التجارة الرابحة

قال تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله } الصف 52 .
نداء من الله باسم الإيمان ، يدعو إلى التجارة الرابحة ويحرض على الجهاد في سبيل الله ، وقد جاء الخطاب بأسلوب الترغيب والتشويق ، لأن المؤمن لا يطيق أن يعيش في عالم بلا إيمان ، ولا يطيق أن يقعد بلا جهاد لتحقيق عالم يسوده الإيمان ، فلا مفر من الجهاد لإقامة منهج الله وحراسته في الأرض ، لأن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، ورتبته في أعلى شعب الإيمان ، به تعلو الكلمة وتعز الأمة، وتصان الحرمات، وتحمى الديار ويطرد الأعداء ، به يتم إقرار الحق في نصابه ، ويرد البغي والظلم والطغيان ، ويكافح الشر والكيد والعدوان إنه التجارة المنجية، والصفقة الرابحة، والبضاعة المبشرة يحوز أهله المخلصون من المنازل أرفعها، ومن المكانة أعظمها ومن الدرجات أعلاها، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة .
لقد حظيت فريضة الجهاد في هذا الدين بالعناية والاهتمام، وإننا لنجد عشرات الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة ، تحث على الجهاد وترغب فيه، وتبين ما لأهله من الأجر والمثوبة في الآخرة ، وتنذر بالوعيد الشديد على من ركنوا إلى الدنيا، وتثاقلوا إلى الأرض، وعطلوا هذه الفريضة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ) مسلم . لقد أصم المسلمون أذانهم عن الآيات والأحاديث التي ترغب في الجهاد وتحث عليه ورضوا أن يعيشوا هذا الواقع المرير ، فرضوا من الإسلام باسمه ، ومن الجهاد بكلمته وأصبحت كلمة الجهاد ، مثل كلمة دين الدولة الإسلام ، بل إنها لا تحصل على هذه المرتبة ، لأنها أُلغيت في مؤتمر دكار من قاموسهم ، فاستبعدوه بحجة عدم قدرتهم على مواجهة أعدائهم ، وأصبح عندهم الجهاد كلمة تاريخية ، لا روح فيها ، تكتب فيها الأبحاث وتؤلف الكتب ، وتزين بها الخطب والبيانات ، علماً بأن وقع كلمة الجهاد وتأثيرها ، لا يكون إلا برفع راية الجهاد من قبل الحاكم أولاً ، لأن إجماع العلماء والفقهاء منعقد على أن الجهاد يناط إعلانه بالحاكم ، وعندما تخلى المسلمون عن رفع راية الجهاد ، أصبح الإسلام يضرب بقوة ، وبيد من حديد ، ودماء المسلمين تسيل بغزارة والضاربون لا يخشون قصاصا ، لأن المسلمين ابتعدوا عن منهج ربهم ، وتركوا الجهاد في سبيل الله ، فسلط الله عليهم ذلاً لن ينـزعه ، حتى يرجعوا إلى دينهم ، وأصبح حالهم كما قال الشاعر :
نهارك يا مغرور سهوٌ وغفلةٌ وليلك نومٌ والردى لك لازمُ
وشغلك فيما سوف تكره غِيّهُ كذلك في الدنيا تعيش البهائمُ
لقد مات عند الكثير من الناس الشعور بالذنب ، والشعور بالتقصير ، حتى ظن الكثير منهم أنهم على خير عظيم بمجرد القيام ببعض الأركان والواجبات ، وظنوا أنهم حازوا الإسلام كله ، ونسوا الذنوب والمعاصي التي ارتكبوها صباح مساء ، فتركوا الواجبات ، وفعلوا المحرّمات ، فضلاً عن الكبائر والموبقات ، ناسين أن العذاب ينتظرهم ، إن لم يتوبوا ويرجعوا عن غيِّهم .
أما والله لو علم الأنامُ لِمَ خلقوا لما غفلوا وناموا
لقد خلقوا لِمَا لو أبصَرَته عيون قلوبهم تاهوا وهاموا
مماتٌ ثم قبرٌ ثم حشرٌ وتوبيخٌ وأهوالٌ عظامُ
لقد تبلد الإحساس فماتت القلوب ، فما عادت تحس بذنب ولا تقصير ، ولا بما يصيب المسلمين من قتل وتهجير ، وما عاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذا أهمية قال صلى الله عليه وسلم : ( ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا ) أبو داود . كثيرٌ من الناس إذا ما تحدثت معهم عن أوضاع المسلمين قالوا : ما لنا ولهم ، متجاهلين قوله صلى الله عليه وسلم : ( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ) ومتناسين أن أمة الإسلام عانت قديماً ظلم الصليبين ، الذين عاثوا في الأرض فساداً من نهب وقتل ، يروي التاريخ أن الناس في بغداد لمّا سمعوا ما حل بالمسلمين ، هالهم ذلك وتباكوا فنظم أبو سعد الهروي كلاماً قُرئ في الديوان وعلى المنابر فارتفع بكاء الناس، وندب الخليفة الفقهاء للخروج إلى البلاد ليحرضوا الناس على الجهاد فساروا في الناس فلم يفد شيئاً ، وقد وصف الشاعر الحال يومها فقال :
أحل الكفر بالإسلام ضيماً يطول عليه للدين النحيبُ
فحقٌ ضائعٌ وحما مباحٌ وسيفٌ قاطعٌ و دمٌ صبيبُ
وكم من مسلمٍ أمسى سليباً ومسلمةٍ لـها حرمٌ سليبُ
أمورٌ لو تأملهن طفلٌ لطفّل في عوارضه المشيبُ
أتسبى المسلمات بكل ثغر وعيش المسلمين إذاً يطيب
فقل لذوي البصائر حيث كانوا أجيبوا الله ويحكم أجيبوا
وقد روي أن الشعراء والخطباء ، استمروا يستثيرون الهمم ولكن بلا جدوى ، وذكرت المصادر التاريخية صوراً أقبح من تقاعس بعض أولئك ، الذين تولّوا مقاليد الأمور في تلك الفترة ، أمام الفظائع التي ارتكبها الصليبيون ، وقد روي أن جمع أحد الوفود ، كيساً كبيراً مليئاً بالجماجم وشعور النساء والأطفال ونثروها بين يدي أحد السلاطين ، فكان جوابه لوزيره : دعني أنا في شيء أهم من هذا ، حمامتي البلقاء لي ثلاثة أيام لم أرها .
لقد عاصر المسلمون من فقدوا رشدهم ، وناموا في فراش اللهو ، وهل سقطت الدولة الإسلامية مراراً إلا لوجودهم يذكر التاريخ أنه كان للمسلمين وجود في الأندلس ولكنهم حرموا منه ، وها هو أحدهم يقول :
إبك مثل النساء ملكاً تولى لم تحافظ عليه مثل الرجال
وها هو شاعر يقول في قصيدة رثاء للأندلس :
أعندكم نبأ عن أهل أندلس فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم أسرى وقتلى فما يهتز إنسان
وها هم أهل بغداد الذين هالهم ما فعل الصليبيون بالمسلمين في بلاد الشام ، يشربون نفس الكأس ، فقد ذكر التاريخ أن هولاكو دخل بغداد وقتل أكثر من مليون من أهلها ، لماذا ؟ لأن المسلمين كانوا أهلاً للهزيمة ، ولما صلحت أحوالهم واصطلحوا مع الله ، ثأروا لأنفسهم مما حل بهم ، فهزموا التتار كما هزموا الصليبين من قبل ودخلوا القسطنطينية وجعلوها عاصمة الإسلام .
ولما عُرِف عن المسلمين حبهم للجهاد ، وتحملهم للتضحيات الجسام ، كي يحق الحق ويبطل الباطل ، فقد كبحوا جماح المعتدين ، وردوا فلولهم من حيث جاءت لأنهم آمنوا بأن الإسلام ، جعل حراسة الحق ، من أرفع العبادات أجرا ، ولولا يقظتهم وتفانيهم ما بقي للإيمان منار ( قيل : يا رسول الله ! ما يعدل الجهاد في سبيل الله ؟ قال : لا تستطيعونه ، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك وهو يقول : لا تستطيعونه ، ثم قال : مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا صيام ، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله) البخاري . ولئن كان الموت من اكبر المصائب ، إلا أنه بالنسبة للمجاهدين بداية تكريم إلهي ، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف يرجو هذا المصير
( والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فاقتل ، ثم أغزو فاقتل ثم أغزوا فاقتل ) البخاري .
لقد بذل الأعداء جهوداً كبيرة ، لإبعاد المسلمين عن هذه المعاني ، وقتلها في النفوس ، ليضمن السيطرة على البلاد الإسلامية وثرواتها دون مقاومة ، وذلك بتكثير الشهوات وتوهين العقائد والفضائل ، التي تعصم عن الدنايا وإبعاد الإسلام موضوعاً عن كل مجال ، فرأينا من تحلل من الإيمان وفرائضه ، والقرآن وأحكامه ، كما استمات في إرخاص المثل الرفيعة ، وترجيح المنافع العاجلة ، وقد كان ذلك تمهيداً لمرور العدوان الباغي ، دون رغبة في جهاد أو أمل في استشهاد . إن المسلمين وإن تباعدت أقطارهم إخوة في العقيدة تربطهم رابطة الإيمان، وتجمعهم عقيدة الإسلام، كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وإن واجب الأخوة الإسلامية يقتضي أن يهتم المسلم بأمر إخوانه المسلمين، يتابع أخبارهم، ويشاطرهم آلامهم وآمالهم، ويؤدي ما استطاع من جهد ووقت ومال لتحسين أوضاعهم، وإصلاح أحوالهم .
لقد دلنا ربنا على التجارة الرابحة ، التي فيها النجاة من العذاب الأليم ، والفوز بالجنة فقال :{ومساكن طيبة في جنات عدن } يا لها من تجاره رابحة بكل المعاني تجارة مدتها سنوات معدودة ، قد يبخل فيها الإنسان بأن يجاهد بماله أو بنفسه أو بالاثنين معا ليضمن حياة أبدية كلها نعيم مقيم ، فالمكاسب الأخروية تفوق كل الأوصاف ، وتفوق كل المقادير ، الم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنة فيها ما لا عينين رأت ولا أذنا سمعت ولا خطر على قلب بشر. والمؤمن بالله ورسوله ، يكون حريصاً دائماً على معرفة الأعمال التي يرضى عنها الله ورسوله، فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا حريصين على ذلك كل الحرص فقد كانوا يسألون عن أحب الأعمال إلى الله عز وجل حتى يلتزموا بها ، عن ابن عباس رضي الله عنه: أن الصحابة الكرام قالوا لو نعلم ما هي أحب الأعمال إلى الله لعملناه فنزلت هذه الآية الكريمة :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}الصف 13 . نعم هذه هي التجارة الرابحة وهل هناك تجارة أربح من المتاجرة مع الله عز وجل. فالتجارة مع الله عز وجل رابحة دائماً ، وليس فيها خسارة ، إنها التجارة مع خالق هذا الكون مع الله الذي أنعم علينا بكل هذه النعم حيث قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُور } فاطر 29 وأول أركان هذه التجارة الرابحة هو الإيمان بالله ورسوله ، ومن باب حرص الله على عباده ، على الالتزام بهذه التجارة استخدم الله عز وجل أسلوب الخبر الذي يتضمن الأمر فقال تعالى :{ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أي آمنوا بالله ورسوله ، وجاهدوا في سبيل الله على وجوب وسرعة الامتثال ، وكأن المخاطب قد امتثل بهذا الأمر ، فالآية تذكر المؤمنين بإيمانهم وتؤكد لهم فضل الإيمان والثبات عليه ، وفي نفس الوقت تطلب ممن لم يؤمن ، سرعة الإيمان والامتثال لله عز وجل في جميع أعماله ، وقد ربط الله عز وجل العمل بالإيمان فالإيمان بالله ، هو الدافع الحقيقي الذي يدفع المؤمنين للالتزام بالأحكام الشرعية ، وجعل العمل ثمرة الإيمان حيث قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً } الكهف 107 وهذا ما فهمه الصحابة الكرام ، فكان الدين عندهم إيمان يتلوه العمل ، وقد صدقوا في الاثنين ، وما قصروا في أي منهما ، فاستحقوا ثناء الله عليهم حيث قال الله تعالى :{ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *