التهيئة لزوال إسرائيل


إننا نعيش في ظروف نرى من يعمل للقضاء على الإسلاميين أو المحاولات التي تبذل للقضاء عليهم ، بهذه الحدة والشراسة ومن جهات تعمل على خنق الإسلام ، وتحطيم العاملين والدعاة ، وتشويه كل ما يمت إلى الإسلام ، ورصد كل بذرة إسلامية في بلاد المسلمين ، ومعاملتها بكل غلظة ، لم تعرف لها عصور الهمجية مثيلا ، وللأسف بأيد محسوبة على الإسلام ، مقابل صمت مريب وتواطؤ سِرّي ، مع اليهود والصهيونية العالمية والصليبية الدولية ، مما أدى إلى تشتيت العاملين للإسلام ، وبعثرة الطاقات الصادقة في الأمة ، والشدّة على المؤمنين ، والرحمة مع الكافرين ، وبطولات مزيفة خادعة ، رصيدها الكلام ، واستسلام لقضايا الأمة المصيرية والسُكوت عن القضايا ، والحقوق الإسلامية فأصيبت الأمة ، بما لم تصب به ، في كثير من فترات تاريخها ، فقد ظهر فيها متواطئون كثيرون ، وفرضوا المفاهيم المنحرفة بقوة القانون الوضعي ، على جماهير الأمة المسلمة التي أصبحت لقمة سائغة ، وغنيمة للغزاة الذين استولوا على كل شيء ، واستغلوه لمصلحتهم ، ومن نعمة الله على هذه الأمة أن أوجد فيها الطائفة الظاهرة على الحق في بيت المقدس ، وأكناف بيت المقدس ، والتي أخبرنا عنها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأحمد بأسانيدهم عن معاوية رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس ) فقد مرت الأمة الإسلامية ، خلال عمرها الطويل ، بفترات مظلمة حالكة ، أشد مما نسمع ونشاهد في القدس الشريف ، فقد استطاع أعداء الإسلام ، في غفلة من أهله أن يسيطروا على مقدراتها ، ويسلبوا أرضها ويستبيحوا أعراضها ، ويسفكوا دم أبنائها .
وفي كل مرحلة من هذه المراحل ، كادت عوامل اليأس ، ومشاعر الإحباط ، أن تقتل الهمم ، وتخدر العزائم ، وتدمر الطموحات ومن رحمة الله بهذه الأمة ، أن قيض لها رجالاً قاوموا الأعداء ، واستردوا الأرض المغتصبة واستعادوا الحق السليب ، فقد أتى الصليبيون إلى الشرق ، واحتلوا بلاد الشام ، وعاثوا في بلاد المسلمين فساداً ، وقتلوا النساء والرضع واستباحوا الحرمات ، وسقطت القدس في أيديهم ورفعوا الصليب فوق قبة الصخرة ، واتخذوا المحراب مشتى لخيولهم وخنازيرهم وغطت جثث المسلمين ساحات المسجد الأقصى ومدينة القدس ، وقتلوا على ما يقرب من تسعين ألفاً ،بل وأكلوا لحوم المسلمين وفعلوا من الجرائم ، ما لا يخطر على بال ، وما تشيب من هوله الولدان .
وفى وسط هذا اليأس والظلام الدامس ، قيض الله لهذه الأمة ، من جابههم وكتب لها النصر عليهم ، وكانت نهاية الصليبيين على يد صلاح الدين ، في معركة حطين ، وطهر بيت المقدس من دنسهم ، وأعاده لأمة الإسلام .

وقد فعل التتار بديار المسلمين ، ما لا يستطيع قلم أن يصفه ، فدمروا الخلافة ، وقتلوا الخليفة ، وقتلوا من الرجال والنساء والأطفال ، الأولوف المؤلفة ، واجتاحوا ديار المسلمين سلباً ونهباً وهدماً ، وتصور الناس يومها ، أن لا خلاص من هؤلاء ، حتى هيأ الله للأمة القائد المجاهد قطز، الذي غسل العار وأعاد الديار ، فهزمهم في معركة عين جالوت ودخل التتار في دين الله أفواجاً . ولم ينته القرن التاسع عشر ، حتى وضع اليهود خطتهم الخبيثة ، لإقامة دولتهم ، وهيكلهم المزعوم ، وبسط نفوذهم على العالم ، وتمكنوا بمساعدة الإنجليز والفرنسيين والأمريكان من القضاء على الخلافة الإسلامية ، بمعاونة اليهودي الماكر ، كمال أتاتورك عام 1924م وتفتيتها إلى دويلات ، مستعمرة من أعدائها وإني على يقين ، أن يتمخض من هذه المحنة في هذا العصر ، بزوغ فجر الإسلام ، الذي تحتاجه البشرية اليوم ، وخاصة بعد أن فشلت كل المحاولات ، في إسعادها واستقرارها . إن إسرائيل لا بد إلى زوال ، فلا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين ، وحقائق اليوم أحلام الأمس ، وأحلام اليوم ، حقائق الغد ولا زال في الوقت متسع ، ولا زالت عناصر السلامة قوية عظيمة ، في نفوس المؤمنين رغم طغيان مظاهر الفساد ، والضعيف لا يظل ضعيفاً أبدا ، والقوى لا تدوم قوته أبد الآبدين ، فليس ما نقول خيالاً ، إذا صدق الإيمان بالله وقدرته ، وكما قامت الأدلة والشواهد في دنيا المسلمين وغيرهم ، على إمكان النهوض من الكبوة ، والاستفاقة من الغفلة ، إذا ما صح العزم ، وصدق اليقين فنعتمد على القوة التي لا تقهر ، في مرحلة اجتمعت فيها قوى البغي على الإسلام للأكل من قصعته ، وتحقيق أهداف إسرائيل حتى ظن الناس اليوم ، أنه لا خلاص مما نحن فيه ، ألا فسيكون الخلاص، ويقول القائلون متى هو ، ألا إن الخلاص قريب ، وقد أمد القرآن الأمة بهذا الشعور ، بأسلوب يٌخْرج من الأمة الميتة ، أمة كلها حياة ، وهمة وأمل وعزم ، وحسبنا أن الله يجعل اليأس سبيلاً إلى الكفر ، والقنوط من مظاهر الضلال ؛ وإن أضعف الأمم ، إذا سمعت قوله :﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ﴾القصص5 . وقوله تعالى:﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنت الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾آل عمران 139 وقوله تعالى:﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ﴾ البقرة 214. إن أضعف الأمم ، إذا سمعت هذا التبشير كله وقرأت ما إليه من قصص تطبيقية واقعية لابد أن تخرج بعد ذلك ، إلى اقتحام المصاعب مهما اشتدت ، ومقارعة الحوادث مهما ظمت حتى تظفر بما تصبو إليه ، من زوال إسرائيل ، وها هي إسرائيل ، تظلم وتجور وتطغى وتتخبط في قراراتها الجائرة ، ولم يبق بعد هذا ، إلا أن تمتد يد قوية يظللها لواء الله ، وتخفق على رأسها راية القرآن ، ويمدها جند الإيمان القوى المتين ، فإذا بالدنيا مسلمة وإذا بالعوالم هاتفة :﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ الأعراف 43. ليس ذلك من الخيال في شيء ، بل هو حكم التاريخ الصادق ، إن لم يتحقق بنا ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ المائدة54 . بيد أننا نحرص على أن نكون ممن يحوزون هذه الفضيلة ، ويكتبون في ديوان هذا الشرف قال تعالى:﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ﴾ القصص 68 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *