لقد جعل الإسلام حراسة الحق أرفع العبادات أجرا ، ولذلك حمل المسلمون في صدر الإسلام وعلى مدار التاريخ وحتى عهد قريب لواء الجهاد ، من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل . ( قيل يا رسول الله ! ما يعدل الجهاد في سبيل الله ؟ قال : لا تستطيعونه فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً ، كل ذلك وهو يقول : لا تستطيعونه ثم قال : مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله ، لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله ) البخاري .
آمنوا بأن الموت في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ونصر دينه هو تكريمٌ إلهي ، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف يرجو هذا المصير فقال : ( والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ، ثم أغزو فأقتل ) البخاري .
ولذلك كانت صيحة الجهاد تستهوي المسلمين ، ولهذا بذل أعداء الله جهوداً كبيرة لشغل المسلمين عن هذه الذروة النبيلة ليضمن سيطرته على المسلمين دون مقاومة ، فماذا فعلوا لتحقيق ذلك ، لقد عملوا على تكثير الشهوات أمام العيون الجائعة ، وتوهين العقائد والفضائل التي تعصم عن الدنايا وإبعاد الإسلام شكلاً وموضوعاً عن مجالات الحياة ، وتوهين روابط الأخوة بين المسلمين ، وها نحن نلمس نجاحهم ، إذ لم يستطع المسلمون توحيد صفوفهم ، لصد العدو الذي احتل أرضهم واستباح مقدساتهم ، أتدرون لماذا ؟ لأن المسلمين تحللوا من الإيمان وفرائضه ، والقرآن وأحكامه ، ويوم يرجع المسلمون إلى منهج ربهم ، فإن النصر سيكون حليفهم ، لأن المسلم إذا تسلَّح بسلاح العقيدة ، لأنها لبنة الأساس ، ولا يقبل الله من قوم شريعتهم إلا إذا صحت عقيدتهم ، ولن يكون لنا عز إلا إذا تربينا من جديد على العقيدة ، فمن تربى عليها وقاتل في سبيل الله ، فلن يقف دونه شيء ، أسوق لكم هذه القصة للدلالة على ذلك : روى فيما مضى أن قوماً كانوا يعبدون شجرة من دون الله ، فخرج رجلٌ مؤمن من صومعته وأخذ معه فأساً ليقطع بها تلك الشجرة ، غَيْرَةً لله وحَميّة لدينه فتمثل له إبليس في صورة رجل وقال له : إلى أين أنت ذاهب ؟ قال : أقطع تلك الشجرة التي تعبد من دون الله ، فقال له اتركها وأنا أعطيك درهمين كل يوم ، تجدها تحت وسادتك إذا استيقظت كل صباح ، فطمع الرجل في المال وانثنى عن غرضه فلما أصبح لم يجد تحت وسادته شيئاً ، وظل كذلك ثلاثة أيام فخرج غاضباً ومعه الفأس ليقطع الشجرة ، فاستقبله إبليس قائلاً : إلى أين أنت ذاهب ؟ قال : أقطع تلك الشجرة ، فقال له إبليس ارجع فلو دنوت منها قطعت عنقك ، فقد خرجت في المرة الأولى غاضباً لله ، فما كان يقدر عليك احد ، أما وقد خرجت للدنيا فلا مهابة لك ، ولن تستطيع تحقيق هدفك .
لقد استمات عدونا في محو الإيمان الخالص وبواعثه المجردة في نفوسنا ، استمات في تعليق الأجيال بعرض الدنيا ولذة الحياة استمات في إرخاص القيم الرفيعة ، وترجيح المنافع العاجلة لأن وجود عبيد الحياة ومدمني الشهوات ، يجعل العدوان سهلاً ولا يلقى مقاومة ، ولصد العدوان لا بد من بناء المجتمع على قواعد الدين وإحكامه ، لأنه السياج الذي يحمينا في الدنيا وينقذنا في الآخرة ، فترك صلاة ما هو إضاعة لفريضةٍ مهمة وإشباع النـزوة قد يؤدي إلى ارتكاب جريمة ، وهذا وذاك يمثلان في الأمة المنحرفة عن طريق الحق ، انهيار المقاومة المؤمنة والتمهيد للتسليم للعدوان ، دون رغبة في جهاد أو أمل في استشهاد ، ولعل هذا سرُّ قوله تعالى :{ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا } مريم 59 . كان لكلمة الجهاد إذا ما ذكرت أثراً بعيد المدى ، لأن التربية الدينية ترفض التثاقل إلى الأرض ، والتخاذل عن الواجب وهذه التربية هي التي تفتقر إليها أمتنا ، فتراها تنظر لمن يعانوا في ظل الاحتلال نظرة المتفرج ، لا تهب لنجدته ، ولذلك فنحن بحاجة إلى تربية أجيال صالحة لخدمة الحق ، ورد العدوان عن الأمة .
وعندما تمكن الأعداء من السيطرة على العالم الإسلامي حرصوا على أن يحولوا بين الأمة وروح الجهاد ، وحاولوا بشتى الطرق على أن لا تربى الأجيال المسلمة على روح الجهاد فعملوا على تنشئة جيل يبحث عن الشهوات ، ويخلد إلى الأرض فأصبحت الأمة بهذا الجيل ، جسداً لا تملك أمرها ولا تحكم يومها ولا غدها ، بل إنها في تبعيتها للغرب أهملت كل ما من شأنه أن يجعلها في مصاف الأمم المصنعة ، لتكون مستهلكة حيث تبيع ثرواتها المعدنية والزراعية ، بأكوامٍ من المواد المستهلكة ، وأدوات الزينة والترف ، مع فقرها المدقع إلى ما يدفع عنها جشع العدو ، ونياته السود في اغتيالها وإبادتها وقد جاء هذا الواقع نتيجةً حتميةً لاتخاذ القرآن مهجورا ونبذ تعاليمه ، إلا من ممارسة بعض الآثار الدينية السهلة ، بترك اللباب والاهتمام بالقشور ، المتعلقة بالمندوبات والمستحبات وبعض الاحتفالات ببعض المناسبات ، تعبيراً عن حب الرسول صلى الله عليه وسلم مع أن حباً غايته احتفال أو صلواتٌ تفلت من الشفتين مصحوبة بعواطف ، قلما تتحول إلى عمل كبير وجهاد خطير في وقتٍ يُهمل منهج الله أمرٌ مرفوض ديناً ، إن لم يكن ضرباً من النفاق ، وقد يكون حبهم تمسكاً شديداً ببعض النوافل وهروباً تاماً من بعض الفرائض ، فحب الله ورسوله يوم يكون لقباً يضفيه عليه الكسالى ، هو حب لا وزن له ، ويوم يكون قراءة لكتابه في مواكب الموت ومجالس العزاء ، فهو حبٌ لا وزن له ولا اثر .
وإني ألمح في كل ناحية استهانة بالفرائض ، وإيثاراً للسطوح عن الأعماق والأشكال عن الحقائق ، فهل بهذا نعيد مجداً تهدّم ، أو نرد عدواً توغل ؟ ومن هذا حالهم ما قدّروا دين الله حق قدره ، ولا غالوا بشرف الانتساب إليه ، عندما ابتلوا بالتقصير فيه ، بل إن فيهم من يريد العيش بعيداً عن رسالته زاهداً في دعوته ، ينأى بنفسه عن ميدان الشرف والسيادة ومقومات الحق في الدنيا والآخرة . لقد جرب المسلمون الانسلاخ عن دينهم وترك جهاده ، فماذا أصابهم بسبب ذلك حصد خضراءهم في الأندلس ، فخلت منهم بلاد طالما ازدانت بهم وعنت لهم ، فعرب الأندلس لم يتحولوا عن داره طائعين ولكنهم أخرجوا مطرودين ، وها هي بلاد المسلمين تتهاوى وتتساقط الواحدة تلو الأخرى ، لتضيف المزيد إلى تعداد الدول الإسلامية المغتصبة بعد الأندلس وها هو الحال يتكرر في فلسطين وأفغانستان والعراق وغيرها ، وما من ملبّ وما من مجيب! ترى هل سكرت أبصارنا؟! أم ضرب على أسماعنا فلم تعد أنات إخواننا وصرخات أسرى المسلمين تصل إلى أذاننا؟ نرى صور الصواريخ التي تهدم وتقتل والجرّافات التي تقتلع الأشجار والمزروعات ، وصور من يئنون ويصرخون من قلة الموارد والزاد بسبب الحصار ، ينادون وامعتصماه ؟
إن ما أصاب المسلمين من ذل وهوان ، وضياع للديار وتسلط الكفرة الفجار ، لم يكن إلا بسبب ترك الجهاد والقعود عن القتال ، وهذا من العذاب الذي يعد الله به تعالى تاركي الجهاد قال تعالى : { إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } إن الاكتفاء بالحديث عن فلسطين وأفغانستان وغيرهما لا يكون إلا من الضعفاء والعاجزين ، ورغم أنه حديث يثير الأسى ، إلا أنه حين يصدق ، لا يزيد عن شعارات ، سرعان ما تنطفئ أمام واقعتا الأليم . ولذلك شرع الله القتال لأنه يمثل المعركة الحقيقية بين الحق والباطل ، وبين جند الله وجند الطاغوت قال تعالى : {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} وحينئذ لن يقف أمامنا يهود أو نصارى أو ملاحدة قال تعالى : { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} .
