إن الأيمان بالله ، من عناصر العقيدة الإسلامية الأساسية ، ندعوه بأسمائه ونصفه بصفاته ، غير مشبهين صفاته بصفات المخلوقين ، ولا مؤولين لها ولا معطلين ، مع الاعتقاد الراسخ بأن الله ليس كمثله شيء ، وبالعجز الكامل عن إدراك كنه ذاته تعالى أو كنه صفاته الذاتية على حد سواء كما نؤمن بوحدانيته ونفي الشريك في ربوبيته وعبوديته . وعدم الكلام عن ذات الله تعالى والتفكير فيها ومحاولة إدراك كنهيها ، ومعرفة حقيقتها ، لما ثبت شرعاً النهي عن ذلك لاستحالة ذات الله عقلاً ، ولأنه لا تدركه الأبصار ، فكان لا بد لكل إنسان حتى يدركه ، أن يُقِرَّ من داخل عقله وقلبه ، بأن لهذا النظام منظماً ، وأن للسماء والأرض خالقاً ، وأن الأثر يدل على المسير . وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف رأيت ربك ؟ فأجاب قائلاً (نورٌ أنى أراه) .
وقد وضع السلف الصالح معياراً دقيقاً لذلك فقالوا :” كل ما خطر ببالك فإنه هالك ، والله بخلاف ذلك ” وسئل أبو بكر الصديق بما عرفت ربك ؟ فقال : “عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي فقيل له : فكيف عرفت ربك ؟ قال : العجز عن إدراك الإدراك إدراك ، والبحث عن ذات الله إشراك” .
وإذا ما سألك سائل أين الله ؟ فقل له أين أنت ؟ حتى تعلم أين الله فالله ليس بجسمٍ ولا صوره ولا معدودٍ ولا محدود ، ولا متبعضٍ ولا متجزئ ولا متلونٍ ولا متكيف ، لا يسأل عنه بمنى كان ؟ لأنه خالق الزمان ولا يسأل عنه بأين هو ؟ لأنه خالق المكان فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك ، هو الأول لا شيء قبله الآخر لا شيء بعده ، الظاهر لا شيء فوقه الباطن لا شيء تحته ، كلُّ شيءٍ قائم به وكل شيء خاشع له ، عزُّ كل ذليل وغني كل فقير ، وقوة كل ضعيف ، من تكلم سمع قوله ومن سكت علم سرّه ومن عاش فعليه رزقه ، ومن مات فإليه منقلبه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . وقيل للإمام علي هل رأيت ربك ؟ قال: “وكيف أعبد مالا أرى ؟ فقيل له كيف رأيته ؟ قال : إذا كانت العيون لا تراه بمشاهدة العيان ، فإن القلوب تراه بحقيقة الإيمان سبحانك ربي يا من تنـزه عن الشريك ذاته ، بالبر معروف ، وبالإحسان موصوف ، علم ما كان وعلم ما يكون ، وعلم ما لا يكون لو كان كيف كان يكون ” سأل بعض الماديين الإمام أبو حنيفة “هل أبصرت ربك ؟ قال : سبحان ربي لا تدركه الأبصار ، قال هل أحسسته بأحد حواسك ؟ قال أبو حنيفة سبحان ربي ليس كمثله شيء فقال السائل : إن لم تكن أحسسته ولا أبصرته فمن أين تثبت أنه موجود ، قال الإمام : يا هذا هل أبصرت عقلك ؟ قال : لا قال: هل سمعت عقلك ؟ قال : لا قال هل أحسسته ببعض حواسك ؟ قال : لا فقال له الإمام : أأنت عاقل أم مجنون ؟ قال : أنا عاقل فقال له الإمام : فأين عقلك ؟ قال : موجود ، فقال له الإمام :كذلك الله جل جلاله موجود ” . ما اجمل وأروع وأسلم هذه العقول التي عرفت فأصدرت حكمها صدقاً وعدلاً .
