من السهولة بمكان أن يكون المسلم مصليًا أو صوّامًا أو قوّامًا أو داعية أو خطيبًا أو معلمًا أو حتى عالمًا، ولكن من الصعوبة بمكان أن يكون وَرِعًا ، لأن الورع رتبةٌ عزيزة المنال، رفيعة المكان، ومتى ما ارتقى الإنسان إلى مرتبة الورع فقد نال أسمى المراتب، وتحلّى بأجمل المناقب التي تؤهّله لمنزلة النبيين والصديقين والشهداء، وإن ما نلاحظه من قلة البركة، وفساد الثمرة، وتردّي الأخلاق، وكثرة الشقاق، والتهاون بالذنوب، وضياع الحقوق، وانتشار الفسوق ومظاهر العقوق؛ لهو نتيجة لغياب مفهوم الورع .
فما هو الورع : الورع لغةً: الكَفُّ عن المحارِم والتحَرُّج منه، وفي الشرع ليس الكف عن المحارم والتحرُّج منها فقط، بل هو الكف عن كثيرٍ من المباح، والانقباض عن بعض الحلال خشية الوقوع في الحرام ، أي اجتناب الشبهات خوفًا من الوقوع في المحرمات . فأين نحن من تجنّب الشبهات؟ وأين نحن من عدم التسرّع إلى تناول أعراض الدنيا؟ وأين نحن من الإحجام عما يُخشى ضرره وتُخاف عاقبته؟ إن أكثر الناس اليوم لا يهمّه إلا أن يجمع المال وأن يحقق مآربه في الدنيا، أما السؤال عن الحرام والحلال والأجر والإثم والجواز والمنع، والريبة وعدمها، فذلك آخر ما يفكر فيه الإنسان ، ولذلك نرى كثيرًا من الناس ينساقون وراء معاملات وعروض بنكية ربوية ، ومسابقات عجيبة، ودعوات غريبة دون التفات للشرع ، وبعضهم قد امتلأ بطنه، وعظم رصيده، وغذي بالحرام جسمه ، لأنه لا يعرف معنى الورع .
نعم ما نعيشه اليوم من نهب الأموال واستغلال خيرات البلاد من قبل شرذمة قليلة ، وتجبر الحكام وشطط في استعمال السلطة لدى المسؤولين ، ما هو إلا نتيجة لغياب خلق الورع الذي تربى عليه الرعيل الأول من هذه الأمة فحققوا العدل ، وتربى عليه من جاء من بعدهم فساروا على نهجهم ، فهذا عمر بن الخطاب يقول لأصحابه : من يصف لي الورع فقال رجل : أهل الصلاة ، قال لا يصلي البر والفاجر ، قالوا اهل الصيام قال : لا يصوم البر والفاجر ، قالوا : أهل الصدقة قال: يتصدق البر والفاجر ويحج البر والفاجر ، فقال : الورع من إن عاملته بالدرهم والدينار صدق وروى الحكيم الترمذي في أدب النفس : أن رجلًا أثنى على رجل عند عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال: صحبته في سفر؟ فقال: لا، قال: فأتمنته على شيء؟ قال: لا، قال: ويحك! لعلك رأيته يخفض ويرفع في المسجد.
وهذا عبيد بن عمر أحد الفقهاء السبعة في المدينة قال له رجل بعد الصلاة : عظني يا إمام ، فأخذ حصاة من الأرض وقال له : والله لزنة هذه من الورع في حقوق الخلق ، أحب إلى الله من نافلة أهل الأرض جميعاً صلاةً وصياماً ، وهذا حذيفة بن قتادة المرعشي رأى بعض التجار في السوق عند الآذان يغلقون المحال ويتزاحمون على الصلاة في الصف الأول فقال لهم : يا أيها التجار كلوا الحلال وأدوا الحقوق ، ولا يضركم أن صليتم في الصف الأخير ”
أما الفرق بين الورع وبين الزهد كما قال ابن القيم: ” الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة ” وجاءت السنة النبوية ترغب في الورع ، عن سعد بن أبي وقاص وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فضل العلم أحبُّ إليَّ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع) رواه الحاكم والبيهقي وصححه الألباني في صحيح الجامع . قال المناوي في فيض القدير: ” لأنَّ الوَرِع دائم المراقبة للحقِّ، مستديم الحذر أن يمزج باطلًا بحقٍّ ، وهو خير خصال الدين، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه يعتبر بيانا جامعا لحقيقة الورع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغه إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) . قال ابن دقيق العيد في شرحه لهذا الحديث من كتاب شرح الأربعين النووية: الأشياء ثلاثة أقسام: فما نص الله على تحليله فهو الحلال، وما نص على تحريمه فهو الحرام والشبهات هي كل ما تتنازع فيه الأدلة من الكتاب والسنة وتتجاذبه المعاني… فالإمساك عنه ورع… ومن العلماء من اعتبر الشبهات حراما لقوله صلى الله عليه وسلم: ( فقد استبرأ لدينه وعرضه ) ومنهم من اعتبرها حلالا لقوله: (كالراعي يرعى حول الحمى ) ومنهم من جعلها في منزلة بين الحلال والحرام كما في الحديث… وبعض العلماء آثر التقسيم فقسكم الشبهات إلى ثلاثة أقسام:
– منها ما يعلم أنه حرام ثم يشك فيه هل زال تحريمه أم لا؟ كالذي يشك في حيوان مذبوح هل ذكاته شرعية أم لا؟ فالأصل حرمته قبل الذكاة حتى يحصل بها يقين… ومثاله حديث عدي بن حاتم قال: يا رسول الله إني أرسل كلبي وأسمي عليه، فأجد معه على الصيد كلبا آخر. قال لا تأكل إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره.
– ومنها ما يعلم أنه حلال ثم يشك في تحريمه ، كرجل له زوجة فشك في طلاقها، فهذا يبقى على الإباحة حتى يحصل علم بالتحريم، وأصله حديث عبد الله بن زيد فيمن شك في الحدث بعد الطهارة ( شكا أنه يجد الشيء في الصلاة فنصحه النبي صلى الله عليه وسلم بألا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا).
– ومنها : أن يشك في الشيء فلا يدري أحلال أم حرام ويحتمل الأمرين معا، ولا دلالة على أحدهما، فالأحسن أن يتنزه عنه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الثمرة التي وجدها في بيته فقال: ( لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها ).
ومن مظاهر الورع : يكون في النظر بحفظه عن الحرام وغضّه عن الفتن ويكون في السمع، ويكون في البطن فلا يأكل أو يشرب إلا ما اطمأن إلى جوازه ونفعه، ويكون في الفرج بحفظه عمّا حرّم الله ، ويكون في المشي والسفر، ويكون في البيع والشراء.
ومن أهم مظاهر الورع: الورع في المنطق: وهو يدل على سلامة النفس، وصفاء القلب، وقوّة الإيمان، والورع في المنطق والأقوال أشدّ وأشقّ من الورع في الأفعال، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم)، ويقول أحد السلف: ” الورع في المنطق أشد من الورع في الذهب والفضة، فإن من الناس من يستطيع أن يملك نفسه ويكفّها عن الشهوات والشبهات، ولكنه لا يستطيع أن يسجن لسانه، ويملك بيانه، فلا ينطق إلا بخير، ولا يتكلم إلا بمعروف ولا يحدّث إلا بصدق وعدل وحق، ولا يخوض فيما لا يعنيه، ولا ينال مسلمًا بما لا يرضيه، ولا يرم بريئاً بما ليس فيه، ولا يتتبّع العورات، ولا يتصيّد العثرات، ولا يُشهر بالهفوات، فمن وُفِّق إلى الورع في حفظ اللسان فقد بلغ الغاية في مراتب الإيمان “.
