التغيير الجائر

لماذا يغيّر من ينادي بالإسلام ، ولماذا يتهم بالتقصير من يغضب إذا وجد حقاً ينهب أو حقيقة تغير ، أو وقف في وجه الناهبين والحاقدين ، ودعاة الكفر والعلمانية ، وماذا نصنع إذا بلغ الجور على الحقوق والتحريف للحقائق مبلغه ، ماذا نصنع إذا استحر القتل في المدافعين عن شرّعيتهم ، واعتبروا مجرمين في الوقت الذي يتبجح فيه القتلة ، ويلبسون شارات العدالة ، ماذا نصنع إذا تواطأ العالم على إبقاء السجين في قيوده والبريء يتشحط في دمه ، واللاجئين المطرودين يهلكون ، ماذا نصنع إذا رأينا إهانة من يعتنق الإسلام والضن عليه ، ما لم ينحرف عن شرائعه ويتنكر لتعاليمه ، وماذا مع السياسة التي ترهب الشعوب وتراودها عن عقائدها وشرفها ، سياسة صنعتها جهاتٌ لاجتياح الإسلام ، سياسة لم تنتج إلا البلاء للإسلام وأهله ، الذين يبادون تارة ، ويطردون من مدنهم وقراهم تارة أخرى ، سياسة تسترق العباد وتستغل البلاد سياسة تعمل على تمزيق أوصال المسلمين ، وإفساد ضمائرهم ، وتقديم حقوقهم هدايا للطامعين

وهنا نقول : ما جدوى التساؤل المفجوع هنا والبكاء الضارع هناك إذا علمنا أن ثورات الضغينة على الإسلام ومعتنقيه تكمن وراء حقل هذه السياسة , التي يحاول أصحابها توهين أمرنا وخذلان جانبنا ، تمشياً مع مشاعر الحقد الديني علينا
أليس من حق المسلمين الثورة من أجل التغيير ومواجهة الظلم والانحراف، والدخول مع الظالمين في معركة تتجاوز حدود الوعظ والإرشاد، ولا تنسحب أمام التهديد والتخويف ، وتستعد لبذل الدماء من أجل تطبيق منهج الله في الأرض ، ثورة تحتاج لقراءة موضوعية وعقلانية ، بعيدة عن العواطف والانفعالات، لأن الآتي من الإحداث هو الأهم والأصعب، مع وجود مؤشرات لمحاولة جهاتٍ خارجية ، ركوب موجة الثورة وتوجيه الأمور لما يخدم سياساتها ، بقبول ضمني من الغرب ، ولم يكن في الحسبان أن يرافق هذه الثورات الكثير من الفتن والتعارك والتقاتل ، مما يشعرنا أن وراء الأكمة ما وراءها ، ولعل هذه الثورات، وما يلحق بها من تدافعات على شكل حروب بين أطراف متعددة لعله يخرج من بين هذا الركام الإسلام النموذج الذي يُراد لنوره وعدله أن يشمل البشرية جميعا ، وقد تكون وسيلة دفع إنسانية طيبة ، بوضع حد – ولو مؤقتا – لكل الطغاة والظلمة والمستبدين ، كما أنها تعتبر مقدمة لأجل الإصلاح والعودة بالأمور إلى طبيعتها المفطورة في الإنسان .
لا شك أن زوال طاغية محارب لدين الله ، أمرٌ يفرح به المؤمنون لاسيما إذا لم يُتيقن مجيء من هو أسوأ منه، لأن الفرح إنما يكون بزواله ، ولا أحدَ يعلم الغيب، ولا بمن سيأتي بعده. وقديماً فرح المسلمون بموت الحجاج بن يوسف الثقفي، ونقلت لنا كتب التاريخ سجود الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز شكراً لله على موته، ولما أُخبر إبراهيم النخعي بموته بكى من الفرح، ولما بُشِّر طاووس بموته فرح وتلا قول الله تعالى: ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ﴾ وما كانوا يدرون من يحكمهم بعده. وفي عالمنا المعاصر فرح المسلمون والعلماء بزوال الاستعمار، وحُقَّ لهم ذلك، بل شارك بعض العلماء في الثورات التي أخرجته من بلدان المسلمين ، رغم أنه خَلَفَهم بعد ذلك من هو أسوأ فهذا الفرح والدعاء بزوال كل محارب للدين ، هو أقل ما يجب على العبد المسلم ، المعظِّم لشرع الله؛ إذْ رفعُ الظلم وإقامةُ العدل مقصودٌ لذاته في الشريعة الإسلامية، وفي الفِطَر السوية، والعقول السليمة.
والثورة هذه الأيام لم تستطع بعد ، ردم الهوة الكبيرة ما بعد إزالة حكامها، حيث نجد ظاهرة عدم وجود الأمن ، بالإضافة إلى الفوضى الكبيرة ، التي انقلبت على الشرعية ، بعد أن كانت تسلط العصا البوليسية على الرؤوس، التي عاشت حالة من الأمن المستتب في ظل حكامها ، الذين استباحوا البلدان التي يحكموها ، وأرادوا توريثها إلى أبنائهم، مع العلم أن أنظمة الحكم فيها لا تجيز التوريث ، وكانت تقوم على الادعاء الديمقراطي ، الذي ذاب في ظل الديكتاتورية ، التي أنهت كل عوامل الحياة والرأي والرأي الآخر. فرح الناس بثورات التغيير ، واستبشروا خيراً ، فجاء الواقع عكس ذلك تماماً، حتى فضَّلت المعارضة في بعض البلدان ، إلى معارضة الحاكم المنتخب وتنحيته ، ونتج عن ذلك ، وجود حالات من التمرد والغضب عليه، لأن الحالة أصبحت أكثر بؤساً وفقراً وبطالة مما كانت عليه في السابق، كما يدعون فاستيقظت روح التمرد ، وقررت أن تكسر قيودها ، وتنقلب على الشرعية مهما كان الثمن ، وما هي في الحقيقة إلا صياغة للأوضاع السياسية الجديدة ، من أجل تجميد النشاط الإسلامي لأنهم يكرهون الإسلام وأهله ، ويحبون أنفسهم ومنافعهم فقط
إن اقتران الثورة بمشاعر إسلامية ، ليس شيئاً يُعاب ولماذا يُعاب الناس إذا تمسكوا بدينهم ، ليكون ظهيراً لهم لرد العدوان إذا شنه البغاة ، وسياجاً لحفظ الحقوق ، إذا امتدت إليها أيدي الطامعين ، ولماذا يُطلب منا أن نعلن براءتنا من الإسلام عندما نثور لاسترجاع حقوقنا المغصوبة .
إن كل من يؤمن بالله ، ليشعر بالحزن والألم لما يجري أوضاع تعكس حالة الانقسام والكراهية، والشعوب تدفع الثمن من أمنها واستقرارها ، ولقمة عيش أطفالها ، والنخب السياسية سقطت في فخ التحريض، والنزاعات الثأرية، والتدخلات الخارجية وهي لا تدري، في غمرة سيادة الأحقاد، أنها تدمر نفسها قبل أن تدمر بلادها .
فهل من أجل هذا ثارت الشعوب ، وقدمت الشهداء من أبنائها ؟ أم أنها ثارت لتلبي استغاثات التوجُّع، والتفجُّع ، التي انطلقت من أفواه المقهورين والمظلومين في كل مكان، فخفت للنجدة، وهبت للإنقاذ؛ امتثالاً لأمر الله ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ التوبة 41 .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *