التخطيط للمستقبل

إن الإسلام يربي المسلم على النظر دائماً نحو الأمام ، فمنذ البلوغ على أن يلقى الله سبحانه ، يتطلع نحو المستقبل ، بل يجعله حكماً في حاضره ، وهناك نصوص تتحدث عن المستقبل ، وهذه النصوص منها ما يقدم الإطار العام كقوله تعالى : { إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم } الرعد 11 . ومنها ما يقدم بعض التفصيلات كإخباره صلى الله عليه وسلم عن الفئة التي ستأتي من قبل المشرق وإخباره عن فشو الأمراض الغريبة في الذين تفشو فيهم الفاحشة وقد أوجدت معرفة السنن عند السلف حسّاً خاصاً بالتعامل مع الواقع من خلال إفرازاته المستقبلية فهذا أبو بكر يقول ” لا تغبطوا الأحياء إلا على ما تغبطون عليه الأموات ، وهذا عمر يأتيه خبر فتح خراسان فيقول للناس في المدينة ” لا تبدلوا ولا تغيروا فيستبدل الله بكم غيركم ، فإني لا أخاف على هذه الأمة إلا أن تؤتى من قبلكم ” الطبري 4- 173 . ولما جاءوا إليه بغنائم جلولاء فرأى ياقوتة وجوهرة فبكى ، فقال له عبد الرحمن بن عوف ما يبكيك يا أمير المؤمنين وهذا موطن شكر ؟ فيقول عمر : ” والله ما ذاك يبكيني ، وتا الله ما أعطى الله هذا أقواماً إلا تحاسدوا وتباغضوا ، ولا تحاسدوا إلا ألقى الله بأسهم بينهم ” الطبري . وقد كان ما خافه . وقديماً قيل : لا مستقبل بلا عمل ولا حلم بلا أمل . إن النجاح مطلب يسعى إليه كل إنسان ، ولا يسعى للنجاح من لا يملك طموحاً، ولذلك كان الطموح هو الكنـز الذي لا يفنى ، فهذا عمر بن عبد العزيز يقول معبراً عن طموحه : ” إن لي نفساً تواقة ، تمنت الإمارة فنالتها وتمنت الخلافة فنالتها ، وأنا الآن أتوق إلى الجنة ، وأرجو أن أنالها ” . فالنجاح عمل وجد وتضحية وصبر، ومن منح طموحه صبراً وعملاً وجداً حقق نجاحاً ، ومن جدّ وجد ومن زرع حصد. ومن الطموح التطلع لمستقبل أفضل ، لأن المستقبل يُصنع في الحاضر، ومع أن المستقبل بيد الله ، إلا أن للإنسان دور في تحقيقه قال تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يُرى﴾
بعض الدعاة يكادون يلغون النظرة إلى المستقبل ويعيشون على الماضي والدوران في ساقيته ، دون اهتمام كافٍ بمشكلات اليوم ، وتطلعات الغد ، شعارهم : ما ترك الأول للآخر شيئا ، وليس في الإمكان أبدع مما كان متناسين أن الواجب يفرض علينا أن نكون عدولاً بين أمسنا ويومنا وغدنا ، نقتبس من الأمس ونعمل لليوم ونستعد للغد ، وقد قص القرآن علينا من أنباء الرسل والصالحين ما فيه عبرة لأولي الألباب ، في مواجهة احتمالات المستقبل ، قص علينا كيف أنقذ الله على يد يوسف عليه السلام مصر وما حولها من أزمة غذائية خطط لها أحسن تخطيط لمدة خمسة عشر عاما ، وكان مما علمه الله ليوسف ، وقصة ذي القرنين الذي بنى سده العظيم ، ليقف حاجزاً ، ضد هجمات قبائل يأجوج ومأجوج ، فكان بناء السد من المشروعات الأمنية المستقبلية لمواجهة احتمالات الغد ، وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم حين كان يعرض دعوته على قبائل العرب في مواسم الحجيج بمكة ، يطلب منهم الإيمان به ، والنصرة له كان يفكر في مستقبل دعوته ، وكان الصحابة والخلفاء الراشدون من بعده ، يحسبون حساب المستقبل .
فالوصول إلي المراد يتم بالعمل والاجتهاد ، ومغالبة الواقع وان كان الهدف يبدو بعيدا ، فان الله لا يضيع أجر العاملين ، وقيل : لكل مجتهد نصيب. قال الشاعر :
بقدر الكد تكتسب المعالي ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن طلب العلا من غير كد أضاع العمر في طلب المحال
فالإنسان مجبول على التطلع للمستقبل ، على أن لا يكون هروباً من الحاضر، ولا تجاوزاً للسنن الربانية ولكنه الأمل الذي يدفع إلى العمل .
والراشدون من أمة الإسلام ، كانوا يَعُدون النظر في المستقبل وتوقع أحداثه ، من الأسباب التي جاءت بها الشريعة ، كان عمر رضي الله عنه محدثاً ملهماً قلما قال لشيء : أظنه كذا ، إلا كان كما قال ، وكان يقول : تفاءل بما تهوى يكن فلقلما يقال لشيء كان إلا تحققا
وهذا هو التفاؤل الإيجابي الحذر، وليس التمنيات العريضة الفارغة ، وقد استقبلت أنفسهم خبر الصدق عن هذا الدين وأهله ، وما سيقع له من التفوق والانتشار، وما سيطرأ عليه من النقص والخلل والفتنة ، حتى الموعودون بالجنة تبشيراً صادقاً ، لم يعن هذا لهم خروجاً على قانون الشريعة، ولا تنصلاً من الأمر والنهي، ولولا ما علم الله عنهم من الثبات على دينه ومحاذرة التجاوز ، ما كانوا أهلاً لذلك الوعد الكريم.
ومن الخلل المصاحب لهذا الضرب في الحياة الإسلامية المعاصرة اعتبار ضمان المستقبل لهذا الدين، ولذلك أخلدت الأمة للقعود والتواكل ومضغ الحديث ، مكتفين بأن دين الله منصور، بينما هو منصور بجهود مباركة زكت فيها النية وحالفها الصواب، وقرأت المعطيات وتذرعت بالأسباب ،، وفي مثل هذه الحال يغدو التفريط والتساهل في دراسة المستقبل واحتمالاته ، تفريطاً في الضروريات وغفلة عما أوجب الله على العباد ، من التدبر والنظر والتخطيط ، ولعل من أثر ذلك الانشغالات الجزئية بالهموم الخاصة عن هم الأمة الكبير .
وما علموا أن النجاح في الحياة ما هو إلا ثمرة من ثمار التخطيط الناجح ، أما الفشل فيعود لغياب التخطيط للمستقبل ، ومشكلة الأمة تكمن في غياب ذلك ، بحيث لا يفكرون إلا في اللحظة الراهنة ولا ينظرون إلى تحديات المستقبل ، مما يجعلهم يفقدون القدرة على التعامل مع تحديات المستقبل وفرصه ، فلا يعرفون متطلبات الزمان فيقعوا في دائرة الفشل ، لعدم الشعور بالمسؤولية والإنسان الذي يعيش بدون أي شعور بالمسؤولية تجاه نفسه أو أهله أو مجتمعه أو أمته ، لن يشعر بأهمية التخطيط للمستقبل، بل يعيش في حالة يرثى لها بحجة التفكير في الآخرة والابتعاد عن الدنيا! وبهذا نبرر تقاعسنا وكسلنا عن القيام بأعمال صالحة في الدنيا ، بمفاهيم خاطئة عن الدين، مما يدفعنا لعدم التخطيط للمستقبل فضلاً عن التفكير فيه ، والمطلوب أن نخطط لحياتنا الدنيوية والأخروية معاً !وأن نوازن بينهما، يقول الله تعالى : { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً ) والتخطيط للمستقبل الدنيوي يجب أن يدفعنا للقيام بالأعمال الصالحة التي تقربنا من الله عز وجل، وتجعلنا نفوز بالآخرة .
من المدهش أن نجد في ظل غياب التفكير الجاد في أمر المستقبل، سواءً كان المستقبل الشخصي للفرد في حياته العملية والاقتصادية والاجتماعية، أو المستقبل العام للأمة أن تجد حضوراً مذهلاً للكهنة والعرافين والمنجمين الذين يفيضون على الناس خليطاً من التجربة العادية، ومن وحي الشياطين، ومن الحدس والبراعة، ومن الخداع والاستغفال، ويتفننون في توظيف المشتركات البشرية التي لا يخلو عنها أحد ، فيستهوون بذلك السذج والبسطاء ويخدرون عقول العامة، ويتقحمون حرمة الغيب المصون : { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون } النمل65 . والمستقبل في جانب منه غيب لا يعلمه إلا الله ولا ينبغي أن نقحم أنفسنا فيه وهذا ما تجده في برامج الحظ والأبراج في القنوات الفضائية أو الإذاعات أو الصحف ، وهو ما تجده أيضاً في الزوايا المظلمة التي يقبع فيها السحرة ومستخدمو الجن والمشعوذون ، حيث تذبح الأديان والعقول، وتهدر الأموال بلا حساب .
وللمرء أن يطول عجبه من أمر هذه الأمة في غفلتها عما أوجب الله عليها، وهجومها على ما حرم، وانتهاك بعض منتسبيها لأستار الشريعة وادعاؤهم ما ليس لهم به علم في الوقت الذي تمر البلاد الإسلامية بتحولات يُحَضّر لها قد تشهد المنطقة أحداثها ، وأزمة مفتوحة يعلم الله وحده نهايتها ، وعن فوضى قد تضرب أجزاء من المنطقة في جانب أو آخر ، وإذا كان هذا من الغيب ، فهو من الغيب الذي جعل الله له مفاتيح تلتمس بدراسة المقدمات والأسباب ، وقراءة الواقع في المنطقة ذاتها ، وتحري أهداف السياسة الغربية، والأمريكية خاصة، في مرحلتها المقبلة ، والعوامل المؤثرة فيها، واستحضار التجارب المشابهة ، ليوجد الإنسان المؤمن القادر على أن يعيش عصره ، من غير أن يفقد نفسه ، وينسى أمسه فقد جاء في الأثر : ( رحم الله امرءاً عرف زمانه واستقامت طريقته ) وفي الحديث الذي رواه ابن حبان : ( ينبغي للعاقل أن يكون عارفاً بزمانه ) فهل يصحو المخلصون من سباتهم ، وهل يستمع المعنيون إلى أصوات الرشد التي تدعو إلى تجاوز الماضي ، ومواكبة الأحداث ، والامتثال لمخاطبات التغيير الناصحة المشفقة :{إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} هود 88 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *