كان السلف يجودون بأنفسهم ، ويقدمون أرواحهم فداءً لهذا الدين، ويصدعون بالحق ولا يخافون لومة لائم . خطب عبد الملك ابن مروان في أحد مواسم الحج ، فلما صار إلى موضع العظة من خطبته ، قام إليه رجل فقال: مهلا مهلا، إنكم تأمرون ولا تأتمرون وتنهون ولا تنتهون، وتعظون ولا تتعظون، أفاقتداء بسيرتكم؟ أم طاعة لأمركم؟ فإن قلتم: اقتدوا بسيرتنا فكيف نقتدي بسيرة الظالمين؟ وما الحجة في اتباع المجرمين الذين اتخذوا مال الله دولا، وجعلوا عباد الله خولا، وإن قلتم: أطيعوا أمرنا واقبلوا نصحنا فكيف ينصح غيره من يغش نفسه؟ أم كيف تجب طاعة من لم تثبت له عدالة
وإن قلتم: خذوا الحكمة من حيث وجدتموها، واقبلوا العظة ممن سمعتموها، فلعل فينا من هو أفصح بصنوف العظات، وأعرف بوجوه اللغات منكم، فزحزحوا عنها، أطلقوا أقفالها، وخلوا سبيلها، ينتدب – أي يتعرض – لها الذين شردتموهم في البلاد، ونقلتموهم عن مستقرهم إلى كل واد، فوالله ما قلدناكم أزمة أمورنا، وحكمناكم في أبداننا وأموالنا وأدياننا لتسيروا فيها بسيرة الجبارين، غير أنا نصبِّر أنفسنا لاستيفاء المدة، وبلوغ الغاية، وتمام المحنة، ولكل قائل منكم يوم لا يعدوه، وكتاب لا بد أن يتلوه – أي صحيفة أغماله -، {لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } الشعراء 227. لو أن كل ذي راي ومكانة وقف من الجائرين الظالمين مثل هذا الموقف ، ولم يتملقوا الحاكمين ولم يسمعوهم كلمات الثناء البطل والمديح الكاذب ، آما كانت الأمة تنعم بحكم عادل ورفاهية شاملة ، في وقت نحن في أمس الحاجة لمثل هذه الشجاعة في الصدع بكلمة الحق، وبيان أن عزة المسلمين في دينهم وليس في قوانين غيرهم، إن النصح والمحاسبة واجبة على أساس الإسلام ، وان يدع لتطبيق منهج الله ، وإلا كان آثما لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله حاكماً في عباد الله بالإثم والعدوان ولم يغيّر بقول ولا فعلٍ كان حقاً على الله أن يدخله مدخله ) .
لما فتح عبد الله بن علي العباس دمشق، جلس للناس وقال للوزراء: هل يعارضني أحد؟ قالوا: لا. قال: هل ترون أحداً سوف يعترض عليّ؟ ، قالوا: إن كان فـالأوزاعي قال: فأتوني به، فذهب الجنود للأوزاعي فما تحرك من مكانه، قالوا: يُريدك عبد الله بن علي، قال: “حسبنا الله ونعم الوكيل”، انتظروني قليلاً، فذهب فاغتسل، ولبس أكفانه تحت الثياب؛ لأنه يعرف أن المسألة موت أحمر، وقتل ودماء. ثم قال لنفسه: الآن آن لك يا أوزاعي أن تقول كلمة الحق، لا تخشى في الله لومة لائم. قال الأوزاعي وهو يصف القصة: فدخلت فإذا أساطين من الجنود -صفَّان-،قد سلُّوا السيوف فدخلت من تحت السيوف؛ حتى بلغت إليه، وقد جلس على سرير، وبيده خيزران وقد انعقد جبينه عقدة من الغضب، قال: فلما رأيته، والله الذي لا إله إلا هو؛ كأنه أمامي ذباب ، قال: فما تذكرت أحداً لا أهلاً، ولا مالاً، ولا زوجة، وإنما تذكرت عرش الرحمن إذا برز للناس يوم الحساب، قال: فرفع بصره وبه غضب عليّ ما الله به عليم قال: يا أوزاعي، ما تقول في الدماء التي أرقناها وأهرقناها؟ قال الأوزاعي: قال: حدثنا ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّاني، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ ) فإن كان من قتلتهم من هؤلاء فقد أصبت وإن لم يكونوا منهم فدماؤهم في عنقك. قال: فنكتَ بالخيزران ورفعت عمامتي أنتظر السيف، ورأيت الوزراء يستجمعون ثيابهم ويرفعونها عن الدم. قال: وما رأيك في الأموال التي أخذناها؟ قال الأوزاعي: إن كانت حلالاً فحساب، وإن كانت حراماً فعقاب!! قال: خذ هذه البدرة – كيس مملوء من الذهب – قال الأوزاعي: لا أريد المال، قال: فغمزني أحد الوزراء، يعني خذها، لأنه يريد أدنى علة ليقتل، قال: فأخذ الكيس ووزَّعه على الجنود وهو يخرج، حتى بقي الكيس فارغاً، فرمى به وخرج، فلما خرج قال: “حسبنا الله ونعم الوكيل، قلناها يوم دخلنا وقلناها يوم خرجنا” { فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } آل عمران:174. اللهم اجعلنا قوالين للحق، عاملين بالحق، آمرين بالحق، ومن الذين يثبتون في الشدائد .
الجهر بكلمة الحق
