إلا عندما نصلح الخلل التربوي في البيوت والمدارس ، وفي الوسائل المؤثرة عليها .
أما في مجال العلم بميادين العمل ، الذي نحتاجه فحدث فيه ولا حرج ، في بلاد المسلمين تطغى الدراسات النظرية حتى في العلوم التجريبية ، أما التطبيق ، فله أقل القليل من الوقت ، وله أقل القليل من الجهد ، وله أقل القليل من الاختبار أيضاً فيتخرج الطلاب من الكليات العلمية ، بحصيلة هزيلة في ميادين التطبيق ، ثم يذهبون إلى العمل الذي يعزلهم عن الميدان في الغالب ؛ فالمهندس يبتعد عن الهندسة ، ويعيش مع الأوراق فقط ، والسؤال هنا : من المسئول عن هذا القصور ؟ نحن المسئولين أولاً ، كما لا ننكر أن لأعدائنا نصيباً في تكريسه بيننا؛ لأن الشركات الأجنبية التي تعيش في بلاد المسلمين ، تستقدم خبراءها ومهندسيها معها ، ولا تتيح لأبناء المسلمين ، إلا المجالات النظرية . بل إن الكثير من شبابنا يخدع نفسه بالأسماء فقط ، ويعيش في المكاتب ، بعيداً عن ميدان العمل الفعلي .
فلا توجه العقول والجهود نحو العمل والإنتاج فتفرقت بين الأهواء والشهوات ، فأصبحت القدوة لا تشجع على العمل ؛ لأنها من أهل اللهو والبطالة ، فلو سألنا بعض الشباب عن أمله في الحياة ، وماذا يريد أن يكون في المستقبل ، فلن نجد في الغالب إلا آمالاً جوفاء ، يتمنى أن يصبح ممثلاً أو مغنياً ساقطا أما أن يكون عاملاً منتجا أو مزارعاً ناجحاً . أو عاملاً جاداً أو عسكرياً مكافحا أو تاجرا ناصحا أو طبيباً ماهرا ، فهذه مهنٌ لا تلمّع في الإعلام ، ولا تقدم للشباب . وإن أقصى أمنيات كثير من شباب الأمة ، لا تتجاوز الرياضة أو الفوز في برنامج ذي فويس أو برنامج أرب آيدل في الأم بي سي . أبهذا تُعدُّ الأمة للعمل ؟ أبهذا يدفع الشباب للعمل ؟ أبهذا تحقق الأمة التقدم في شؤونها ؟ أبهذا نصبح أمة قوية ؟ تساؤلات تجعل توجيه الأمة للعمل مطلباً ملحا ، وغير قابل للتأجيل ، وأن يكون في سلّم الأولويات، وقائمة الاهتمامات ، لأنه أمر لا بدّ منه إن كنا نريد العزّة والقوّة .
إن الشعور بحاجة الأمة إلى تغيير كثير من أساليبها التي أدت بها إلى هذا الواقع المتخلف ، قد أدركه الكثير من أبناء الأمة الناصحين لها ؛ فقد نادى الكثير من علماء الأمة ومثقفيها ، بضرورة تأمّل واقع الأمة والعمل على النهوض بها ، ولكن الحال كما نرى اليوم ، فإن الأمة لا تزال في تخلفها وضعفها . فما السبب ؟ إن من أبرز الأسباب، الفرقة والتنافر في أساليب الطرح للنهوض بالأمة . يقول الله تعالى : ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ، واصبروا إن الله مع الصابرين ﴾ فمن أسوأ ما أصيبت به الأمة الإسلامية في هذا العصر ، ما نجده من كثرة الآراء والأحزاب ، وكثرة التناحر والتقاتل بين تلك الأحزاب ، وبين أصحاب تلك الآراء ، فتبددت جهود الأمة ، كلٌّ يشغل نفسه لإسقاط الآخر ، أو إسقاط آرائه وأساليبه . يبذل كل حزب جهوده لإسقاط الآخرين ، وإفساد عملهم ، وما علموا أنهم بهذا يفسدون ولا يصلحون ،، فلماذا لا يعمل شباب الأمة على العمل لسد حاجات الأمة ومتطلباتها بدل استيراد هذه الحاجات من الأمم الأخرى ، وما الذي يمنع مدارس ومعاهد التدريب المهني في العالم الإسلامي أن تتبادل الخبرات لتخريج العمال المهرة لسدّ حاجة الأمة ، بدلاً من فتح البلاد الإسلامية لأعداء المسلمين ، وفي تخصصات عادية تجد ما يمكن القيام بها ، أليس من مصلحة الأمة جمع الجهود للعمل المنتج ، والاتجاه الجاد للتعاون ، لتحقيق ما من شأنه أن يحقق انتصار الأمة ، وتحريرها من سيطرة أعداء الإسلام عليها بسبب سيطرتهم على شؤون دنياهم فهل نحن فاعلون ؟ أم نحن معرضون عن قول الله تعالى : ﴿ وقل اعملوا ﴾ .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *