ليس لهذا الاصطلاح أصل في العربية ويعود أصله إلى اللغة التركية، ويتكون من مقطعين: بلطة وجي ؛ أي حامل البلطة . ومعناها في الاصطلاح السياسي : استعمال القوة لاستغلال موارد الآخرين بهدف تحقيق مصالح خاصة ، أما الشبيحة فهم مَن يقومون بأعمال البلطجة ، التي لا تنفذها النظم بشكل مباشر ولا هدف لهم في الحياة إلا ممارسة القتل ، مقابل استرزاقهم وما يسرقوه وينهبوه ، شعارهم تخوين واتهام كل من ينتقد النظام أو المسئولين ، وأعمالهم تتنافى مع الإسلام ومبادئه ، الذي يكفل للإنسان حقه في أن يعيش آمنا ، ولهذا جاء النهي عن أعمال البلطجة ، التي جاء ذكرها في الفقه الإسلامي باسم الحرابة ، واعتبرها فسادا في الأرض لقوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ المائدة33. ومدلول البلطجة والتشبيح يماثل مدلول الحرابة في الشريعة ، لأن الفقهاء عرّفوا الحرابة بأنها جريمة قطع الطريق علي سالكيه الآمنين ، بغرض إرهابهم وقهرهم ، أو نهب أموالهم, ومجاهدتهم علي سبيل المغالبة والقهر, أو بالتحايل والمكر وبالخداع والغدر, أو بغرض قتلهم دون نهب الأموال وهو ما يعرف باسم قتل الغيلة أو من أجل الاعتداء علي الأعراض عنوة واغتصابا, ولذلك أُطلق علي الحرابة اسم السرقة الكبرى واعتبر الفقهاء كل من يقوم بأي من هذه الجرائم أو بها مجتمعة محارب لله ولرسوله ولجماعة المسلمين, سواء كان فردا أو جماعة,مسلحا أو غير مسلح, ما دام مكلفا ملزما وثبتت عليه الجريمة , وكل من يعين المحارب بأي شكل من الأشكال كالتحريض, أو الاتفاق أو الرصد أو الإيواء أو غير ذلك من صور العون ، يعتبر عند كثير من الفقهاء شريكا له في الجريمة ويحمل وزرها ، وقد اختلفت التفاسير في فهم دلالة قوله تعالى : ﴿ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ﴾ وأرجح الأقوال : هو التغريب أي التشريد بالطرد من ديار الإسلام( بمعني إسقاط الجنسية في عصرنا الحاضر) فإذا أخذ المحارب المال لا غير ، كان جزاؤه أن تقطع يده اليمني ورجله اليسري ، عند أغلب الفقهاء, وإذا قتل المحارب ولم ينهب مالا ، فيري عدد من الفقهاء أن عقوبته هي القتل حدا دون الصلب. وإذا قتل المحارب ونهب المال ، كان عقابه القتل والصلب معا على أن يصلب المحارب علي خشبة بقدر ما يشتهر أمره, ردعا له وزجرا لغيره, ثم يقتل, لأن العقوبة لا تقع علي ميت ، ومن قطع الطريق وأرهب الناس ، ولكنه لم يقتل أحدا ، ولم ينهب مالا فعقابه النفي من الأرض التي أجرم فيها.
ويري أغلب الفقهاء أن الإمام مخير في كل العقوبات المقررة في آية الحرابة ، بحسب حجم الجريمة ، وما تقتضيه المصلحة العامة. ولا يجوز رفع العقوبة سواء عفا الأولياء وأرباب الأموال أم لم يعفوا, وسواء أبرءوا من المحارب أو صالحوا عليه, وليس للإمام إذا ثبت الحد عنده ، أن يتركه أو يسقطه أو يعفو عنه لأن الحد واجب التطبيق ، لأنه من حقوق الله-تعالي- وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إقضوا الله فهو أحق بالوفاء,دين الله أحق أن يقضى ) ويقول: ( كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ) . والإعجاز التشريعي في حد الحرابة ، أن الله كرّم الإنسان فقال الله في ذلك : ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾الإسراء 70 ومن حق هذا المخلوق المكرم ، أن يحيا وهو آمن علي نفسه وماله وعرضه وعقله ودينه, وهي الضرورات الخمس ، التي تعارفت عليها المجتمعات الإنسانية.
والإنسان بطبيعة الحال ، مخلوق صاحب إرادة حرة وهذه الإرادة الحرة ، قد تقوده إلي الالتزام بمكارم الأخلاق ، وقد تقوده إلي الانحراف فيقع في أوحال الرذيلة, كما قال تعالى واصفاً هذه الحالة : ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وقد خاب من دساها ﴾ الشمس7 . فالذي يجاهد نفسه من أجل تزكيتها ، يعرف طريق الفضيلة ويلزم نفسه بها ، ويسعي جاهدا من أجل إسعاد غيره كما يسعي لإسعاد نفسه وأهله ، أما الذي أتبع هوي نفسه ، فملأها بحب الشر وكراهية الخير ، وبالحقد علي الغير وكراهية الناس ، وحب إيذائهم والإضرار بهم, حتى يجعل من وجوده عامل دمار وخراب وهدم للمجتمع الذي يحيا فيه, حتى ينتهي به الأمر إلي ممارسة الجرائم ضد هذا المجتمع ، الأمر الذي يستوجب نفيه نفيا جزئيا أو كاملا بإنزال العقوبات به ، أو القضاء التام عليه قبل أن يقضي على مجتمعه الذي يتحرك فيه ، وإذا أخذت الجرائم بعدا جماعيا ، كانت المحاربة للمجتمع كله, وجزاء كل خارج على سلطان الحاكم المسلم المقيم لشريعة الله, وكل مروع للآمنين من عباد الله في دار الإسلام, وكل معتد علي أموالهم, أو دمائهم, أو أعراضهم أن يقتل, أو يصلب ثم يقتل, أو أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى , أو ينفى من الأرض ، عقابا له علي جرائمه ، وردعا لأمثاله من بعده, وللفقهاء في ذلك تفصيل لا يتسع المجال لسرده, وإن كان الهدف من العقوبة هو التغليظ علي المفسدين في الأرض ، الذين يروعون الآمنين في المجتمع المسلم , ومنع تكرار جرائمهم, إلا أن هذا العقاب الصارم الذي يلقونه في الدنيا ، لا يسقط عنهم العذاب في الآخرة, ولا يطهرهم من فظاعة ما اقترفوه في الدنيا ، كما هو الحال في بعض الحدود الأخرى ، وهذا تغليظ للعقوبة, وتبشيع للجريمة حتى لا يقع فيها غيرهم. أما إذا استشعر كل خارج على القانون, قاطع للطريق, ومفسد في الأرض حجم جريمته, فتاب إلي الله وأناب ، قبل أن تناله يد القانون والسلطان ، سقطت جرائمه وعقوبتها وفوض أمره إلي الله الغفور الرحيم.
والحد الشرعي هو عقاب من الله تعالي للمجرم علي اقتراف جريمته ، وهو عقاب متكافئ مع حجم الجريمة, لأن الجريمة لا يوقفها إلا العقاب الرادع والعقاب لا يكون رادعا ، إذا اتصف بالرخاوة والضعف. ولولا أن الله تعالي قد حد الحدود, وأنزل العقوبات الرادعة ، لفسدت الأرض, وعمتها الفوضى والخراب والدمار ، وضاعت منها نعمة الأمن والأمان, ونهبت الحقوق والممتلكات ، وانتهكت الحرمات, وتعطلت المصالح . إن شريعة الله تحارب الجريمة والمجرمين, والإفساد في الأرض والمفسدين, وتحرم العدوان علي الآمنين وتنزل أشد العقوبات على الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا, وينشرون الخوف والفزع بين الآمنين ، جزاء عادلا فاضحا لهم في الدنيا وتهددهم في الآخرة بالعذاب العظيم. ولم يشرع ذلك ظلما للناس أو إذلالا لهم, وإنما شرع عقابا مكافئا للمعتدين, وردعا وزجرا وعظة وعبرة للمعتبرين حتى لا يقعوا فيما وقع فيه المعتدون من جرائم, ودعوة للمسلمين أجمعين بضرورة المحافظة علي أمن مجتمعاتهم من الضياع, لأن المعتدي إذا لم يجد من شرائع الله ما يمنعه من اعتدائه وعدوانه علي غيره فإنه يعيث في الأرض فسادا, ويزيد من طغيانه علي الآمنين من قومه , وينشر الخوف والفزع والاضطراب بينهم, وهي من الأمور المهلكة للمجتمعات الإنسانية والمتسببة في انهيارها وخرابها ومن هنا تتضح حكمة الإعجاز التشريعي في حد الحرابة ، لأنه إذا اكتفى المشرع في عقاب المحارب بالسجن أو الغرامة المالية فقط ، فإنه سرعان ما يعاود الكرة إلي جريمته ، بمجرد خروجه من السجن أو حاجته إلي المال, بينما إذا طبق شرع الله في عقاب المحاربين ، فإن ذلك يحقق الأمن والأمان, وصون حقوق العباد ومصالحهم من عبث العابثين واستهتار المستهترين, وطمع الطامعين وإذا تم ذلك للمجتمع المسلم ، اختفت طبقة المحاربين لله ورسوله ولن تتوقف مسلسلات الخروج على المجتمع إلا بالنزول عند أوامر الله وتطبيق شرعه ، والالتزام بحدوده في كل أمر من الأمور, والله يقول الحق ويهدي إلي سواء السبيل.
البلطجة والتشبيح
