التـقوى


التقوى أساس الطريق ، عليها سلك السائرون ، وبها وصل الواصلون ، وصى الله بها المتقدمين والمتأخرين ، وبها قرّب المقربين ، ولها خمس درجات : ” أن يتقي العبد الكفر ، وذلك بمقام الإسلام ، وأن يتقي المعاصي والمحرمات ، وذلك مقام التوبة ، وأن يتقي الشبهات ، وهو مقام الورع ، وإن يتقي المباحات ، وهو مقام الزهد ” إنها هدف عام بعث الله من أجلها التشريعات والأوامر والوصايا وإذا وجدت في قلب بشر لم يحتج بعدها إلى رقيب أو حسيب ، لأنها حاجز له من كل شر ودافعة لكل خير وهي مطلب الله من المسلمين فإذا ما كانوا أتقياء كانوا أقوياء ، ولا يختل الإسلام إلا أذا اختلت التقوى عند المسلمين ، فما هي التقوى و من هم المتقين ؟ . لقد أمر الله سبحانه وتعالى بالتقوى في كثير من الآيات أمرنا بها كوظيفة للإيمان ، يتحرك بها الإنسان، ليتحول إلى قوة بانية محرِّكة قال تعالى : ﴿ قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ الزمر 10. فما هي التقوى ؟ أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية ، تقية من سخط الله وغضبه و عقابه ، فيمتثل أمر الله و يجتنب نواهيه ، فلا يجده ربه حيث نهاه ولا يفقده حيث أمره . كما عرَّفها العلماء فقالوا : هي أن يعمل الرجل بطاعة الله على نورٍ من الله يرجوا ثواب الله و أن يترك معصية الله على نور من الله ويخاف عقاب الله
إنها قاعدة الإصلاح ينبثق عنها كل خير ، وهي منطلق إلى كل فضيلة وبر إنها والإيمان بالله قرينان لا ينفكان قال تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوا برسوله ﴾ . فمن هو التقي ؟ إنه الذي يقي نفسه من العذاب والمعاصي بالعمل الصالح ، وهي عند المؤمن حاجزاً تحتجز عنه الضرر ، وحاجباً يحجب عنه الخطر فيحرص على ما ينفعه ويستعين بالله ويتقيه حق تقاته لأن من اتقى الله خافه ومن خاف الله عرفه ، ومن عرف الله امتثل أوامره واجتنب نواهيه ، ومن لم يخف من الله خاف من كل شيء . أما المتقين : فهم الذين جعلوا التقوى زاداً روحياً يحرك دوافعهم إلى قيم الحب ومثل الخير قال تعالى : ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ البقرة 197. و هي عندهم كذلك : زاداً يغذي الروح و لباساً يستر الجسد , قال الشاعر :
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسـيا ً
وخير لبـاس المرء طاعة ربـه ولا خير فيمن كان الله عاصياً
وهم الذين يعظمون شعائر الله ويدفعون عنها قال تعالى : ﴿ ومن يعظم شعائر الله فإنها تقوى القلوب ﴾ وقال لقمان لابنه : ” أي الخصال خير ؟ قال : الدين قال فإن كانت اثنتين ؟ قال : الدين والمال ، قال فإن كانت ثلاثاً ، قال : الدين والمال والحياة ، قال فإن كانت أربعة ؟ زاد حسن الخلق ، قال فإن كانت خمساً ؟ زاد السخاء ، قال : فإن كانت ستاً ؟ قال يا بني إذا اجتمعت فيه الخمس خصال ، فهو تقي ونقي ، ولله ولي ، ومن الشيطان بريء ” .
وللمتقين الذين ينتفعون بالقرآن أربع صفات : فهم الذين يؤمنون ويصدّقون بالغبيات من العبث والحساب والجنة والنار ولا يقفون عند الماديات والمحسوسات التي يدركها العقل إدراكاً قريباً وإنما يدركون أيضاً ما وراء المادة من عوالم أخرى كالروح والجن والملائكة وعلى رأسها وجود الله ووحدانيته ، والذين يؤدون الصلاة على الوجه الأكمل بشروطها وأركانها وآدابها وخشوعها ومن ينفقون في وجوه البر والإحسان من الأموال كالزكاة و الصدقة و سائر النفقات الواجبة شرعاً . وهم الذين يصدقون بجمع ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والمرسلين ويصدقون تصديقاً جازماً بالآخرة وما تضمنه من بعث الأجساد والأرواح معاً من القبور وحساب وجزاء وصراط وجنةٍ ونار . ومن بركات الله تعالى و سنة نبيه ؟ وسيرة سلف الأمة الصالح ، وهذا يؤهلهم للتلقي عن رب العالمين ، لأن من عمل بما علم ، أورثه الله علم ما لم يعلم قال تعالى : ﴿ واتقوا الله و يعلمكم الله ﴾ البقرة 282. وإذا عمل التقي بما علم ، فإن بركة التكريم الإلهي تتجلى له ، قال تعالى : ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ الحجرات13 .كما يمن الله على عباده الأتقياء بتيسير أمورهم قال تعالى : ﴿ ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ﴾ الطلاق 4 .وإذا تجنبوا الحرام و حرصوا على الرزق الحلال فإنه الله سبحانه يضمن لهم أرزاقهم قال تعالى : ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ الطلاق 2 . ومن أبرك بركات التقوى أن تشتمل المتقين دائرة الرحمة الإلهية قال تعالى :
﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فأكتبها للذين يتقون ﴾ الأعراف156. وأخبر القرآن أن الذين اتقوا ربهم في الدنيا بإتباع أوامره واجتناب نواهيه هم بما أعطاهم الله : ﴿ في جناتٍ ونعيم ﴾ يتنعمون في الجنات ما طاب من أصناف الملاذ في المآكل والمشارب والملبس والمساكن والمراكب و الفرش والأزواج من الحور العين وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الحور العين يغنين : نحن الخّيرات الحسان خُلقنا لأزواجٍ كرام ) . وأخبر الله من لطفه و كرمه بأخلاق الذرية بالآباء في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم لتقر عين الآباء بالأبناء قـال تعالى : ﴿ والذين آمنوا واتبعهم ذريتهم بإيمان ﴾ الطور 52 . وروى الطبري عن ابن عباس أن رسول الله قال : ( إذا دخل رجل الجنة سال عن أبويه وزوجته وولده فيقال : إنهم لم يبلغوا درجتك فيقول يا رب ؟ قد عملت لي و لهم فيؤمر بإلحاقهم به ) . هذا فضله تعالى على الأبناء أما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء فقد أخرج أحمد عن أبي هرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول : يا رب أنى لي هذه ؟ فيقول : باستغفار ولدك لك ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *