الإنصاف في إصدار الأحكام

قال تعالى : { فاعرض عن من تولّى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يرمي رجل رجلاً بالفسق أو الكفر إلا ارتد عليه إن لم يكن صاحبه كذلك ) رواه البخاري .
إن اتهام المسلم بأمر منكر بدون دليل من الكبائر ، والتحدث به بين الناس من الغيبة التي حرمها الله ، وشبهها بمن يأكل لحم أخيه ميتاً قال تعالى : { ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } .
والله سبحانه لم يجعل العصمة إلا للكتاب والسنة وما أجمعت عليه الأمة ، فلا ينبغي أن نتعامل مع أي جماعة على اعتبار أن كل ما يصدر عنهم حق لا يجوز مخالفته ، ولا التخلي عنه ، بل يجب أن يكون شعارنا كل يؤخذ من قوله ويردّ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع الأسف فإن هذا الداء فتك بالساحة الإسلامية وشتت شمل الدعاة ، ومزق صفوفهم ، وكم من رويبضة نال من الأخيار الأبرار ، وملأ الآفاق ضجيجاً وعويلاً ، وكم من خبر قُلبت حقيقته ، أواختلق اختلاقاً ، وما آفة الأخبار إلا رواتها ، ولا يغرّنك بعض من دخل في صفوف الملتزمين وطلبة العلم من دعاة الفرقة وأهل الفتنة ، فإنما هم مطايا الشيطان وركائبه ، وكم من إنسان يسمع الأمر فيفهمه على غير وجهه ثم يشيعه على وجه آخر ، وعند البحث والاستقصاء تجده هراء وتفاهات ، فالذين يثيرون الخلاف ، ويسعرون ناره في غيهم سادرون ، وفي تيههم ماضون ، وما علموا أن الأصل في المسلم الخير ، واجتناب اتهام النيات ، والحكم على ما خفي من المقاصد والغايات ، وأن الغلو في الدين سيمة الجهلة وأصحاب الأهواء، وأهل النفاق كجماعة التكفير والهجرة . الذين تجاهلوا أن نزعة التشدد ليست من الإسلام في شيء بل إن الإسلام بريء من الغلو والعنف والتكفير، وما يثيره بعض الجاهلين ، وأهل الأهواء من أن العنف والغلو والتشدد صادر عن منهج الدعوة ، فهو باطل قطعا ، والمتأمل لواقع أكثر أصحاب التوجهات التي يميل أصحابها إلى الغلو والعنف يجد أنهم يتميزون بالجهل وضعف الفقه في الدين، وضحالة الحصيلة في العلوم الشرعية ، والحكم في الأمور بلا فقه ، ومواجهة الأحداث بلا تجربة ولا رأي ، مما يعود على المسلمين بالضرر البالغ في دينهم ودنياهم ، وهذا يتنافى مع مقاصد الشريعة، وما أمر الله به وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحقيق العدل ونفي الظلم والابتعاد عن مظاهر السخط والتذمر ، والحقد والتشفي في النفوس ، وغرس الغل على العلماء والحط من قدرهم . ولهذا لا يجوز للمسلم أن يتكلم في غيره إن احتاج إلى ذلك إلا بالعلم والعدل والإنصاف ، وإقامة العدل والإنصاف خلق تواصى به الأنبياء عليهم السلام , وبه وصف الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وجعله من أصول رسالته فكان عليه السلام يدعو الله بهذه الكلمات: ( وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب ) .
ووصى الله تبارك وتعالى المؤمنين بالعدل وإنصاف الآخرين وإن كانوا ألد أعدائهم فقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على إلا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } المائدة 8 .
ومنهج أهل السنة والجماعة هو الأصل في كل ما يلزم المسلم لصلته بالله أوصلته مع الناس , وهذا المنهج الذي يستمد شرعيته في الفهم والاستدلال من الكتاب والسنة ؛ فكل من كان أقرب إلى هذا المنهج فهو الأقرب إلى الحق . ومن تطبيقات هذا المنهج الإنصاف في الحكم على الآخرين , ولو كان مخالفاً في الدين والاعتقاد , أو المذهب والانتماء , وقبول الحق إذا جاء به أحد منهم , فليس من العدل رد الحق لكون صاحبه على خطأ أو باطل , فهما أمران غير متلازمين . قال معاذ بن جبل رضي الله عنه : ” اقبلوا الحق من كل من جاء به وإن كان كافرا ً أو فاجرا ً , واحذروا زيغة الحكيم , قالوا : كيف نعلم أن الكافر يقول الحق ؟ قال : على الحق نور ” .
علينا أن نلزم أنفسنا بما ألزمنا الله به من العدل والإنصاف فالعدل منهج شرعي في كل شيء , لذا ينبغي للمسلم إذا وصف غيره ألا يُغفل المحاسن لوجود بعض المساوئ , كما لا ينبغي أن يدفن المحاسن ويذكر المساوئ لوجود عداوة أو شحناء بينه وبين من يصفه , فالله تعالى أدبنا بأحسن الأدب وأكمله بقوله :{ ولا تبخسوا الناس أشياءهم} وحين نجد من يذم غيره ويذكر مساوئه فقط ، ويغض الطرف عن محاسنه , فإن ذلك يرجع إلى الحسد والبغضاء , أو إلى الظنون والخلفيات والآراء المسبقة , أو إلى التنافس المذموم بين المتقاربين في الفضائل ، وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله قاعدة ذهبية , استخلصها من مجمل نصوص الكتاب والسنة فقال : ” إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر , وبر وفجور ، وطاعة ومعصية , وسنة وبدعة , استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير , واستحق من المعاداة والعقوبة بحسب ما فيه من الشر ”
فما أحوجنا إلى استصحاب هذه القاعدة في تقويمنا للأشخاص والأفكار ، لكل من ينتسب إلى هذا الدين , فكل من تصدى للعمل والدعوة والجهاد في هذا الدين نزنه بميزان هذا الدين الذي لا يعرف الشطط ولا التطفيف ولا الميل , ومن هنا ندرك أننا لسنا أمام مواقف مطلقة ولا أحكام مسبقة , فطالما أجهزت المواقف المرتجلة على روح الحقيقة , وأصابت من مبدأ الولاء والبراء مقتلاً .
ولذلك اعتُبر الإنصاف علامة من علامات الإيمان , قال عمار بن ياسر رضي الله عنه : ” ثلاث من جمعهن فقد جمع الخير الإنصاف من نفسك , وبذل السلام للعالم , والإنفاق من الإقتار ” يقول ابن القيم : ” وقد تضمنت هذه الكلمات أصول الخير وفروعه , فإن الإنصاف يوجب عليه أداء حقوق الله كاملة , وأداء حقوق الناس كذلك , وأن لا يطالبهم بما ليس له ويعاملهم بما يحب أن يعاملوه به , ويحكم لهم وعليهم بما يحكم لنفسه وعليها , ويدخل في هذا إنصافه نفسه من نفسه , فلا يدعي لها ما ليس بها , ويُنميها ويرقيها بطاعة الله تعالى وتوحيده وحبه وخوفه ” ، والإنصاف يستجلب مودة الآخرين ويثبت ما كان منها بين الإخوة , يقول الأحنف بن قيس : ” الإنصاف يثبت المودة ” . أما الظلم والجهل وسوء القصد فهو الطريق إلى التنازع والفرقة والقطيعة بين أهل المنهج الواحد بل بين ذوي الرحم الواحد :
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
وفي سير ة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وسلف الأمة وعلمائها الشواهد الكثيرة ، الدالة على قيامهم لله بالشهادة أحسن قيام وإعطاءهم كل ذي حق حقه , فلم يكن انتماء أحد أو مكانته لتحول دون أن ينزل منزلته , ويذكر ما فيه من محاسن وميزات . فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمته في لبيد بن ربيعة الشاعر وكان وقتئذِ كافراً : أصدق كلمة قالها شاعر ” ألا كل شيء ما خلا الله باطل ” وكان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يثني على شعر بعض أصحابه المملوء حكمة وإيماناً ونصرة لدين الله , غير أن الإنصاف والالتزام بالحق وإعطاء كل ذي حق حقه ، أبى إلا أن يقول كلمته تلك في شاعر كافر لم يسلم بعد , بل نرى في القصة نفسها أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سلكوا المسلك نفسه في إنصاف الآخرين فعندما أنشد لبيد شطر البيت الأول ( ألا كل شيء ما خلا الله باطل ) قال عثمان بن مظعون رضي الله عنه : صدقت وعندما ذكر شطر البيت الثاني ( وكل نعيم لا محالة زائل ) قال : كذبت , نعيم الجنة لا يزول .
وعلى منهج النبي صلى الله عليه وسلم في إنصاف الآخرين وإقامة العدل سار الصحابة رضي الله عنهم في خصومهم وأعدائهم , فضلاً عن إخوانهم , فعندما قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخوارج وقاتلوه ثم قتلوه , قال له بعض أصحابه : أمشركون هم ؟ , قال : من الشرك فروا , فقالوا : أمنافقون ؟ قال : إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً , فقيل : فما هم يا أمير المؤمنين , قال : إخواننا بغوا علينا , فقاتلناهم ببغيهم علينا ” فهل بعد إنصاف أمير المؤمنين من إنصاف ؟
فمن يتكلم بغير علم فهو مخالف للكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح مخالف لقوله تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } الإسراء 36 . ومن يتكلم عن غيره بظلم وجور فقد خالف قوله تعالى : { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا } المائدة 8 . والكلام في الآخرين بدون علم أو بظلم وهوى ، سبب لكثير من تفرق القلوب وحدوث الشحناء والتباغض والحسد , وكل هذا سبب في الفشل وذهاب الريح وتسلط الأعداء .
إن السبب في ذلك كله راجعٌ إلى الخلل في التربية وأسلوب التلقي , وغياب المنهج النبوي في تقييم الأشخاص والأعمال فما غاب هذا المنهج إلا كان البديل ، الاتهام وسوء الظن وغمط الحقوق والتثبيط ، وجروح نفسية يستعصي علاجها ونوع مذموم من السلوك فتكون النتيجة كما قال الله تعالى : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } الأعراف 38.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *