الترف في الإسلام من كبائر الإثم ، وهو من أهم أسباب سقوط الدول وهلاكها قال تعالى: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قريةً ، أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً ﴾ الإسراء 16 .
إن الترف قرين الظلم ، وما شاع الظلم في مجتمعٍ إلا وكان نذيراً لعذاب الله ، وقد حدثنا القرآن الكريم عن إهلاك الله للأمم الظالمة ، بسبب ما انغمست فيه من ألوان الترف قال تعالى: ﴿ وكَم قصمنا من قَرْيَةٍ كانت ظالمةً وأنشأنا بعدها قَوْماً آخرين ، فلما أحسُّوا بأسنا إذا هم منها يَرْكُضُون ، لا تَرْكُضوا وأرجعوا إلى ما أُترفتُمْ فيه ، ومساكِنِكُمْ لعلكم تُسألون﴾ الأنبياء 11. ومن ألوان الترف والفسق ، انتشار الحانات والمراقص وانتشار البغاء والسهر النجس في النوادي الليلية ، حتى أصبح الناس عبيداً لشهواتهم ، يهتمون بتلبية رغباتهم الدنيوية ، مهما كلفهم ذلك ، ولو كان على حساب دينهم . هذا في مجال السهر ، أما في مجال الفكر ، فهناك فريق من الكتاب والصحفيين والمبشرين ، الذين ساعدوا على انهيار المجتمع الإسلامي ، وصوغ أفكار الشباب التي لا تعدو ذلك العبث الصبياني ، في اصطياد امرأة وإجابة نزوة ، وإهاجة الغرائز السافلة ، وتمريغ كرامة الشباب في الوحل ، حتى انهارت الرجولة أمام طوفان اللذائذ الحيوانية ، وهي الأهداف التي يسعى الغرب لترسيخها ، ويسخِّر كل طاقاته في نشرها وما لم نستكبر على هذه الرغبات ، ونطرحها وراء ظهورنا ونتبع تعاليم ديننا ، فلن تصلح لنا حياة ولن تسلم لنا كرامة . إن الأفلام والمسلسلات الداعرة ، التي لا ينقطع لها توجيه فاسد في أغلب صحفنا ، قد ساهمت في انتشار الخلاعة ، التي فتكت بأبنائنا ، وتزداد مقاديرها ، بقدر ما تزودونا بها مصادر التوجيه ، من صحافة وإذاعة ومسرح في وقت تقل فيه أسباب المناعة الدينية .
إن الشباب المختالين في أزيائهم ، المشغوفين بلذائذهم من أشباه الرجال ، لن يستطيعوا أن ينهضوا بأمتهم ويقودوا السفينة إلى برِّ الأمان ، وإن أمةً تركز جلَّ اهتمامها وإعلامها ، على برامج الترفيه والتسلية ، وإقامة المهرجانات الغنائية هنا وهناك ، للترفيه على الحان الموسيقى وأصوات الغناء من مغنٍّ يجهل ربه ، ويشرب الخمر كما يشرب الماء وينظر إلى النساء نظرة السوائم إلى الكلأ المباح وبتلك المشاعر يغني ويتأوه ، ويتلوى أمام الجماهير في هذه المهرجانات التي نستطيع أن نقول ، بأنها عبارة عن أماكن لغو ولهو، والأغاني التي تعتمد في كلماتها ، وتلحينها وأدائها على هذا النفر من الناس ، الذين يسمون فنانين ، وهم في حقيقتهم عباد شهوات . أما الناس الذين يأتون ليستمعون فهم فئة تسمع ما يضرها ولا ينفعها ، يجلسون وقد ترادفت صرخاتهم ، وتلامست أجسامهم في غيبوبة عقلية ، وتخدير جنسي . حتى أن المغنين يكتبون أغنياتهم ، لتتوافق مع حركات صوتيه معينة تقوم بها النساء المغنيات ، لبعث النشوة الجنسية لدى السامعين ، فترى المغنية تتمايع وتتأوه ، حتى تصل إلى درجة مقرفة ، لا تليق بالأنثى ولا بالرجل. أما في التلفزيون وما يبث من الأغاني الخليعة ، وما يعرض من أفلام ، تهدف في مجموعها إلى شيء واحد ، هو إبراز الأنوثة العارية الطاغية بإظهار المفاتن الجسدية عند النساء ، حتى أن موضوع القصة ومغزاها لا يهم عندهم ، بقدر ما يهمهم من مفاتن الفنانات . لهذا نجد المشرفين على هذه الأعمال ، يبذلون أقصى الجهد لتأمين الفتيات الجميلات ، التي يطلب منها أن تقوم بأدوار تظهر فتنهن ، وهن يتحدثن عن الحبيب الهاجر والعاشق القاسي ، وذلك يعرض على شاشة التلفزيون ، أمام المراهقين والمراهقات من فتياتنا فضيحةً وجريمةً باسم القانون ، لتُملْأ البلادُ ميوعةً وتخنثاً ، وتدهوراً وانحلال .
إن مواقف الإثارة ، قد يسعى الشباب إلى تمثيلها في واقع الحياة ، وترديد الأغاني المبتذلة الفاجرة لاستهواء الفتيات . كما أن آثار الحفلات الداعرة والصور العارية والرقص الخليع ، تترسب في أعماق هؤلاء الفتيان ، تجذبهم نحو البحث عن اللذات الشهوانية من أي طريق . أما ما يعرض من تمثيليات ، فإنها كلهَّا تعتمد على اللغو الموصول وتسميم المشاعر والأفكار ، إذ تدور غالب موضوعاتها ، حول الحب والزواج والطلاق ، أو عرض للجرائم وظروفها وكيف تتم ، لتجعل هذه المواضيع الشغل الشاغل للناس ، أما الصالات التي انتشرت هذه الأيام ، حتى أصبحت وسيلة استثمار، فحدث ولا حرج ، وهي في اعتقادي تستحق الهدم والإزالة ، لأنها تساعد على تعويد المسلمين على الاختلاط والميوعة والتهتك ، روى أن أبا مسعود ، ذهب إلى حفلة عرس دعي إليه فما كاد يقع بصره على صورة في البيت ، حتى رجع من حيث أتى . وإذا كان هذا من أجل صورة فما بالك بإبراز العورات ، واستفزاز الغرائز ، التي تفتك بكل أثر للإيمان والتحفظ والتقوى ، لأن تعرية الظهور والنحور ، ولف الأرداف حتى تتراقص أثناء المسير ، لتثير الفتنه وتحرك الغريزة ، وما ذلك إلا للعيون النهمة ، والذئاب المتربصة ، الذين لا تنضبط غرائزهم ، إلا بمس العصا ووقع السوط قال تعالى : ﴿ أرأيت من أتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ، إن هم إلا كالأنعام بل أضل سبيلاً ﴾ الفرقان 43 . فماذا نفعل أمام ما تطلع به علينا مصانع اللغو والإفساد ، التي تصب سمومها صباح مساء في قلب بيوتنا ، لتجردها من بقايا الحصانة الروحية . أما يسميه المذيعون برنامج ما يطلبه المستمعون ، فإنه لتجريع الناس السموم الأخلاقية لأنه مخصص لتافه الطلبات ، ورخيص الأغنيات مما أفرح الغرب لنجاح هذا البرنامج في إفساد الأخلاق ، وكان سروره بذلك ، أكثر من سروره باستنـزاف أموالنا , ويشهد لذلك مفكروهم ، حيث يقول المبشر الأمريكي دوج : “ويلوح لي أن هوليود قد أثَّرت في الجيل الحاضر من المسلمين أكثر من تأثير مدارسهم الدينية” . إننا لم نخسر أمجادنا ، إلا عندما فتحنا بيوتنا لسموم الأعداء تكتسح بميوعتها صِلاتنا ، وتذيب برذائلها رجولتنا فكانت هزيمتنا هزيمة الأخلاق والعقائد ، قبل أن تكون هزيمة المعارك . يذكر لنا التاريخ ، أن المعز الفاطمي ، ظل يتهيب الإقدام على غزو مصر حتى جاءته الأنباء متواترة عن استهتار نساء الإخشيد ، فتحرك للعمل وهو يقول : “اليوم فتحت مصر” . إن استغلال محطات الإذاعة والتلفزيون ،لم تؤدِ مهمتها بما يتوافق مع ديننا الحنيف ،لأن الأداء دنيوي محضٌ ، بغير معنى ولا إخلاص ، ومن المؤسف أن يُذاع القرآنُ الكريم أو تُتْلى بعضُ الأحاديث النبوية من هذه المحطات ثم يعقب ذلك مباشرة ، أغنيةٌ أو رقصةٌ تفسد كل أثر للتلاوة أو الموعظة. ألم يعلم المسلمون ؟ أن أحدَّ سلاحٍ في يدهم ، هو زهدهم عن أسباب الترف ، واكتفاؤهم بالقليل الذي ينتجونه ويملكونه واستغنائهم عن الكثير المستورد ، خصوصاً إذا كان من عند أعداء الإسلام ، علماً بأنه لا يستطيع ذلك ، إلا من حَبَس شهوته ، وأظهر عفته وأبدى غناه وكبت فاقته . أما الذين يهرعون ، حيث تطلبهم الشهوات الطارئة ، والنـزوات العابرة ، فلن يكونوا إلا عبيداً ، وهم الذين يعيش المستعمرون على أمثالهم في الأرض . إن واجب المسؤولين والحكام ، الذين وضع الله مصاير البلاد ، ومصالح العباد في أيديهم ،واجبهم أن يسيروا بالعباد إلى بر الأمان ، وذلك لا يكون إلا بإتباع تعاليم الإسلام ورب حكمةٍ من مسئول ، تكون كالسد في طريق السيول . إن الأمة غافلةٌ عما يراد بها من كيد نتيجة هذه الانحرافات الاجتماعية ، ومادامت في غمرة الرجفة ، فعسير إن لم نقل مستحيل أن تدرك واقعها ، ومن مصلحة الأمة أن تهيب بالمسؤولين أن يضغطوا على كابح القاطرة ، قبل أن تصير إلى حافة الهاوية ، وذلك يكمن في التشريع الإلهي الذي يقول لمعاول الهدم من أصحاب الفنون الهابطة ، ارتفعوا أو دعوا فليس ، في حياة الأمم المجاهدة ، مجال لخيانة السفهاء ، وثرثرات السخفاء
فهل أمريكة مبدعة هوليود ، ومزرعة رذائل اليهود وهل قادة الحضارة الغربية ، أكثر غيرةً على الآداب العامة من دين الإسلام ، ومن الأمة التي لا تزال تحمل للدنيا رسالتها الخالدة .
يروي التاريخ أن أحد مفكري الغرب قال بعد هزيمة بلاده :” إن سرَّ الكارثة يعود إلى الفجور ، وأصدر تشريعاً يحدد للمرأة ، قياس ثوبها وأكمامها بشكل يستأصل دابر الفتنه” . فإذا كان هذا الاعتراف من الكفار، بأن الفجور سرَّ الكوارث فما بالنا لا نتبع تعاليم الإسلام ، الذي يريد منا أن نملك أنفسنا لا أن تملكنا أنفسنا ، وأن نحكم رغباتنا لا أن تحكمنا هي قال تعالى : ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً ﴾.النساء 37 .
إن علينا أن نعرف للفضائل قدرها ، وأن ندرِّب أبناءنا على الارتباط بها ، وأن نُخْرس هذا الضياع الملعون ، وبذلك نبقى أُمةً تَعْرف رسالتها ، وتحظى بعناية ربها.
الترف وحب الدنيا هلاك للأمة
