الاعتذار و التسامح

 

قال صلى الله عليه وسلم  : ( من اعتذر إليه أخوه المسلم فليقبل عذره  مالم يعلم كذبه) الاعتذار خلق اجتماعي جميل يدعو للتفاهم ، ويمحو التوتر والتشاحن بين الناس وينفي عن صاحبه صفة التعالي والكبر ،كما أنه يُزيل الأحقاد  ويقضي على الحسد ، ويدفع عن صاحبه سوء الظن به  وهو علامة من علامات الثقة بالنفس ، ودليل القدرة على مواجهة الآخرين .

الاعتذار من شيم كبار النفوس ، لأنه يعني الاعتراف بالخطأ ، وقلما تجد إنساناً يستطيع أن يواجه الآخرين بخطئه أو يعترف  به ، على العكس من صغار النفوس  الذين لا يعتذرون عن أخطائهم ، ويعتبرون الاعتذار نقيصة يتهربون منها ، مع أن كبار النفوس يعتبرونه خلقاً يتقربون به إلى الله ، وسلوكاً إيجابياً يُزينون به أخلاقهم ولقد أحسن القائل :

إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه    وكان الذي لا يقبل العذر جانيا

وصغار النفوس ، بدلاً من السعي لتصحيح أخطائهم ومراجعة أنفسهم   وإصلاح ما أفسدته تصرفاتهم ، فإنهم يحاولون تبرير هذه الأخطاء  والتملص من تحمل المسئولية   أما كبار النفوس فإنهم يسارعون إلى الاعتذار عند وقوع الخطأ ، بل إنهم يحاولون اجتناب الوقوع فيما يُوجب الاعتذار ، مسترشدين في ذلك بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم الجامعة لأبي أيوب الأنصاري ( إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع و لا تكلم بكلام تعتذر منه و اجمع  الإياس مما في أيدي الناس ) فإن زلت قدمك مرة فإنه ( لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عَثْرَةٍ وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ ) رواه أحمد وابن ماجه وحسنه الألباني .

وقال بعض الحكماء : إياك وما يسبق للقلوب إنكاره   وإن كان عندك اعتذاره فكبار النفوس يقبلون الأعذار من المخطئين في حقهم بالعفو عنهم ، لأنهم فقهوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ( مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ ) ولقد أحسن القائل :

اقبل معاذير من يأتيك معتـذراً   إن برّ عندك فيما قال أو فجرا

فقد أطاعك من يرضيك ظاهره  وقد أجلك من يعصيك مستترا

إن الاعتذار أدب اجتماعي في التعامل الإسلامي، ينفي الشعور بالكبرياء والحقد والبغضاء ، بل إن الاعتذار والاعتراف بالخطأ أطيب للقلب  وأدعى إلى العفو ، وإن صاحب خلق (الاعتذار) ليستحيي من افتضاح تقصيره حين يظن من نفسه التقصير ، فابن عمر يروي أنه كان في سرية فانهزموا ، ومن حيائهم رجعوا إلى المدينة خفية في الليل ، واختفوا في المدينة ، ثم قالوا : ( لو خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذرنا إليه ) فخرجوا لبيان عذرهم  وقالوا له : ( نحن الفرّارون يا رسول الله! قال : بل أنتم العكَّارون، وأنا فئتكم ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي . فهوَّن عليهم ووصفهم بالعكّارين، الذين يغزون كرة بعد كرة، ولا يتوقفون عن الغزو.

وتلقي الأعذار بطيب نفس، وبالعفو والصفح ، يحض الناس على الاعتذار ، أما سوء المقابلة للمعتذر وتشديد اللائمة عليه فإنه يجعل النفوس تصر على الخطأ، وتأبى الاعتراف بالزلل، وترفض تقديم المعاذير ، فإن بادر المسيء بالاعتذار ، فبادر أنت بقبول العذر ، والعفو عما مضى ، وتلك فضيلة تستحق الاحترام ، وهي مدخل لصفاء القلوب وليست فرصة للهجوم على المعتذر والانتقاص منه قال الشاعر :

قيل لي قد أسا إلـيك فـلانٌ      وقعود الفتى على الضّيم عار

قلت قد جاءنا فأحدث عذراً   فدية الذنب عندنا الاعتذار

إن الاعتذار كفيل بخلق نوع من الرضا بين الطرفين  دون أن يشعر أحدهما بالانتصار على الآخر ، بل ويرفع من قدر المعتذر ، فهاهو أبو ذر يقول : إني كنت ساببت (شتمت) بلالاً، وعيرته بأمه ؛ فقلت له : يا ابن السوداء فشكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي النبي : (يا أبا ذر  أعيرته بأمه ؟ إنك امرؤ فيك جاهلية ، فوضعت رأسي على الأرض ، وقلت لبلال : ضع قدمك على رقبتي حتى يغفر الله لي، فقال لي بلال : إني سامحتك غفر الله لك .

إن التسامح صفة عجز الكثيرون عن الوصول إليها  فلماذا أصبح من الصعب علينا العفو والتسامح ، ولماذا أصبح من الصعب الاعتراف بالخطأ ، ولماذا ينظر لمن يعتذر بأنه ضعيف وأن الاعتذار ذل و أهانه ، وإذا الرحمن الرحيم يصفح ويسامح فمن نكون نحن ، والبشر ليسوا ملائكة  فلا بد أن يخطئوا  ( وخير الخطائين التوابون ) والتوبة من هذا المنطلق هي الخطوة الأولى لتطهير النفس من الخطأ   ولذلك وعد الله – من يلجأ إليه معتذرا معلنا توبته – بالمغفرة ، وإذا كان الله يغفر ويصفح ، فمن هو العبد الذي يقابل الاعتذار بالصد والاستنكار .

والسؤل من منا لم يخطي بحق غيرة ؟ في أحيان كثيرة لا نصدق أننا كنا بهذه القسوة أو الانفعال و لا نصدق أننا أذينا من أمامنا بتلك القسوة ، و نظل نبحث في داخلنا عن مبرر لنرتاح من تأنيب الضمير ، فلا نجد حلاً سوى الاعتذار ، قد تكون كلمة ” أسف ” غير كافية ولا تفي بالمطلوب لأن لاعتذار فن ، ولا يقدر علية أي شخص فلا بد من الاعتراف بالمسؤولية عن الخطأ لكي تستطيع استرجاع ثقة من أمامك ، لأن المخطئ مريض ضعيف

والمسامح طبيب ، فإما أن يكون الطبيب كريما ً فيسامح  ليكون له عونا ًعلى الشفاء بإذن الله ، و إما أن يكون لئيما ًفلا يسامح ليزيد جراحه ، وإذا كان الناس يخطئون في حق ربهم فيغفر لهم بمجرد استغفارهم قال صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقومٍ آخرين يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم ) فإذا كان مكتوبا ً أن يخطئ الناس في حق الخالق العظيم ، أفلا يكون من باب أولى أن يخطؤوا بحق الخلق الأذلاء ؟ وإذا كان الخالق بعظمته و جبروته و قوته يغفر للمخطئ و يكون سبحانه أشد فرحا ًبتوبة عبده من التائب نفسه  أفلا نغفر لبعضنا و نسامح ونحن الضعفاء الأذلاء ولا نملك لأنفسنا حولاً ولا قوة ؟ فمن علّمنا أن الاعتذار ضعفٌ وإهانةٌ ومنقصة ؟ ومن علّمنا أن في الاعتذار جرحٌ للكرامة والكبرياء ؟ فليتنا نكون متسامحين مع أنفسنا ابتداءً  ومع الآخرين انتهاءً  ، فسامحوا و تسامحوا  واعتذروا واعذروا ، وتأسفوا واقبلوا الأسف ، فإننا بشر لم نزل بعد في الحياة الدنيا ، حيث لا ملائكة  فاغفروا للخلق خطأهم ، ليغفر لكم الخالق خطاياكم ، وقد نتقاسم الأخطاء ، ولكن خيرنا من يبدأ بالسلام ،  ومن أكرمك  فأكرمه ، ومن استخفّ بك فأكرم نفسك عنه .

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *