التقوى زاد الصالحين


زاد الصالحين تقوى الله ، فأين تقوى الله في القلوب ؟ تأملت في هذه الكلمات “أين تقوى الله في قلوبنا؟” ووقفت معها وفكرت وسألت نفسي كثيراً : هل نحن نعظم الله حق التعظيم ؟ وكيف تكون عظمته في قلوبنا ؟ لقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يصف الصالحين “عَظُمَ الخالقُ في قلوبهم ، فصغُر ما دونه في أعينهم ” أنظروا إلى هذا التعظيم الذي جعلهم ينشغلون بعظمته وحده عن عظمة من سواه كائنا من كان ، فصاروا لا يخافون إلا منه ، ولا يسكنون ولا يطمئنون ولا يلجئون إلا إليه ولا يرون رقابة أحد سواه حتى تعلقت به قلوبهم واستحوذ جلاله على نفوسهم ، فصار هو سبحانه وتعالى حسبهم ووكيلهم يوافيهم بالعطايا والهبات ويؤيدهم بالمعاني ويثبتهم بالكرامات وصاروا هم أهله وأحبابه وخاصة أوليائه .
أين نحن من حب الله ؟ وكيف هي علاقتنا برسوله صلى الله غليه وسلم ؟ وهل نحن حريصون على تصحيح مساراتنا على خطاه ؟ بمعنى هل نحب أن يكون الله كما نريد منه جل جلاله ؟ أم نحب ونجتهد أن نكون نحن كما يريد الله منا ؟ ثم نقف بعدها على عتبة العبودية؟! اسمعوا نداء ربكم لداود عليه السلام : ” يا داود.. أنت تريد وأنا أريد ، إن أطعتني فيما أريد أرحتك فيما تريد ، وإن عصيتني فيما أريد أتعبتك فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد ” وفي الخبر الإلهي أيضا : ” إذا أطاعني عبدي رضيت عنه ، وإذا رضيت عنه باركته ، وليس لبركتي نهاية ، وإن عصاني عبدي غضبت عليه ، وإن غضبت عليه لعنته…”.
يا إخواني إن الله لا يحب أن تزاحمه أعراض الدنيا في قلب عبده وحبيبه فحين يزاحم حب الولد محبة الله في قلب الخليل يأمره الله بذبح ابنه ، وعندما تصدق المحبة يخلص قلب الخليل لربه العظيم ، وحينما يكون لتعظيم البيت الحرام مكان في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وقلوب الصحابة يأخذ الله عز وجل منهم القبلة التي استأثرت بقلوبهم ويأمرهم بالصلاة جهة بيت المقدس حتى يرى هل حبه أعظم وأقوى وأكبر من حبهم وتعظيمهم للبيت الحرام ؟ وحين تكون الإجابة نعم يرد إليهم البيت بأمره كما أخذه منهم بأمره . وفي الخبر الإلهي “من آثرني على من سواي آثرته على من سواه”. أوقات القرب الإلهي أين الله في قلوبنا ؟ هل نفرح بالقرب منه ؟ هل نحرص على أن يكون معنا دائما ؟ إذن فما مدى فرحنا بالصلاة التي نقابله فيها ونناجيه ؟ وما مدى حبنا للسجود الذي نكون فيه أقرب إلى الله ؟ وما مدى دوامنا على الذكر الذي يوجب معيته لنا ؟ ففي الخبر الإلهي ( وأنا مع عبدي متى ذكرني وتحركت بي شفتاه ) .
وهل لنا نصيب من وقت القرب الإلهي في ثلث الليل الأخير وربنا ينادي علينا (هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه ) يا إخوتي أليس المحب يتمنى الخلوة مع حبيبه فأين قلوبنا من الخلوة بالله ؟! أوليس المحب يضحي من أجل حبيبه ؟! فأين تضحيتنا من أجل الله ومن أجل إعلاء كلمته ودينه ؟! أليس المحب يسعى في رضا حبيبه ويتحمل من أجل رضاه ما قد يشق على نفسه ؟ فهل نحن نراقب مواضع رضا مولانا وحبيبنا لنسرع إليها ؟ وهل نراقب مواضع سخطه لنفر إليه منها ؟ ونرتمي في ساحات رحمته ونشكو إليه بثنا وأحزاننا وضعفنا ، ونطرق بابه لعله يتكرم ويفتح لنا ونحن المذنبين المقصرين ؟!! . أذكر موقفاًً لشابٍ أراد أن يتلمس موضعا من مواضع رضا ربه وحبيبه في غزوة بدر ، يسأل عوف بن الحارث الرسول صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده ؟! فيقول لـه : ( غمسه يده في العدو حاسرا ) – يعني دخول القتال بدون درع – فنـزع عوف درعا كانت عليه فألقاها ثم أخذ سيفه فقام فقاتل القوم حتى قُتل! فمن منا يسأل نفسه عما يضحك الرب ؟ أو عما يفرح الرب فيسارع إليه؟!! ومن منا يتساءل عما يغضب الرب فيفر منه ويبتعد عنه حتى لا يغضبه ؟!! فكم مرة شاهدنا الله في نعمة أنعمها علينا فشكرناها وأدينا الذي علينا فيها ؟ هل شكرنا الله على نعمة الهداية والإسلام ؟ هل شكرنا الله على نعمة الصحة ؟ هل شكرنا الله على نعمة المال ، على نعمة الولد على نعمة الأبوين ، على نعمة الزوجة الصالحة على نعمة التوفيق… إلخ ؟ أم تأتي النعمة فننسى المنعم وننسب النعمة إلى غيره ، ونصرف كثيرا من نعمه فيما يغضبه وليس فيما يرضيه عنا ؟ وتأملوا معي هذا العتاب الإلهي ( إني والأنس والجن لفي نبأ عظيم : أخلق ويُعبد غيري ، وأرزق ويُشكر سواي خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد أتودد إليهم بالنعم وأنا الغني عنهم ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أحوج شيء إليّ…) وما أجمل كلام ابن القيم حين قال : ” ليس العجب من عبد يتملق سيده ولكن العجب كل العجب من سيد يتودد إلى عبيده وهم يفرون عنه “!! يا سبحان الله على هذا الإنسان العجيب!! . أين حب الله في البلاء والقدر ، فكثيرا ما تأتي الأقدار بما لا يوافق أهواءنا ، وتكون الابتلاءات التي تستلزم منا الصبر الجميل فهل نتساءل عند البلاء والمحنة أين الله في قلوبنا ؟ وهل نشاهد رحمة الله بنا في البلاء ؟ وهل نستشعر حب الله لنا عند الابتلاء ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أحب الله عبدا ابتلاه…) وهل نعيش معاني الصبر الجميل الذي ليس فيه شكوى ؟! حقا ما أعجب كلام ابن القيم وهو يصف ناسا نظروا إلى المصائب نظرة أخرى فاستقبلوا مصائبهم كما يستقبلون النعم لأن مصدرهما واحد وهو الله ، ولنتوقف مع كلامه حين يقول : ” وكل ما يصدر عن الله جميل وإذا كنا لا نرى الجمال في المصيبة فلا بد أن نتأمل قصص موسى عليه السلام مع الخضر في سورة الكهف ، ونتأمل كيف كان خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار في قرية السوء شرا محضا من وجهة نظر سيدنا موسى وكيف ظهرت له مواطن الجمال في أفعال الله بعد معرفة الحقائق والحِكَم التي وراء الابتلاء!! ” . وهناك من الناس من يعترض على قدر الله وقضائه ، وقد تبدو منهم علامات السخط على القدر أو عدم الرضا بالقضاء ، فهل سألوا أنفسهم أين الله في قلوبنا ؟ ، وهناك من يترك أحكام القرآن والسنة ويحكمون أهواءً أو أشخاصاً أو قوانين غير قوانين الله! وهناك من يعرضون أنفسهم لغضب الله بالمعاصي فيحجبهم الله عن كل خير! وكل هذا لأنهم لم يقفوا يوما ليسألوا أنفسهم أين الله في قلوبنا؟! ، فقد تأخذنا الحياة وقد تلهينا الدنيا وقد تشغلنا الأنفس والأموال والأولاد ولكن لا بد أن نتوقف في كل حين لنسأل أنفسنا : أين الله في قلوبنا؟! وإذا هممت أن تقع في المعصية فقل لنفسك : أين الله في قلبي ؟ الله أحب إلي أم المعصية ؟ هل استهنت إلى هذا الحد بنظر الله إليك ؟! كيف ستقابل الله لو مت وأنت على هذه المعصية ؟ : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ* بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ هكذا يظهر عند الشدة أنك لا تثق في أحد إلا في الله ، فأين الله في قلبك عند الرخاء؟! وإذا تكاسلت عن طاعة فقل : أين الله في قلبي ؟ وهل حبي للراحة والكسل أكثر من حبي لله ؟! وتذكر قول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن : ﴿ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك ارغب﴾ فبعد الفراغ من متاعب السعي على الحياة لا يرتاح ، بل يتعب ويتقرب إلى ربه ويرغب لأن راحة المؤمن في رضا الله . وهكذا أيها الأخوة تعالوا ندرِّب أنفسنا على أن يكون الله ملء قلوبنا ولا شيء معه ويكون لنا في كل صغيرة وكبيرة وقفة لنتساءل : أين الله في قلوبنا؟! تعالوا ندرب أنفسنا على استصغار العمل واستعظام الذنب فالذنب إذا كبُر في عين الإنسان قلَّ في ميزان الرحمن ، وروى البخاري في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إنَّ المؤمنَ يرى ذنوبه كأنَّه قاعدٌ تحت جبلٍ يخاف أن يقع عليه وإنَّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا ) . وإنَّ الرضا عن العمل قد يُحبط العمل كله ، فأين هو العمل الذي يليق بجلال ربِّ العزَّة ويساوى نقطةً في بحر نعمه علينا ؟ أين هو العمل الذي يوفّيه حقَّه وقَدْرَه ؟ . إنَّ من الملائكة مَن هو ساجدٌ لله منذ خَلَقَه فإذا أتى يوم القيامة ارتعد وقال: ” سُبحَانك ما عبدناك حقَّ عبادتك ” فإذا كان هذا هو حال الملائكة ، فما بالك بنا نحن البشر ؟!!. لذا فالعاقل هو الذي يعمل ويعرف أنَّه إن نجا ورضي الله عنه فبرحمة الله وعِلْمه بمن خلق . روى البخاري في أن أَبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لن يُدخِل أحدًا عملُه الجنة”، قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال: لا، ولا أنا ، إلا أن يتغمَّدني الله بفضلٍ ورحمة، فسدِّدوا وقاربوا…) .
إنَّ الإيمان بالله هو مزيجٌ من الحبِّ والخوف والرجاء ، وقد نصح السلفُ الشبابَ أن يُغلِّبوا الخوفَ على الرجاء ، اتقاءً للفتن من ناحية ، ولأنَّ الشباب يرون الدنيا أمامهم غضَّةً نضرة ، فربما تصدهم بجمالها عن سواء السبيل ، أو تحيد بهم عن طريق الله عز وجل ، ولو غلَّبوا الرجاء لدخل عليهم الشيطان من باب التسويف والتأجيل ، كما نصحوا الشيوخ بتغليب الرجاء على الخوف ؛ لأنَّ الدنيا منهم في إدبار، والزمن لم يعد في صالحهم فلو كان الخوف هو الأغلب فلربما تسلل الشيطان لهم من باب اليأس روى البخاري أن النبي صلى الله غليه وسلم قال: ( يأتي الشيطان أحدكم فيقول: مَن خلق كذا، مَن خلق كذا، حتى يقول: مَن خلق ربك ؟ فإذا بَلَغَه فليستعذْ بالله ولينتهِ ) .
إنَّ الشيطان يعزُّ عليه أن يجد مؤمنًا مخلصًا لله يتقرَّب إليه بالفرائض تارة وبالنوافل تارة يخاف عقابه ويرجو ثوابه ، فيجعل مِن صدِّه عن سبيل الله هدفه وشغله الشاغل ، ويظل المؤمن يحاربه بالاستعاذة والذِّكر حتى ييأس عدو الله منه ، ويعرف ألا سلطان له عليه فينصرف عنه باحثًا عن غيره ، أو متحيِّنًا لحظة ضعفٍ تحين منه في وقت آخر .
واعلم يا أخي أنَّ خير الأعمال أدومها وإن قل ، وأنَّ مِن أحب العبادات لله تعالى بعد فرائضه الذِّكْر ، يروي الترمذي بسندٍ صحيح عن عبد الله بن بسر رَضِيَ الله عنه أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله إنَّ شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فأخبرني بشيءٍ أتشبَّث به، قال: ( لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *