عباد الله: لقد اقتضت سنة الله -سبحانه وتعالى- عندما خلق البشر أن يكون بينهم اختلاف وتنوع وتباين في كثير من أمور حياتهم، في الأفكار والرؤى، والطبائع والسلوكيات، والأفهام والعقول، وغير ذلك، قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود: 118- 119].
وقال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [المائدة: 48].
وإن مما ينتج عن هذا الاختلاف والتباين: ظهور الخصومات والعداوات بين البشر، وذلك عندما تفسد الأخلاق والقيم في نفوسهم، وتغيب أوامر الدين وتوجيهاته من حياتهم واتباع الأهواء وتزيين إبليس وخطواته.
والإسلام عالج الخصومات والعداوات بين الناس إذا وقعت بينهم بالرجوع إلى الحق، ومراقبة الله، وتذكر الثواب والعقاب المترتب على ذلك في الدنيا والآخرة، والعفو والتسامح والصلح بين الناس، وإقامة العدل، وحذر من الفجور في الخصومة، وهي على نوعين:
أحدهما: أن يدَّعي ما ليس له.
والثاني: أن ينكر ما يجب عليه إلى جانب الميل عن الحق، والاحتيال في رده، وفعل كل السبل غير المشروعة ليحتال على خصمه، ويتمنى له الأذى في نفسه وماله، ويتعمد الكذب عليه وتشويه صورته.
والإسلام قد أمر بالعدل حتى في حال الخصومة والاختلاف، وعدم تجاوز الحق والشرع، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8].
وقال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90].
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأل من ربه أن يوفقه للحق والعدل، حتى في حال الغضب لكي لا يظلم أحدا، وهو بذلك يعلم أمته ويربيها على هذه القيم والأخلاق، حتى لا تنحرف عن الصراط المستقيم، فكان يقول في دعائه: “اللهم إني أسألك خشيتك في السر والعلانية، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى” [صحيح الجامع، رقم (1301)].
أيها المؤمنون -عباد الله-: كم من خصومة بلغت حد الفجور، وقعت بين الزوج وزوجته، والأخ وأخيه، والجار وجاره، والمدير وموظفيه، تحولت إلى فجور، فهُدمت أسر، وقطعت أرحام، وفقدت الثقة، وتعطل الإنتاج، واختفى الحق، وظهر الظلم، وكثر الجدال.
وكم من خصومة واختلاف بسبب آراء، أو وجهات نظر، أو موقف سياسي، بين أبناء الوطن الواحد، تحولت إلى أحقاد وضغائن، وكيد ومكر، من هذا وذاك، عصفت بالأوطان، وهدت من قواها، وسفكت الدماء، وذهب الأمن، وحل الخوف، وتعطل العمل والبناء والإنتاج.
وكم من خصومة بلغت حد الفجور تحولت إلى قطيعة وهجران، ليس لأيام، بل لسنوات طوال بين الزملاء والأصدقاء، والأهل والجيران، عن أبي أيوب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام” [البخاري ومسلم].
ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئًا إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا” [رواه مسلم].
ونتج عن هذه الخصومات تحول العلاقات بين الناس إلى سب وشتم، وغيبة ونميمة، وبهتان واستغلال للفرص والأحداث، إلى جانب عدم ترك فرصة، أو طريق للصلح، وحل النزاع والخلاف، وهذه ليست من صفات المؤمنين، قال صلى الله عليه وسلم: “أَربعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنافِقاً، وإنْ كَانَتْ خَصلةٌ مِنهُنَّ فِيهِ كَانَتْ فِيهِ خَصلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حتَّى يَدَعَها: مَنْ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا خَاصم فَجَر، وإذا عَاهَد غَدَرَ” [البُخاريُّ: 2459].
إن سنة الله تقتضي أن تحدث بين الناس خصومات في هذه الدنيا بسبب أهوائهم ورغباتهم، ومشاكلهم ومعاملاتهم، لكن من غير المقبول شرعًا أن يتجاوز الفرد في خصومته الحق والعدل؛ فأنا مختلف مع أخي، وخاصمني في قضية ما، لكن هذا لا يجعلني أكذب عليه، أو أظلمه، أو أقول عليه ما ليس فيه، وإن كان له الحق تنازلت واعتذرت دون كبر أو عجب أو فجور في الخصومة، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) [البقرة: 204].
وقال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ أبغضَ الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِمُ” [البخاري: 2457].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: “مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ أَوْ يُعِينُ عَلَى ظُلْمٍ، لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللهِ حَتَّى يَنْزِعَ”[صحيح الجامع: 6049].
وقال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) [الأنعام: 152].
