الابتلاء سنة ربانية وحقيقة شرعية وضريبة دينية يدفعها المؤمن مقابل الأيمان بهذا الدين ، فليس الإيمان دعوى تُدَّعى أو شعار يرفع ، أو هتافات ينادى بها في الشوارع والميادين .. وليس بطقوس تقام ولا شعائر يؤديها العبد في محرابه فيما بينه وبين ربه فحسب ، إنه أمانة الله لبني الإنسان وعهد الله إليهم أن يلتزموا به ، وميثاق الله الذي واثقهم به إنه باهظ التكاليف ، عظيم التبعات شديد المسئوليات قال تعالى : ﴿ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ﴾ .
فالابتلاء اختبار من الله عز وجل ، ليعرف من هو المؤمن المجاهد فى سبيل الله ، قال تعالى : ﴿ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو اخبارهم ﴾ والمجاهدون من المؤمنين وعباد الله الصالحين ، هم من خيرة عباده وأفضل جنده ، إذا ما اتقوا واخلصوا لله وحده لا شريك له، وما يصيبهم إنما هو من الابتلاء الذي يرفع الله به درجتهم ، ويعلي به ذكرهم ، ولما سئل الإمام الشافعي : “أيها أفضل للرجل أن يُمَكَّن أو يبتلى؟ قال: “لا يمكن حتى يبتلى”، ولعله فهم ذلك من قوله تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ آل عمران: 141. فالله يمكن عباده بعد أن يبتليهم ، وتلك حقيقة ينبغي أن يفهمها كل ثائر ضد الظلم والطغيان ، وليكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة لثوار سوريا الذين يُهدَّدون ويُعذَّبون ويقصفُون قال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ وما ينتظرهم يحتاج إلى الصبر والرضى، إذ ليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء ، ولا فيه أفضل من الرضى به وليعلموا أنه لا بد من القتل أو الأسر أو الجراح والتعذيب ، عن ابن عمر قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم : (ما من غازية أو سرية تغزو فتغْنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية أو سرية تُخفق وتصاب إلا تم أجورهم) مسلم . قد ينجح الظلمة في الإيذاء والقتل ، فلا خسارة لأنكم بذلك تنالوا إحدى الحسبيين ، وهي إما الشهادة في سبيل الله ، ومن نال الشهادة ، نال الخير كله، ولم يخسر شيئاً، حتى لو فاتته الدنيا كلها ، أو النصر والظفر والتمكين في الأرض.
وأما الأسر فهو من لوازم الجهاد ، فلا بد للمجاهد أن يصبر على شدائد المواجهة ، ويتحمل تكاليفها لأنها ضريبة العز والنصر والتمكين، والأمة التي تريد الرفعة والمنعة والظهور ، فلا بد من تقديم التضحيات الجسام والبطولات العظام ولقد أحسن القائل :
ومـا نيل المطـالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قومٍ منالٌ إذا الإقدام كان لهم ركابا
والتاريخ الإسلامي مليئٌ بالشواهد والأحداث التي تثبت لنا أن الأمة ما نالت مكانتها ، وتربعت على كرسي الإمامة والسبق قروناً طويلة ، إلا بما قدّمه أبناؤها من تضحيات في سبيل الله عز وجل، كما أن التاريخ وشواهده تثبت أيضاً ، أن الأمة ما وصلت إلى هذا الدرْكِ من الضعف والهزيمة ، إلا عندما ضن أبناؤها بأنفسهم وأموالهم وأوقاتهم ، عن نصرة دينهم وعقيدتهم وإخوانهم.
إن الموقف الصحيح الذي يجب أن يقفه كل مسلم ليس البكاء والنواح والندب ، فهذه أمور اختصت بها النساء دون الرجال وكم أنشدوا :
كُتبَ القتلُ والقتالُ علينا وعلى المحصناتِ جَرُّ الذيولِ
وإنما الموقف الصحيح الذي يجب أن يقفه “كل من كان في قلبه مثقال حبةٍ من خردل من إيمان”؛ هو العمل على مساعدتهم ، للتخلص من واقعهم الأليم قال صلى الله عليه وسلم : ( ما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وتنتهك فيه حرمته إلا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته) أبو داود . كيف لا نعمل على استنقاذ هؤلاء الذين تُرسم صُورهم في مشهد مثير لحمية المسلم، وكرامة المؤمن، ولعاطفة الرحمة الإنسانية ، هؤلاء الذين يعانون المحنة في عقيدتهم والفتنة في دينهم، والمحنة في العقيدة ، أشد من المحنة في المال والأرض والعرض ، لأنها محنة في أخص خصائص الوجود الإنساني ،الذي تتبعه كرامة النفس والعرض ، وحق المال والأرض . إن طريق الجهاد محفوف بالمخاطر والابتلاءات، وقد جرى ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما جرى على التابعين من بعدهم ، وجرى على جيوش المسلمين الفاتحين وقادتهم ، فما فتّ ذلك من عضدهم، وما برر لهم القعود والخنوع والانكسار، بل دفعهم وقوى عزيمتهم ، وشد من أزرهم، فهزموا بإذن الله عدوهم ونصروا دينهم .
إنهم يفتحون صفحة الجهاد التي طويت في كتاب زماننا هذا، زمان الذل والهوان والخنوع، فجاءت ثورتهم لنفض غبار الذل والصغار ، ويكتبون من جديد على صفحات غدنا المشرق وأسطر عزنا المنشود؛ (اللهم خذ من دمائنا حتى ترضى )
إن الله الذي سن الابتلاء على عباده الصالحين لقادر على أن يأخذ المسيئين ، الذين يفتنون الناس عن دينهم، وان أبطأ سبحانه في ذلك ، فالخير كل الخير فيما قدّره ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيرا ﴾. فأمر هذا الدين بيد الله سبحانه وتعالى ، إن شاء أظهره وقت ما شاء ، وكيف من شاء، فالذي يظن أن بإمكانه الدخول في المعركة والخروج منها منتصراً ، دون أن يدفع ثمن تمسكه بالحق ، والدعوة إليه قد ضل الطريق ، لأن من يسلك هذا الطريق ، عليه أن يعلم أنه قاب قوسين أو أدنى من الابتلاء، ولاشك انه ليس الأول ولا الأخير فقد أُبتلي الأنبياء والصالحون ، وفي الحديث الصحيح ( أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء ) فهي إذن سنة من سنن الله التي لا تتبدل ، أنه أن لا بد من الابتلاء والتمحيص ، قبل أن يحقق الله النصر والتمكين، كما قال تعالى : ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ . وليعلم أخوتنا في سوريا ، أنهم إن قتلوا فقتلهم شهادة في سبيل الله، وإن اعتقلوا فاعتقالهم خلوة وعبادة وتفكر، وإن عذبوا فعذابهم تمحيص لهم ورفعة في الدرجات ومحو للسيئات، وإن أخرجوا وهجروا فهي هجرة لله، وأن ذلك كله من خير إلى خير، كما جاء في الحديث الصحيح (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لغير المؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له).
فامضوا على بركة الله ، فإن هذا هو السبيل الذي يرفع الظلم عنكم ولا تلتفتوا لمثل هذه العقبات، ولا تجعلوا ما حل بإخوانكم يفت في عضدكم، ولا تيأسوا من روح الله، وكونوا كعباد الله الذين قال تعالى فيهم: ﴿ فمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ وعلى المجاهدين الصادقين الذين يلاقون الحرب والعداوة من الظالمين والمستبدين ، أن يقولوا لهم ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لكفار عصره: { اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ، وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ } . أي: اعملوا على طريقتكم وبرنامجكم، وابذلوا جهدكم وطاقتكم في حربنا ، ونحن المؤمنون عاملون على مكانتنا وطريقتنا وبرنامجنا، في الثبات على الحق والوقوف أمامكم، وإبطال مكائدكم، أنتم تعملون أقصى ما في وسعكم ، ونحن نعمل أفصى ما في طاقتنا.. والأيام بيننا، والمستقبل لنا، والزمن في صالحنا إن شاء الله ، وانتظروا ما سيحل بكم في المستقبل، فنحن منتظرون تحقيق ما وعدنا الله به، من الغلبة عليكم ، ونحن موقنون بحصول ذلك، لأنه وعد الله، والله منجز وعده، لا يخلف الميعاد ‘ وسنتة التي لا تتخلف ، بنصر أصحاب الحق فقال تعالى : (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .
وصور الله نهاية المواجهة بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل، على أساس قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ .
الابتلاء نعمة والجهاد عبادة
