قال تعالى:{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثير} 40 الحج . إن كل الأماكن التي يعبد فيها الله ، معرضة للهدم رغم قدسيتها ، لا يشفع لها في نظر الباطل أن يذكر فيها اسم الله ولا يحميها إلا دفع الله الناس بعضهم ببعض أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرماتها ويعتدون على أهلها فالباطل قبيح لا يكف ولا يقف عن العدوان ، إلا أن يُدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول ولا يكفي الحق أنه الحق ليوقف عدوان الباطل ، بل لابد من قوة تحميه وتدفع عنه وهي قاعدة كلية لا تتبدل ، مادام الإنسان هو الإنسان ، والإسلام مع هذا لا يعد القتال غاية لذاته ، ولا يأذن به إلا لغاية أكبر بل إن السلام هو غاية الإسلام كما تقرر آيات كثيرة في القرآن ولكنه السلام الذي لا اعتداء فيه ، فلا ظلم ولا بغي ولا عدوان وإن الوقوف في وجه الباطل ومقاومته ، سواءً كان عدواناً خارجياً أو تسلطاً داخلياً ، هو أمر مطلوب شرعاً لا جدال فيه إلا أنّ هذه المقاومة تأخذ أشكالاً متعددة ، طبقا للواقع المبطل من ناحية ، وتبعا لقدرات الواقع الإسلاميّ على المقاومة من ناحية أخرى . وتأتي هذه المقاومة في الشريعة تحت أبواب عدة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدعوة إلى الجهاد لدفع المعتدي ، فكلها طرق تؤدى إلى إصلاح الواقع وتقويمه والجهاد فرض إذا احتلت ديار الإسلام ، وعلى كلّ مسلم المشاركة فيها بأي شكل كان ، لأن الجهاد واجب محتوم وقدر مرسوم لا فكاك منه ، فخيار الجهاد ضرورة عند القدرة عليه قال تعالى:{ انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } التوبة ، فجهاد المعتدي مشروع في الإسلام ، وإن جرّت الحرب ما تجرّ على أبنائها من أهوال وخسائر وقد قال شوقي:
الحرب في حقّ لديك شريعة ومن السموم الناقعات دواءُ والشّر لا يندفع إلا بالقوة ، وأهله لا يرتدعون إلا بها ، كما قال شوقي:
والشرّ إن تلقَه بالخير ضقت به ذرعا وإن تلقه بالشرّ ينحسمِ فلابد من خوض خيار المقاومة المسلحة ضد المحتلّ ، وهو ديدن البشر منذ بدء الخليقة ، يبغي القوى على الضعيف ، فيثور الضعيف على القوى ، ولا يزال الصراع قائما حتى ينتصر أحد الفريقين ، إما أن يستسلم الضعيف فيهلك ، وتتبدل ثقافته ووجوده كله بثقافة المعتدى ووجوده ، ويصبح خبرا بعد عين وتتحاكى به الأمم التالية في أخبار التاريخ ، وإما أن يستسلم القوى لإصرار المقاومة وثباتها ، وتكون حربه عليه حسرة وندامة ، ويصبح الضعيف قوياً بعد ضعفه ، وتبقى ثقافته وحضارته تكافح على وجه الأرض ، وهكذا حديث الدنيا وتداول الأيام .
وفي التاريخ عبرة وعظة ، والدهر والزمان متقلبان لا يثبتان والأيام دول ، يوم لك ويوم عليك ، والدعوات الصادقة لا تهزم أبداً .
تالله ما الدعوات تهزم بالأذى كلا وفي التاريخ بَرُّ يميني لقد عرف التاريخ فرعون الذي سام المؤمنين من بني إسرائيل سوء العذاب ، فقتل أبنائهم واستحيى نسائهم ، وجعلهم شيعاً وتهددهم بأن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ولكنه ذهب إلى غير رجعة ، وصار في خبر كان ، ونجاه الله ببدنه ليكون لمن خلفه آية ، وكذلك يفعل الله بالمجرمين على مر الزمن ، والظالمون على مر الأيام يمرون ولا يثبتون ، يَعْلُونَ ولكنهم في الأرض لا يدومون ، وإن شئت فاسأل التاريخ ينبئك عن هامانَ وقارونَ وعادٍ وثمودَ وأصحابِ الرَّسِّ وقرونٍ بعد ذلك كثيراً ، ذكر الله خبرهم فقال :{ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} . أين الظالمون بل أين التابعون لهم في الغي ثم أين فرعون وهامان
أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان
هل أبقى الموت ذا عز لعـزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان
لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فـلا إنس ولا جان
وقد تعلمنا من الشريعة المطهرة أن الله يستطيع أن ينصر أوليائه ويهلك أعدائهم دون حرب ، لكن الله يريدهم أن يأخذوا بأسباب النصر ، وأنه سبحانه جعل لكل ظالم موعداً لهلاكه فقد روى مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :{ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ثُمَّ قَـرَأَ { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } . ونحن على يقين منذ أن المستقبل لهذا الدين وأن الأيام القادمة لن تكون إلا لأتباع دين محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلينا ألا نيأس ولا نخشى من الغيب ، ولا نخاف من الغد ، لأنَّ الدنيا وأيامها كلها بيد الله تعالى الذي وعد المؤمنين فقـال :{ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا } . سنعيش على هذا الأمل وسنحيى على هذا اليقين ، وأن لا نقرّ للمحتلين بملكية أرضنا ، وللغاصبين بمشروعية الغصب والقتل والتدمير ، وألا نوقعَ على ذُلِّنَا أبداً ولو وصلنا إلى حدٍ نعيشُ فيه نقبضُ على الجمرِ ونحفرُ في الصخرِ ، ونعاكسُ التيارَ لنُعلِّم الأمةَ أنَّنَا أبناء الأمة التي وعدها الله بالنصر ، أما الداعون لليأس، المنادون للإحباط والقنوط ، فهؤلاء لن يصنعوا بإحباطهم الحياة ، ولن يعمروا بيأسهم الدنيا ، وسيعيشون في الزوايا والقباب والبيع ، يشابهون الذين جعلوا من دينهم قال تعالى :{ رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِم } . لقد قضت إرادة الله بوجود الطائفة التي تتصدى للباطل وأهله في الدنيا كلها ، وهي التي توقظ الأمة ، كلما أخلدت على النوم ، وتعلِّم الأمة بأن لا تيأس وتستسلم للواقع المر ، الذي يعاني منه المسلمون .
لا يأسَ مهما غرقنا في مآسينا وأمعنَ الكفرُ ذبحاً في ذرارينا لا يأسَ فاليأسُ كفرٌ في عقيدتنا وما ارتضينا سوى الإسلام ديناً سنظلُّ أسداً وإنْ قُصَّتْ مخالبُنَا ولو جرى بدمِ الثوارِ وادينا
إنَّ ما يحدث الآن يجب أن يزيدنا إيماناً بأن الله أَذِنَ للمسلمين أن يستعيدوا قوتَهُم لكي يواصلوا رسالتَهُم بإخراج العالم كله من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى ، وأن الله سيجعل لنا مما نحن فيه فرجاً ومخرجاً ، وليبلغنَّ هذا الدينُ ما بلغَ الليلُ والنهارُ بإذن الله تعالى ، فقد روى الإمام أحمد في المسند بإسنادً صحيح عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ ) . فهذا الدين دين الله تعالى، والله ناصر دينَه ومعزٌّ نبيَه ، وقد قضى الله تعالى أنْ يكونَ دينُه هو الغالب ، وأنَّ تكون شريعتَهُ هي الظاهرة ، فقال سبحانه : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ } . إن ما يجري في غزة من عدوان إسرائيلي سافر كان موضع متابعة من الإعلام الإسرائيلي ، فمراسل «هآرتس» للشؤون العربية، تسفي برئيل، كتب تحت عنوان «السكوت علامة الرضا» فاضحاً هذا الموقف، فبرئيل يرى أن الردود التي قالت : إن حماس أعطت إسرائيل الذريعة للشروع في حرب غزة ، وأن الهجوم على غزة هو أكثر من رد على نار الصواريخ فقد فُسر ذلك في إسرائيل كإسناد لمواصلة الهجوم على غزة . كما أن الردود الفاتره وعدم الرد المدين حتى الآن ، يدل على أن الهجوم على غزة ، رغم دمويته وقسوة الصور التي عرضتها وسائل الإعلام العالمية- يتم التعامل معه عربياً على أنه حرب على حماس الإرهابيه كما يقولون ليس إلا ، هكذا فهم الإعلام الإسرائيلي المواقف الرسمية ، في حين أن المسئول الإسرائيلي لا يحتاج لقراءة «هآرتس» ومراسلها برئيل، ليفهم جوهر المواقف الرسمية ، لأنه بكل بساطة مطلع بصورة مباشرة ، على حقيقة تلك المواقف .
إلا أن غزة على محدودية مساحتها وإمكاناتها ، ورغم جراحها أثبتت أن هذه الأمة عظيمة وقادرة على التحدي ، فـإسرائيل رغم فداحة الجريمة التي ارتكبتها في غزة، ومع كل إمكاناتها العسكرية ، ازدادت قناعة بعد عدوانها بأنها بإزاء معضلة لا تملك لها حلاً ، أو بحسب تعبير كبير محللي «يديعوت حرونوت» ناحوم برنياع.. بأن إسرائيل أمام الاختيار بين الطاعون أو الكوليرا ، بعدما برهنت حماس قدرتها على الصمود وعلى إطلاق الصواريخ رغم احتلال الطائرات الإسرائيلية لسماء غزة بصورة كاملة ، والأخطر قدرتها على القتال ، وقد اعترفت إسرائيل ببسالة غزة وشراسة مقاتليها . لقد أصبح كل مواطن عربي يعيش وقائع حصار غزة وكأنه داخله ، وينفطر حزناً وغضباً وهو يتابع أخبار ضحايا الحصار من المرضى ، خاصة الأطفال والشيوخ والنساء وكأنه أقرب الناس إليهم . لذلك لم يكن ممكناً أن تمر جريمة الحصار كما مرت جريمة الاحتلال في 1948 وغيرها من الجرائم ، ولم يكن ممكناً كذلك أن تكون ردود الأفعال إزاءها نمطية ، لأن هناك احتلالاً تجب مقاومته ، وأنه حتى وإن أطلقت صواريخ المقاومة على إسرائيل ، فإن المسؤول عنه هو الاحتلال الذي يرفض تقديم أدنى تنازل للشعب الفلسطيني . وقد تمخض عن هذا الحصار دلالات لا يمكن أن يخطئها العقل ، وأولى هذه الدلالات هي أن مواقف معظم القوى الدولية المؤثرة ما زالت كما كانت إزاء جرائم إسرائيل الأولى ، إما التواطؤ أو الصمت أو على أحسن الفروض الاستنكار والإدانة اللفظيان ، دون أدنى عمل مؤثر ، يردع المجرم عن الاستمرار في جريمته . وهكذا تثابر هذه القوى بدأب على سياسة المعايير المزدوجة وتواطؤها يشكل غطاء ممتازاً يمنع الإعلام حتى من مجرد التغطية الإعلامية التي يستحقها حدث ضخم بهذا الحجم . ولا نسمع من هذا الإعلام غير كلمة واحدة هي : نتفهم حاجة إسرائيل الأمنية التي تدفعهم إلى مثل هذا الرد . أو هذا هو الرد الطبيعي على إطلاق الصواريخ . أو يقولون: العالم كله متفق على مكافحة الإرهاب ، أو هذا دفاع عن النفس مشروع ، في الوقت الذي يقرّون بأن مقاومة المحتل في كل شرائع العالم أمراً مدعوماً ومشروعاً من أمريكا في كثير من البلدان ، فلماذا أمريكا قلقة من معاناة الشعب في دارفور ، وليست قلقة من المذابح اليومية في غزة ؟ أليست هذه الازدواجية في التعامل ثم لماذا لا تتوحد الأمة ، أمام الرضى والدعم الدولي غير المحدود لإسرائيل وهم يرون في اجتياح غزة تخليصا لإسرائيل من الصداع الغزاوي المزمن ، المتمثل بحماس وقوى المقاومة الأخرى!! ويا ويح أمة يعصف بها الموت اليومي.. فمن لم يمت منها بصاروخ يموت كمداً وصمتاً وغبنا!! ويا ويح أمة عجبت من صبرها الأمم ، على ما يجري من استنـزافٍ لطاقتها البشرية واستنـزافٍ لمعنوياتها وتحملها ، إنه مخطط لئيم شرير ينبغي أن تقف له الأمة بحزم كبير ، وإلا فإنه الشر المستطير الذي لا ندري إلى أين سينتهي شره وشرره ، ويخطئ من يظن أن الصمت الشعبي العربي على ما يجري في غزة يعبر عن عدم اكتراث أو عدم رغبة باقتلاع كل المجتمع الاستيطاني الإحتلالي في فلسطين ، ويخطئ من يقلل من تلك الرغبة المتأججة ، بعدم القبول بالوجود اليهودي الذي يظن أنه يستطيع بالإرهاب ، أن يخيف من اهتدوا إلى طريق المقاومة ، ولذلك يحاول أن يعاقب عامة الناس ، لا المقاومين فحسب ، بطريقة إجرامية لدرجة يظن أنها سوف تدفعهم للضغط على المقاومة وإيقافها والدارس لتاريخ الشعوب والأمم التي يرد فيها المحتل على المقاومة الناجحة ، بحملات العقاب الجماعي . يجد أنه لو كان هذا الأسلوب ناجحاً ، لما تحرر شعبٌ ولما انتصرت مقاومة ولبقيت الشعوب ترزح في أغلال العبودية منذ آلاف السنين . وإن تصاعد العقاب الجماعي كان وما يزال حجة على من يمارسه لا على من تمسك بخيار المقاومة . لذلك يخطئ من يتوقع أن الإرهاب الصهيوني ، سيقف دون وجود قوة توقفه وفي التاريخ الحديث ما يدل على صدق ذلك ، فهتلر لم يكف عن حروبه بالكلام الحسن ، ولا بمزيد من الأراضي للترضية وهذه نتائج هتلر ونازيته المصدّرة لنا ، وهي أشر من كل نازية في التاريخ ، فكان من العار على الذين حاربوا النازية قديما أن سلحوا وأيدوا نازية اليوم ، التي تمارس هجماتها البشعة بكافة الأسلحة على سكان غزه ، وكل يوم تخرج لنا صور الضحايا والشهداء والجرحى ، ومشاهد التدمير والتخريب! حتى أن المرء ليقف أمام هذه الصور والمشاهد والأحوال مذهولا يتساءل من يطيق ما يطيقون ؟ ففي كل زاوية من زوايا غزة ، وفي كل بيت شهيد أو جريح أو أسير ، وفي كل بيت يتيم أو أرملة أو مسكين ، قصة وحكاية ، فربما فقدوا الكثير من مظاهر الحياة التي نحرص عليها ، ولا يمكننا العيش بدونها ، إلا أنهم ملكوا الدنيا كلها ، فقد أسروا هواهم وأصروا على البقاء في أرضهم ورغم القتل والتدمير والحصار ، ملكوا العزة والكرامة والبطولة والشجاعة ، والثبات والإقدام والتضحية في سبيل الله وإن من أسرار ثباتهم وما يرونه من أحداث يومية ، لا تنقل لنا ولا نسمع عنها ، أكتفي بذكر إحداها ، فمبنى الشرطة الذي كان مقراً للسلطة السابقة يقابله مبنى منهار ، وبالسؤال عنه أجاب الجميع ، بأنه كان مقراً للقوة التنفيذية الذي قصفته طائرات الاحتلال ، بينما لم تطلق رصاصة واحدة على مبنى الشرطة الذي يقابله ، والذي يفصل بينهما خمسة أمتار فقط فكانت نتيجة القصف شهيدان فقط ، أتدرون لماذا ؟ لأن الصاروخ الأول لم ينفجر ، فكان رسالة إنذار للمجاهدين ، أما الصاروخ الثاني فقد فجر السور الخلفي للمبنى ففتح مخرجاً للمجاهدين هربوا من خلاله للمزرعة الواقعة خلف المبنى ، أما الصاروخ الثالث والرابع فقضى على كل ما تبقى من المبنى لتكون الحصيلة نجاة أكثر من 60 من رجال التنفيذية وقادتها . إن السكوت عن الظلم , والتخلف عن نصرة المظلوم , أو مساواة الجلاد بالضحية جريمة قد يعجل الله تعالى العقوبة عليها لذا فإن كلّ مسلم ملزم بقدر من هذه المقاومة لما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري : ( رجلٌ جاهد بنفسه وماله ) أو باللسان توجيها وتصحيحاً وإرشاداً ، ببيان الحق وفضح الباطل ، فكلاهما مطلوب شرعاً ، ومقاومة التبديل المتعمد لمنهج الله وسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم ثم الصبر على هذا الدرب لازم لبلوغ المراد ، مهما بُذل فيها من أرواح ، فهي أرواح شهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، ومهما تلف فيها الغالي والثمين ، فالضائع هو ما لم يبذل في هذا الطريق ، والباقيات الصالحات هي خير عند الله ثوابا وخير عُقباُ ، لك الله يا فلسطين.اللهم وحد المسلمين وانصرهم على أعداء الدين واجعلهم أهلا للنصر والتمكين اللهم آمين .
