إن الموفق من وفَّقه الله ، فوزن ألفاظَه قبل أن توزن ، وفكَّر في عواقبها ونتائجها، فما كان من الكلام خيراً نطق به، وما كان شراً أمسك عنه قال تعالى : ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ق 18 . فكم من كلماتٍ قضت على كثير من صالح الأعمال لذلك يطلب من المسلم ألا يقول إلا خيراً ، وأن يعرض عن الباطل قال تعالى : ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً ﴾ الفرقان72 . كما ينبغي أن يبتعد عن كل ما يمكن أن يوقع في الكفر ، كالاستهزاء بالله ودينه ورسوله، أو السخرية بأوامر الله ونواهيه أو بوعده ووعيده ، لأن ذلك من أخلاق المنافقين ، الذين آمنوا بألسنتهم وكفرت قلوبُهم قال تعالى : ﴿ وَإِذَا لَقواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ﴾ البقرة 14 ، فقد يكفر الإنسان بكلمة وهو يلعب ويضحك ولا يشعر: ﴿ قُلْ أَبالله وآياته وَرَسُولهِ كُنْتُمْ تَسْتَهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ﴾ التوبة 65 . وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل عذراً من مستهزئ ، ولم يلتفت لحجة ساخر ضاحك، وقد انعقد إجماع علماء الأمة على أن الاستهزاء بالله وبدينه وبرسوله كفر ، يقول أبن قدامة المقدسي : من سب الله تعالى كفر سواء كان مازحاً أو جاداً ، وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه ، وقال النووي : والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن عمد واستهزاء بالدين، وقد حذر الله سبحانه وتعالى المؤمنين ونهاهم عن خلق السخرية والاستهزاء ، لكي يقوم المجتمع المسلم على الصدق والحق والاحترام والجدية ، بعيداً عن عيوب الجاهلية وأخلاقها قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ﴾ الحجرات 11 . ينهى الله سبحانه عن السخرية بالناس ، باحتقارهم والاستهزاء بهم ، لأن لكل إنسان في المجتمع المسلم أدبه وكرامته التي لا تمس ، فنهى عن الغيبة والنميمة والتنابز بالألقاب التي يكرهها أصحابها ، لأن من حق المؤمن على المؤمن ألا يناديه بلقب يكرهه .
هناك فئة من أبناء المسلمين انحرفت عن الحق ، واستسلمت للشهوات ، تكره ديننا وتستخدم سلاح السخرية والاستهزاء لمعارضته ، وهناك كتاب وقصاصون ، وإذاعيون وفنانون ونساء فاجرات متحررات من كل فضيلة ، وأصحاب خمور ومخدرات تراهم يتلذذون بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله والمؤمنين ، ويتلذذون بالضحك على الناس والاستهزاء بهم ، والسخرية منهم ، وقد جاءت الأحاديث تحذّر وتبين واقع هؤلاء الهازلين المستهزئين ، الذين يختلقون الأكاذيب وأساليب الغمز واللمز بالمؤمنين والمؤمنات ، ليضحكوا الناس ، وقد جاءت الأحاديث النبوية تبين مصير هؤلاء فقال صلى الله عليه وسلم : ( ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم ويل له ويل له ) وقال : ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها جلساءه يهوي بها من أبعد من الثريا ) .
ولا يحدث هذا إلا ممن مسخت عقولهم وفتنوا بالحضارة الغربية ، فأنتجوا أفلاماً ومسرحيات هزلية فيها من السخرية والاستهزاء ما يخرج من الملة ، فهذا شاعر المزبلة الفكرية نزار قباني ، يقول في قصيدة بعنوان أصهار الله : وهل غلاء الفول والحمص والطرشي والجرجير شأن من شؤون الله ؟ . وهذا محمود درويش يقول : نامي فعين الله نائمة عنا وأسراب الشحارير . أما كبيرهم الذي علمهم السحر بدر شاكر السياب فهو القائل : فنحن جميعاً أموات . أنا ومحمد والله ، وهذا قبرنا أنقاض مئذنة معفرة ، عليها يكتب اسم محمد والله . ثم يقول : وإن الله باق في قرانا ما قتلناه ، ولا من جوعنا يوماً أكلناه ، وهذا معبود الجماهير كما وصفوا يغني : قدر أحمق الخطا ، تعالى الله وتقدس عن هذا الكفر والنقائص ، وهذا صلاح جاهين رسام الكاريكاتير المعروف ، صور في يوم من الأيام صورة هزلية في جريدة الأهرام ، رسم فيها رجلاً بدوياً ، يرمز به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يركب حماراً في وضع مقلوب ليكون رمزاً للرجعية ، وفي أرضية الصورة ديك وتسع دجاجات وعنوان الرسم محمد أفندي جوز التسعة ، وهذا من أقبح الهجوم والاستهزاء والسخرية على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهكذا يلتقي الحقد الصليبي النصراني مع الاتجاه العلماني الإباحي في مقال ورسم كاريكاتير ظناً من هؤلاء أنهم سيطفئون نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون .
وهذا ساخر يهزأ بأبي ذر الغفاري فيقول : عادل إمام مثل أبي ذر الغفاري ( يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث يوم القيامة وحده ) وهكذا يُشَبه رمز من رموز العفن الفني وأصحاب السقوط الأخلاقي وسفِلةِ الناس بأصحاب رسول الله الأبرار الأطهار ، وهذا سفيه مستهزئ ساخر بالصلاة والمصلين يقول : أيها المصلون إذا ذهبتم للجنة فخذونا معكم . وما نشرته روز اليوسف يوما ، كاريكاتيرياً تصور فيه شاباً متديناً له لحية طويلة جداً يؤذن في منارة مسجد ، فبدلاً من أن يقول : حي على الفلاح قال : حي على السلاح . ومن يسخر باللحية فيقول : لو كان في اللحية خير ما نبتت في الفَرْج ، والأمثلة من الساخرين تطول .
إن الاستهزاء الفاضح والسخرية اللاذعة بدين الله وشريعته وسنة نبيه كالاستهزاء بتحكيم الشريعة الإسلامية ووصمها بأنها شريعة الرجعيين والأصوليين ، وأن فيها وحشية ! إذ كيف تقطع يد السارق ويُرجم الزاني المحصن ، وما علموا أن هذا إنكار لعلم الله الواسع المحيط بكل شيء ، وتنديد بحكمته ورحمته بل تمادى ورثة المنافقين في هذا الزمان ، فزعموا أن أحكام الله في شريعة الله قاسية ، لا تناسب الإنسانية لأنها مبنية على القسوة ، لا على الحكمة والرحمة ولشناعة فعل المستهزئين سماهم الله في كتابه بالمجرمين فقال تعالى:﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون ﴾المطففين 29. وفي عصرنا الحاضر ما ترك أهل الكتاب وسيلة من وسائل الاستهزاء بالله وبدينه وبعباده المؤمنين إلا سلكوها ، وهذا واضح في أقوالهم وإعلامهم وخططهم ، بل وحتى في منتجاتهم ، فحتى النعال يكتبون عليها اسم الله – تعالى الله وتقدس عن ذلك – وعلى الملابس الداخلية للرجال والنساء ، بل وصل بهم الحال إلى امتهان الآيات القرآنية ، وقد أبدل كثيرٌ من المسلمين رنة التلفون بآية من القرآن الكريم ، ومع هذا تجد المغفلين من المسلمين يوالونهم ولو بطريق غير مباشر بالشراء من هذه المصانع ، وتلك الشركات التي تطعن في ديننا وتهزأ بربنا وتستبيح حرمة إسلامنا ، وإذا قام فينا غيور وذكّر الأمة بهذا الواجب الإيماني ، هُمز وغُمز ووصُف بالتطرف والرجعية وعداوة الإنسانية والتعسفية ، وغير ذلك من قاموس الشتائم الذي يصبه من سماهم الله بالمجرمين على المؤمنين الموحدين ، فإلى الله المشتكى وهو حسبنا ونعم الوكيل .
وقد هدد الله من يجالس هؤلاء الهازلين الساخرين إذا لم يبتعد ويقم عنهم ، فسيكون منهم ويعذب بعذابهم قال تعالى : ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ﴾ النساء 140 .
نرى مع الأسف من يتخذ الهازلين أولياء وجلساء وأصفياء وأخلاء ، بل يدافع عنهم ويذب عن أعراضهم ، وكأنه قد نسي قول الله تعالى : ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً ﴾ النساء 107 ، ألا فالتق الله في ديننا ونبينا ، ولنحذر السخرية والاستهزاء التي تمس إيماننا ، ولنقبل على شرعَ الله ولنعلم أنه الحقُّ الذي لا شك فيه، وأن لا ننخدع بضعفاء البصائر ممن يتخذون مجالسَهم في التفكُّه والضحك، فيسخرون من الإسلام وأهلِه ويعيبون الإسلام وأهلَه، أعاذنا الله وإياكم من ذلك .
الاستهزاء بالدين وأهله
