لقد بلغ التعصب الغربي ضد الإسلام والمسلمين حداً لا يطاق تعصب لا تتحدث عنه منظمات حقوق الإنسان ، لا بل تتعامي وتتغاضى عنه ، فهم يعملون جاهدين لوضع الخطط التي تساعد على خلق جيل زاهد في الانتماء لدينه ، جيل فارغ من عقائد الإسلام وتعاليمه ، غير متحمس له ولا حريص عليه يهاب الأديان الأخرى ولا يهاب عقيدته ، كما يعمل الغرب على تبنّي رجالاً يزورون تاريخ الأمة ، ويلمزون الإسلام ويغمزون أصوله وفروعه ووضع مقاليد الأمور قي أيد من استهوتهم الأمجاد الخاصة ، وأغراهم السلطان المطلق ، فأداروا رحى البطش والقتل ، غير مبالين بما يسببه ذلك من الضحايا واليتامى والأيامى ، كأنهم يرون أن المسلمين عبيد لهم ، وأن أرضهم كلاً مباحا لهم فتراهم في كثيرٍ من المواقف ، قد لبسوا جلد الحمل الوديع ، بحقيقة ذئبٍ مفترس ، يمارسون سياسة الاغتصاب والاجتياح ، يلطمون الوجوه غير مبالين بالقيم الإنسانية وكرامتها ، ينفذون خططهم بدهاء وخبث ، لمحو الإسلام وأمته ، والمسلمون مشغولون بخلافاتهم ، وبقضايا لا تسمن ولا تغني من جوع وفي الوقت الذي يتعرض المسلمون فيه للمجازر والمذابح ، تراهم يتساندون ضدنا ويتصالحون على تمويتنا ، ويساهمون إلى تكثير الضحايا ، وكأنما يحققون أمانيهم ويا ليتهم فهموا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ابغض بغيضك هوناً ما ، عسى أن يكون حبيبك يوما ما ) فهم يعتقدون أن هزيمة المسلمين هذه الأيام هي القاضية ، وبذلك يحققون أهدافهم التي من ضمنها تدمير الحضارة الإسلامية فهذا يوجين روستو مستشار جونسون في الستينات يقول : ” لا تستطيع أمريكا إلا أن تقف في الصف المعادي للإسلام ، أي إلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية ، لأنها إذا ما فعلت ذلك تنكرت للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها ” وهذا مسئول فرنسي قال في الخمسينات : ” العالم الإسلامي عملاق مقيَّد لم يكتشف نفسه حتى الآن اكتشافاً تاما ، وهو حائر قلق ضائق بتخلفه وانحطاطه وإن كان يعاني من الكسل والفوضى غير أنه راغب في مستقبل أحسن وحرية أوفر ، وعلينا أن نبذل كل جهودنا حتى لا ينهض ويحقق أمانيه ، ذلك أن فشلنا في تعويق نهضته ، يعرضنا لأخطار جسيمة ويجعل مستقبلنا في مهب الريح .. ويقول : إن صحوة العالم العربي وما يتبعه من قوى إسلامية كبيرة نذير بكارثة للغرب ونهاية لوظيفته الحقيقية في العالم” نعم منذ زمن بعيد ، والغرب مثقل بضغائن قديمة فهو يكره الإسلام كراهية شديدة ، ويشجع على اقتراف الخيانات وإشاعتها ، ويضيق ذرعا بكل ما ينتمي إلى الإسلام وإذا ما واتته الفرصة ، فإنه يضرب الإسلام بقوة ومكر ، وقد كانت روح الضغائن هذه ، وراء الحروب الصليبية قديما ، وأن هذه الروح لم تزل كامنة في الصدور ، كما كانت متأججة في قلب بطرس الناسك ، الذي أشعل الحروب الصليبية ، وما زالت هذه الروح وراء الحروب الاستعمارية حديثا ، فهذه هي ضريبة الذل والضعف والفرقة ، وما ندري هل هذا هو قصاص لنا أم امتداد لمحنتنا ، ومن العار علينا أن نترك المآسي النازلة بنا دون نكير أو نذير ، لأن تركهم أمن لهم على حياتهم ومن أمن على حياته فعل الشيء الكثير .
إن المسلمين مسئولون عما يقع للإسلام من أحزان لأنهم لم يعتبروا بما جرى لهم قديما أيام الحروب الصليبية ، إذ أدى تفرقهم إلى فتح الطريق إلى القدس ، فجعل الجثث أكواما ، كما عملت الصليبية والصهيونية معا للقضاء على الخلافة العثمانية وتقطيع أوصال العالم الإسلامي ، إلى دويلات صغيرة هزيلة ضعيفة ، تتصارع فيما بينها بما يحقق مصالح الأعداء ، ويحقق لهم السيطرة على مقدرات الأمة ، فانتزعت فلسطين لليهود ، واكتفت الصليبية بإرواء حقدها بنـزعها من يد المسلمين ، ونحيت الشريعة عن الحكم ، ولم يكتفوا بذلك ، بل وضعوا الخطط الكفيلة بعدم عودتها إلى الحكم مرة أخرى ، وعملوا على تربية أجيال تحمل أفكارهم وتنفذ مخططاتهم ، وكانت الطامة في طائفة من الحكام العسكريين الذين جيء بهم ليسحقوا الإسلام سحقا ، ويذبحون المسلمين وتقطر دمائهم من أيديهم ، ويعبّدون شعوبهم لمصالح الغرب لقاء شهوة السلطة وشهوة الطغيان . وقد وضعوا من أجل الوصول إلى هذه الأهداف ، مخططاتهم السياسية والحربية والاقتصادية ويكفي للتعرف على هذه الأهداف قراءة تقرير اللورد كامبل الذي جاء فيه : ” هناك شعبٌ واحد متصل يسكن من المحيط إلى الخليج ، لغته واحدة ودينه واحد وأرضه متصلة ، وماضيه مشترك وآماله واحدة ، وهو اليوم في قبضة أيدينا ، ولكنه أخذ يتململ ، فماذا يحدث لنا إذا استيقظ العملاق ؟ رد على التساؤل وأعطى الحل المطلوب فقال :” يجب علينا أن نقطع اتصال هذا الشعب ، بإيجاد دولة دخيلة تكون صديقة لنا ، وعدوةً لأهل المنطقة وتكون بمثابة الشوكة تخز العملاق ،كلما أراد أن ينهض ” فكانت هذه المؤامرة التي أنتجت إسرائيل . وها هم المسلمون كما خُطط لهم ، قد وصلوا إلى حال من التفرق والتشرذم والخصام الذي يصل أحياناً إلى حد الصدام فضموا إلى تقطيع الصفوف وتوهين العقيدة وتهوين الأخلاق وعربدة الشهوات ، أخطاء ستجعلهم أحاديث ، إن لم يسرعوا بالمتاب . إن نجاح الغرب في فرض ارتداد المسلمين عن إسلامهم ، هزيمة رهيبة الآثار ، ونحن على يقين بان المسلمون المؤمنون بربهم ، أوفياء لدينهم حتى الموت ، وإن الذين يحاولون فرض الإلحاد عليهم بالسلاح ، وتجريدهم من الانتماء لدينهم ، ما دروا أنهم بذلك يحفرون قبورهم بأيديهم ، وكم كان مصيباً الشاعر الذي ناشد العرب أن يصحوا ويستثير ضمائرهم لنجدة الإسلام حين قال :
إني تذكرت والذكرى مؤرقةُ مجـداً تلـيداً بأيدينا أضعناه
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلدٍ تجدْه كالطير مقصوصاً جناحاه
ويح العروبةِ كان الكون مسرَحَها فأصبحت تتوارى في زواياه
كم صرفتنا يدٌ كـنا نصرّفها وبـات يملكنا شعبٌ ملكناه
إن مستقبل الإسلام رهين بعد مشيئة الله بجهود أبناءه لا بإرادة أعداءه ، وإن المسلمين ما انهزموا قط ولن يهزموا أبدا ، إلا لتخليهم عن دينهم ، ولخلل في صفوفهم ، وقد أراد الله أن يكون المسلمون رؤوساً بالإسلام ، قادة برسالته ، وإذا تخلى المسلمون عنه فقد أنذرهم الله بقوله : ﴿ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ﴾ النساء 133 .
