الإيـثار

الإيثار في أبسط معانيه هو أن تؤثر منافع غيرك على منافعك ، وأن تحب لأخيك كما تحب لنفسك ، بل وأكثر مما تحب لنفسك ، أن تعطي لأخيك مثل أو أكثر مما تعطي لنفسك ، وبتعبير آخر أن تفضل منافع الغير على منافع نفسك رغبة في رضا الله . وهو خلق وأدب رفيع ، من سمات المؤمنين وخصائصهم الكُبرى ، وصِفاتهِم العُظمى ، وقد أثنى الله على أهل الإيثار، وجعلهم من المفلحين فقال تعالى : ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ الحشر 9 . وقال صلى الله عليه وسلم ( أيما امرئ اشتهى شهوه فرد شهوته وآثر على نفسه غفر له ) وقد مدح الله المؤثرين على أنفسهم تشجيعاً لهم لأنه جوهرة فريدة ينشأ عن قوة اليقين ، وتوكيد المحبة والصبر على المشقة ، يجعل المسلم سعيدا طيبا رضيا ، وهو علامة الإيمان ، وسخاء النفس ، وبذل المعروف ، لا يصل إليه إلا مؤمن رفيع الأخلاق ، عالي الهمة ، واسع الأفق ، نقي السريرة ، طاهر القلب ، لا يرى له على أحد فضلاً ، ولا يرى له عند أحد حقاً ، به يزول الشح ، ويُعدم البخل وينشرح الصدر ، وتزول القسوة والأنانية والتشفي وحب الذات ، به يقدم الإنسان حاجة غيره من الناس على حاجته برغم احتياجه لما يبذله ، فقد يجوع ليشبع غيره ويعطش ليروي سواه ، قال صلى الله عليه وسلم : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه . وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها : ” ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا، ولو شئنا لشبعنا، ولكننا كنا نؤثر على أنفسنا ” . وما أجمل أن يتصف الإنسان بالإيثار وحب الآخرين ، انطلق حذيفة العدوي في معركة اليرموك يبحث عن ابن عم له ، ومعه شربة ماء ، وبعد أن وجده جريحًا قال له : أسقيك؟ فأشار إليه بالموافقة وقبل أن يسقيه سمعا رجلا يقول : آه فأشار ابن عم حذيفة إليه ؛ ليذهب بشربة الماء إلى الرجل الذي يتألم فذهب إليه حذيفة ، فوجده هشام بن العاص ، ولما أراد أن يسقيه سمعا رجلا آخر يقول : آه فأشار هشام لينطلق إليه حذيفة بالماء ، فذهب إليه حذيفة فوجده قد مات فرجع بالماء إلى هشام فوجده قد مات ، فرجع إلى ابن عمه فوجده قد مات ، لقد فضَّل كلُّ واحد منهم أخاه على نفسه، وآثره بشربة ماء
جاءت امرأة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطته بردة هدية ، فلبسها صلى الله عليه وسلم وكان محتاجًا إليها ، ورآه أحد أصحابه ، فطلبها منه وقال : يا رسول الله ! ما أحسن هذه ، اكْسُنِيها فخلعها النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاها إياه ، فقال الصحابة للرجل: ما أحسنتَ ، لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، ثم سألتَه وعلمتَ أنه لا يرد أحدًا ، فقال الرجل: إني والله ما سألتُه لألبسها إنما سألتُه لتكون كفني ) البخاري . واحتفظ الرجل بها فكانت كفنه . وجاء رجل جائع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد ، وطلب منه طعامًا ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم ليبحث عن طعام في بيته ، فلم يجد إلا الماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من يُضيِّف هذا الليلة رحمه الله) فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله ، وأخذ الضيفَ إلى بيته ، ثم قال لامرأته : هل عندك شيء؟ فقالت: لا إلا قوت صبياني فلم يكن عندها إلا طعام قليل يكفي أولادها الصغار فأمرها أن تشغل أولادها عن الطعام وتنومهم ، وعندما يدخل الضيف تطفئ السراج ، وتقدم كل ما عندها من طعام للضيف ، ووضع الأنصاري الطعام للضيف وجلس معه في الظلام حتى يشعره أنه يأكل معه ، وأكل الضيف حتى شبع ، وبات الرجل وزوجته وأولادهما جائعين وفي الصباح ذهب الرجلُ وضيفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للرجل: (قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة) مسلم . وفيهم قال الله تعالى : ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ والخصاصة: شدة الحاجة . اجتمع عند أبي الحسن الأنطاكي أكثر من ثلاثين رجلا ومعهم أرغفة قليلة لا تكفيهم ، فقطعوا الأرغفة قطعًا صغيرة ، وأطفئوا المصباح ، وجلسوا للأكل ، فلما رفعت السفرة ، فإذا الأرغفة كما هي لم ينقص منها شيء ؛ لأن كل واحد منهم آثر أخاه بالطعام وفضله على نفسه ، فلم يأكلوا جميعًا .
فانظر يا أخي إذا كنت ممن يسهل عليهم العطاء ولا يؤلمهم البذل فأنت سَخِي، وإن كنتَ ممن يعطون الأكثر ويُبقون لأنفسهم فأنت جواد ، أما إن كنت ممن يعطون الآخرين مع حاجتك إلى ما أعطيت ، لكنك قدمت غيرك على نفسك فقد وصلت إلى مرتبة الإيثار.
وكما أن الإيثار يطهر النفس من الشح والبخل ، فإنه يؤدي إلى السخاء والجود ، اللتان من اتصف بهما أحبه الله وأحبه الناس ، والإيثار والسخاء من أحسن الخصال وهما من أعلى المراتب ، لما فيهما من توكيد المحبة والصبر على المشقة ، مع الرغبة في الأجر والثواب .
ومن مراتب الإيثار ، إيثارُ رضا الله على رضا غيره وإن عظمت فيه المحن ، وثقلت فيه المؤن ، وهو أن يفعل ما فيه مرضاته ، ولو أغضب الخلْق ، وهي درجة الأنبياء وأعلاها لِلرسل عليهم صلوات الله وسلامه. وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبينا صلى الله عليه وسلم ، فإنه قاومَ العالم كُله وتجرد للدعوة إلى الله ، واحتمل عداوة البعيد والقريب في الله تعالى، وآثر رضا الله على رضا الخلق في كل حال ولم يأخذه في إيثار رضاه لومةُ لائم ، بل كان همُّه وعزْمُه وسعيه كله مقصورًا على إيثار مرضاة الله وتبليغ رسالته وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه؛ حتى ظهر دين الله على كل دين، وقامت حجته على العالمين، وتمت نعمتُهُ على المؤمنين، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ، وجاهد في الله حق جهاد، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه، فلم ينل أحدٌ من درجةِ هذا الإيثار ما نالَ ، صلوات الله وسلامه عليه .
وقد جرت سنة الله التي لا تبديل لها ، أن من آثر مرضاة الخلق على مرضاته : أن يُسخط عليه من آثر رضاه ويخذُله من جهته ، ويجعل محنته على يديه ، فيعود حامدُهُ ذامًّا، ومن آثر مرضاته ساخطًا، فلا على مقصوده منهم حصل، ولا إلى ثواب مرضاة ربه وصل ، وهذا أعجز الخلقِ وأحمقهم . قال الشافعي رحمه الله : ” رضا الناس غايةٌ لا تدرك فعليك بما فيه صلاحُ نفسك فالزمهُ” ومعلومٌ أن لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا ربها ومولاها على غيره ولقد أحسن من قال :
فليتك تحلُو والحياةُ مريرَةٌ وليتك ترضى والأنامُ غِضَابُ
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العـالمين خرابُ
إذا صحَّ منك الودُّ فالكّلُّ هينٌ وكل الذي فوق التراب تراب
وقال بعض الحكماء : عامل سائر الناس بالإنصاف وعامل المؤمنين بالإيثار ، وقال بعضهم : بالإيثار تملك الرقاب ، وقيل من آثر على نفسه استحق الفضيلة ، وقال حكيم : من آثر على نفسه بالغ في المروءة ، وسئل بعض الحكماء : من أجود الناس ؟ قال : من جاء من قلة وصان وجه السائل عن المذلة . وقال علي رضي الله عنه : الإيثار أعلى الإيمان ، ولو لم يكن من فوائده إلا أنه دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام ، ورفعة الأخلاق لكفى فكيف وهو طريق إلى محبة الله سبحانه ، وحصول الألفة بين الناس ، وطريق لجلب البركة والوقاية من الشُّحِّ
فهو يحرك في النفس السلوك الإيجابي ، الذي يوطد المحبة بين المسلمين روى أن قيس بن سعد بن عبادة كان من الأجواد المعروفين ، حتى مرض مرّة ، فاستبطأ إخوانه في العيادة ، فسأل عنهم ، فقالوا إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين ، فقال أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة ، ثم أمر منادياً ينادي : من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل ، فما أمسى حتى كُسرت عتبة بابه لكثرة من عاده . ما أجدر المسلمين أن يتخلقوا بخلق الإيثار رمز الأخوة الإسلامية ، وصورة من صور التكافل والتضامن الإسلامي :
وأفضل الناس من بين الورى رجلٌ تقضي على يده للناس حاجاتُ
قد مات قومٌ وما ماتت مكارمهم وعاش قومٌ وهم في الناس أمواتُ
فمن عرف حق الله سعى لرضاه وآثر محبته على محبة ما سواه ، ومن عرف حق رسوله صلى الله عليه وسلم آثر محبته وطاعته على كل ما يحب ، ومن عرف حق الوالدين آثر راحتهم وطاعتهم على راحته ، ومن عرف حقوق الإخوان آثر إسعادهم وقضاء حوائجهم على حوائج نفسه, ومن عرف حقوق المجتمع سعى ليكون لبنة صالحة فيه, وتعاون مع أفراده على البر والتقوى ، وهذه كلها لابد أن يكون دافعها الإيمان بالله عز وجل ، والرغبة في ثوابه وصدق المحبة والمودة ، فمتى صدق المرء في محبته وأخلص في مودته فإنه يؤثر من أحبه بالخير على نفسه ، وهو ما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *