الحاكم والسياسة الشرعية

عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول : ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل .. ) البخاري ومسلم ، أي الحاكم العادل الذي يعتقد أن الحكم تكليفاً وليس تشريفاً ، والرئاسة مغرماً وليست مغنماً ، ويعلم أنه ليس إلا خادماً يخدم الناس ويسهل لهم أمورهم ، محسناً إليهم  محافظاً على حقوقهم ، حريصاً على تعزيز كرامتهم ، ساعياً في تلبية حوائجهم  يقول النبي  صلى الله عليه وسلم : ( ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة ) مسلم ، ويقول : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) .
أما السياسة فهي مشتقة من ساس الأمر ، أي دبَّره وحكم فيه ، بعد أن يكون المرء قد خبره ووعاه  وتعني بالنسبة للأمة ، رعاية شؤونها في مختلف الميادين  وعلى جميع المستويات ، فإن كانت ذات علاقة بالمال فهي سياسة المال أو الاقتصاد ، وإن كانت مرتبطة بعلاقة الدولة بغيرها من الدول ، فهي السياسة الخارجية ، وإن كانت مرتبطة بتدبير شؤون الناس في الداخل ، فهي السياسة الداخلية ، وإن تناولت مناهج التعليم وشؤونه ، فهي سياسة التعليم    وهكذا …وكل ذلك خاضع للدين ، مستمدٌ من العقيدة ، قائم على حكم الشرع ، بخلاف مفهومها الملوث والشائن عند الغرب ، إذ السياسة عندهم ، ألاعيب اتخذوها حرفةً بلا تقوى ، وارتقوها سلّماً بلا خلق ، وجعلوها وسيلة وصولٍ إلى منفعة ، أو بلوغ غرضٍ دنيوي هزيل ، وإن أدى ذلك إلى الكذب والدجل والنفاق.  أما السياسة في الإسلام تقوم على الوضوح التام والصراحة المطلقة ، سياسة لا تؤله الحاكم ولا تعتقد فيه العصمة ، ولا تجيز له فعل كل ما يريد ، وإنما تقومه وتأخذ على يديه ، وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وتأطره على الحق أطراً ، وتطيعه طاعة مقيدة بعدم المعصية ، يقول أبو قبيل : (خطبنا معاوية بن أبي سفيان في يوم جمعة فقال : ” إنما المال مالنا، والفيء فيؤنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا . فلم يردَّ عليه أحد . فلما كانت الجمعة الثانية قال مثل مقالته، فلم يرد عليه أحد . فلما كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام رجل ممَّن شهد المسجد فقال : كلا، بل المال مالنا، والفيء فيؤنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا . فلما صلى أمر بالرجل فأُدخل عليه ، فأجلسه معه على السرير، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، ثم قال: أيها الناس! إني تكلمت في أول جمعة فلم يرد علي أحد، وفي الثانية فلم يرد علي أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا أحياه الله ، سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: ( سيأتي قوم يتكلمون فلا يُرَدُّ عليهم ، يتقاحمون في النار تقاحم القردة ) فخشيت أن يجعلني الله منهم، فلما ردَّ هذا عليَّ أحياني أحياه الله ، ورجوت أن لا يجعلني الله منهم) رواه الطبراني وحسنه الألباني . فالحاكم أو الأمير في السياسة الشرعية إنما هو في الحقيقة أجير عند الناس كما قال أبو مسلم الخولاني : عندما دخل على أحد الولاة فقال له : السلام عليك أيها الأجير! فقال الناس: الأمير يا أبا مسلم! ثم قال: السلام عليك أيها الأجير! فقال الناس: الأمير! فقال الوالي أو الأمير: دعوا أبا مسلم هو أعلم بما يقول ” هكذا كان منهج التعامل مع الولاة والأمراء والحكام  إنه منهج واضح يبين مدى معرفتهم بحقوقهم السياسية ، التي لا غموض فيها ولا تملق ولا نفاق ولا مجاملة للحاكم .
لقد انتشر المفهوم الخاطئ للسياسة ، فوصل الحكام إلى هذه الدرجة من الاستعلاء والاستهتار بالشعوب لأنهم لم يسمعوا منهم كلمة لا ، ولم يعرفوا إلا المتزلفين ، الذين ينفذون أوامرهم بلا نقاش ويطيعونهم بلا تردد ، ويوهمونهم أنه لولاهم لكانت البلاد في فوضى وخراب ، فاستأثر هؤلاء الحكام بالسلطة ، وضحوا بحقوق الشعوب ، ونهبوا الأموال  وتألهوا على العباد ، كفرعون الذي نادى في قومه : ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ والنمرود الذي زعم أنه يحي ويميت ، يشاركهم ويشجعهم البطانة المحيطة بهم فسيطر الكبر والكبرياء والغطرسة ، على سلوكياتهم فمارسوا القمع والترهيب ، فعانت الشعوب حياة المذلة والمهانة والإذلال والاضطهاد ، فوصلت إلى حدٍ لا بد فيه من انكسار الحواجز النفسية ، التي من أهمها الخوف والتردد والقلق ، فجاءت إرادة الشعوب أقوى من بطشهم وقمعهم  ، فثارت على ظلم الظالمين ، وفرضت التغيير ، إنها عودة الإرادة للذات الإنسانية ، التي لم يعد الرصاص الحي  والمطاطي, يخيف أو يرعب تلك الإرادة ، ولم يعد صوت الدبابات وهدير الطائرات يرعبها .
جاءت الشريعة الإسلامية من يوم نزولها بنظرية تقييد سلطة الحاكم، فكانت أول شريعة قيدت سلطة الحكام، وحرمتهم حرية التصرف، وألزمتهم أن يحكموا في حدود معينة، ليس لهم أن يتجاوزوها وجعلتهم مسؤولين عن عدوانهم وأخطائهم ، وجعلت أساس العلاقة بين الحكام والمحكومين ، تحقيق مصلحة الجماعة لا قوة الحاكم أو ضعف المحكومين، وتركت للجماعة حق اختيار الحاكم الذي يرعى مصلحتها ويحفظها، وجعلت لسلطة الحاكم حدوداً ليس له أن يتعداها، فإن خرج عليها كان عمله باطلاً وكان من حق الجماعة أن تعزله وتولي غيره لرعاية شئونها ، لأن مهمة الحاكم المسلم كما نصَّ فقهاء الإسلام هي (حراسة الدين وسياسة الدنيا بالدين)   وإن الدعوة إلى الابتعاد بالدين عن السياسة ، غباء ليس بعده غباء ، وإلا كيف يعقل أن يفهم الإسلام  بلا سياسة ، والقرآن بلا حكم ، إلا إذا طمسنا من القرآن آيات وحذفنا من الإسلام تشاريع عرفها المسلمون ووعوها وطبقوها عبر قرون من الزمان  كانوا فيها أعزةً بالإيمان والعلم والعمل وكان أعداؤهم أذلةً بالجهاد .
إن الحيلولة بين الإسلام والحكم ، في ديار الإسلام هدف يلتقي عليه كل أعداء الإسلام ، والذي يحزُّ في النفس أن يزعم من يحسبون أنفسهم على درجة من الفطنة والذكاء ، أنهم بهذا الفصل يسيرون في الطريق الذي رسمه الله وارتضاه ، تعسون بائسون أولئك ، لأن الفصل بين الإسلام والحكم ، معناه الفصل بين الدين والحياة ، فلا يستمد منه خلق أو مثل أو عادات أو قيم بمعنى فصل الدين عن الحياة في كل مرافقها ، وعندها هيهات أن يبقى معنى من معاني الفضيلة أو حقيقة من حقائق الخلق أو قيمة من قيم الإنسانية ، لأن القوانين التي تطبق والحكم الذي يسيطر ، لا يسأل الدين راية في عقيدة أو معاملات أو سلوك أو عادات ، وتلك خطيئة كبرى يخالف صاحبها أمر الله ، ويتنكر لتعاليم الرسالة المحمدية ، لأن الأمر بتحكيم كتاب الله ورد في أكثر من موقع في القرآن الكريم قال تعالى : ﴿ فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ﴾ المائدة 48 . كما حذَّر الله من الإصغاء لأصحاب الهوى في الآية التي بعدها فقال: ﴿ وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك ﴾ المائدة 49 . وقد ورد النهي عن ترك بعض ما أنزل الله فكيف بمن ترك الكل ؟ ثم إن المناداة ببعض الإسلام وترك البعض الآخر ، يضع المسلمين أمام تساؤل رهيب يدفع القلوب بالزيغ والهوان فقال تعالى : ﴿ افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون﴾ البقرة 85 .
لقد فهم المسلمون الأوائل الإسلام حق الفهم وأدركوا أن السياسة والقيادة جزء من الإسلام ، لأن الإسلام في نظرهم ، ليس مجرد ركعات أو أدعية   إنما هو نظام شامل يعالج شؤون الحياة جميعاً  يركِّز على التجمع على العقيدة ، واحترام العمل الصالح  سواء كان ذا صبغةٍ دينية كالعبادات ، أو دنيويةٍ كطلب الرزق ، أو الدعوة إلى الخير ، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو الجهاد في سبيل الله أو تثبيت الفضائل الخلقية ، كالعدل والإحسان واحترام النظام ، كانوا يعرفون الرجال بالحق ، أما الذين يعرفون الحق بالرجال ، ويثقون في أي كلام لأنه صادر من فلان ، فهم أبعد الناس من فهم الإسلام ، بل هم آخر من يقدم للإسلام خيرا أو يحرز له نصرا .
لقد كانت أعمال الحكام ومواقف العلماء ترجماناً لتعاليم الإسلام والسنة ، وهل الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف إلا نصيحةً وموعظةً حسنة ، فكان العلماء لا يكتمون حكماً شرعيا في قضيةٍ تتعلق بشؤون الأمة ، لأنه آمنوا بقول الله تعالى:﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴾ آل عمران 187 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *