الاعتصام بحبل الله

 

قال تعالى: ﴿ يا أيُّهَا الَّذين آمَنوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَموتُنَّ إلاَّ وأنتُم مسلِمُونَ واعتَصِموا بحَبْلِ الله جميعاً ولا تَفَرَّقُوا ﴾ 103 آل عمران . إنها دعوة للمؤمنين كي يجاهدوا أنفسهم ، ويستسلموا للإيمان بالله، ويواصلوا العمل بما يقتضيه هذا الإيمان ، بالسير على نهجه الذي يجعل منهم إخواناً متحابِّين ، والله يأمر المؤمنين أن يستسلموا استسلاماً كاملاً لشريعة الله ، ويناديهم الله تعالى بهذا النداء المحبَّب : ﴿ يا أيُّها الَّذين آمنوا ﴾ ليتلقَّوا أوامره ونواهيه ، بأن يُطاعَ الله فلا يُعصى، وأن يُذكرَ فلا يُنسى، وأن يُشكرَ فلا يُكفر، وهذه المنزلة لا يصل إليها إلا من اتقى المحارم والشُّبُهات، واقتصد في الشهوات والملذَّات، وجاهد نفسه وتجافى عن دنيا الملذات  ؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن الدنيا حلوةٌ خضِرةٌ وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتَّقوا الدنيا ) رواه مسلم  .  كما تؤكِّد الآية على ضرورة تمسُّك المؤمنين بالتَّقوى، وأن يبقوا على تسليمهم المطلق لله تعالى في جميع الأوقات ، وقد قيل في معنى حق تقاته ، أي لا تأخذك في الله لومة لائم ، أو أن تقول الحق ولو على نفسك ، هذا ما يقال عنه حق التقى ، قال العلماء : عندما نزلت هذه الآية وسمعها الصحابة استضعفوا نفوسهم أمام مطلوبها ، ويقال أن الله أنزل بعدها : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم﴾ أي ساعة تكون غير مستطيع فهو الذي يخفف .

والله سبحانه إنما دعا الناس إلى الإسلام لأنه يجمع القلب إلى القلب، ويضمُّ الصفَّ إلى الصفِّ، هادياً لإقامة كيان موحَّد، ونبذ عوامل الفرقة والضعف وأسباب الفشل والهزيمة؛ ليكون لهذا الكيان القدرة على تحقيق الغايات السامية، والمقاصد النبيلة، الَّتي جاءت بها رسالته العظمى. فهو يكوِّن روابط و صِلات بين أفراد المجتمع لتُوجِد هذا الكيان وتُدعِّمه، وهذه الروابط تقوم على الأخوَّة المعتصمة بحبل الله ، أي المتمسكة بالقرآن وبدين الله وطاعته ، والتمسك بمنهجه حلالاً وحراما ، واجتماع كلمة المسلمين من أجل صون الحرمات والبلاد من عدوان المعتدين ، وهم الآن مع الأسف أبعد الناس عن اجتماع الكلمة ووحدة الصف والغاية والنهج والأخوة المعتصمة بالله نعمة يمنُّ الله بها على المجتمع ويهبها لمن يحبُّ من عباده ويحبُّونه، فما من شيء يجمع القلوب مثلُ الأخوَّة في الله  حيث تتلاشى إلى جانبها الأحقاد القديمة  والأطماع الشخصية ، قال تعالى:﴿ وَمَن يَعْتَصِمْ بالله فَقد هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ آل عمران آية 101 وإذا كانت وحدة الكلمة هي القوَّة الَّتي تحمي دين الله  وتحرس دنيا المسلمين، فإن الفرقة هي الَّتي تقضي على دينهم ودنياهم معاً. ولن يصل المجتمع إلى تماسكه إلا إذا بذل له كلُّ فرد من ذات نفسه، وكان عوناً له في كلِّ أمر، ليصبح أفراده كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الَّذي رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً وشبَّك بين أصابعه )  متفق عليه . وخير مثال على هذا الأمَّة العربية الَّتي كانت في بدء أمرها فرقاً متعادية وقبائل ممزَّقة، ثمَّ هبَّت عليها نفحة الإسلام فجمعت شتاتها ووحَّدت كلمتها، فانطلقت إلى غايتها الكبرى في توحيد العالم تحت راية الهداية والعلم والأخلاق الفاضلة، بعد أن عرفت طريقها، وأحكمت خطَّتها  فجنت أطيب الثمرات من وراء وحدتها وأدركت عملياً أن الوحدة قوَّة وأن التفرُّق ضعف، وأنه ما من شدَّة تعرَّضت لها إلا كان سبَبُها الاختلاف والانقسام، لذلك كان همُّ أعدائها أن يتَّبعوا معها سياسة (فرِّق تَسُدْ)، وأوجدوا بذلك الثغرات الَّتي نفذوا من خلالها إلى مآربهم .

وقد صوَّر النصُّ القرآني حال القوم حين كانوا متفرِّقين مختلفين، في مشهدٍ حيٍّ متحرِّك تضطرب له القلوب : ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾ فمثَلُهم في التفرقة كمثل قوم أشرفوا على هوَّةٍ بركانية ملتهبة وبينما هم على وشك السقوط في النار إذا بيد العناية الإلهية تمتَدُّ إليهم فتتدارك هلاكهم وتنقذهم، وإذا بحبل الله يؤلِّف بينهم  ويجمع شملهم. فما أجملها من نعمة قد تفضَّل الله بها عليهم، فأكرمهم بالنجاة والخلاص  روي أن أعرابياً سمع ابن عباس يقرأ هذه الآية فقال : والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها فقال ابن عباس خذوها من غير فقيه .

إنّ أعداء الإسلام يحاربون المسلمين بكافة السبل والوسائل المتاحة لهم  عسكرياً واقتصادياً وفكريّاً وإنهم لن يكفوا عن حربهم لهم ، ولن يفرطوا في أي فرصة تسنح لهم ليصيبوا بعض مرادهم ويحققوا مخططاتهم   ولهم أتباع من أبناء المسلمين يسيرون على نهجهم ، وينفذون مطالبهم  غايتهم إبعاد المسلمين عن دينهم ، وبثّ الفرقة والخلاف بين المسلمين ، وبذر الشقاق والعداء بينهم ، ومحاولة إشغالهم عن قضاياهم المصيرية بخلافات جانبية بينهم  حتى ينسوا عدوهم وينصرفوا عنه  .

إنّ أعداء الإسلام ، لن يقصروا في اتّباع كل وسيلة تؤدي إلى تأجيج النزاعات والخلافات بين المسلمين ، عن طريق عملائهم ووسائل إعلامهم   من أجل إطالة أمد الخلاف والنزاع ، ولا يشك عاقل أنَّ الفرقةَ في الدين من أعظم مصائب الأمَّة؛ لأنَّ في الافتراق إضعافٌ للأمة، وجماعة الحق إن ضعفت عجزت عن تحقيق الكثير من مصالحها  وأمورها قال تعالى : ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ أي تذهب قوتكم وهيبتكم عند خلافكم؛ فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه  وحين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار واعلموا أن الأمة الإسلامية لن تستطيع أن تؤدي دورها التاريخي إلا يوم أن ترجع إلى القرآن الذي شرّفها الله به   وجعلها أرقى أمم الأرض على الإطلاق  .

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *