الحث على البذل والعطاء

المال مال الله عز وجل، وقد استخلف الله عباده فيه ليرى كيف يعملون ، ثم هو سائلهم عنه إذا قدموا بين يديه من أين جمعوه ؟ وفيمَ أنفقوه ؟ فمن جمعه من حله وأحسن الاستخلاف فيه ، فصرفه في طاعة الله ومرضاته ، أثيب على حسن تصرفه ، وكان ذلك من أسباب سعادته ، ومن جمعه من حرام أو أساء الاستخلاف فيه ، فصرفه فيما لا يحل عوقب ، وكان ذلك من أسباب شقاوته إلا أن يتغمده الله برحمته .
ومن حكمة الله تعالى أن فاوت بين عباده في أخلاقهم وأرزاقهم فبسط لبعضهم الرزق ، ووسع عليه وابتلى البعض بالقلة قال تعالى : ﴿ قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ سبأ 36 . وغرس في النفوس حب المال قال تعالى : ﴿ وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً ﴾ الفجر 20 . فكان نعمة في حق من أخذ المال بحقه وصرفه في حقه ، وبلاء على قوم منعوا حق الله الواجب في المال، فلم يؤدوا حقه ، أما لمن يؤدى هذا الحق إنه للفقير ، والفقيرَ هو: المتعفّف الذي لا شيءَ له ولا يسألُ الناسَ شيئًا، والمسكينَ هو: الذي له بعضُ ما يكفيه ويسأل الناسَ ويطوفُ ويتبعهم، لذلك قدّم الفقراء على بقية المستحقّين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ﴾ التوبة 60 . لأنهم أحوج من غيرهم وأسوأُ حالاً وقد تكون لهم موانعُ تحولُ دونَ تكسُّبِهم أو لا يَقدِرون على التكسّب لأسباب خاصّةٍ ، بحيث يظنُّهم من لا يعرفهم مكفيّين ما يحتاجون إليه ، وسبب هذا الظن هو تركهم للمسألة ، وإذا كان التعفف هو ترك المسألة فالله يقول : ﴿لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ البقرة 273 . فالآية تدل على أن المنفي هو مطلق السؤال ، وسيماهم العلامة المميزة التي ندل على حال صاحبها ، وما دامت حالته تدل على الحاجة ، فكان يجب أن يجد ما يكفيه من السؤال ، وإذا ما سأل مجرد سؤال فكأنه ألحف أي ألح في المسألة ، بينما المسكين الذي له شيء لكنه لا يكفيه ويسأل الناسَ ويطوف بهم، لقوله تعالى : ( لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقْ عَلَيْهِ وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ ) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي . والحديث يبيّن الأَوْلى منه بالصدقة وهو من لا يسأل الناسَ ولا يُفطن له بالصدقة، ولا يجد ما يغنيه ، أمّا المسكين فهو واجِدٌ ما يغنيه طالَمَا سألَ الناسَ وفطن له بالصدقة، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ في البحر ﴾ الكهف 79 . فسمّاهم مساكينَ مع أنّ لهم سفينة يعملون فيها. فابحث عن الفقير و لا تنتظره ليبحث عنك ، ولا تحتقره وتنقص من شأنه نكسب ثواب الصدقة و ثواب البحث عنه . فالله يريد من المؤمن أن تكون له فراسة نافذة بحيث يتبين حال أخيه المؤمن بالنظرة إليه ولا يدعه يسال ولنا العبرة في تلك الواقعة ، فلقد دق أحدهم الباب على أحد العارفين فخرج ثم دخل وخرج ومعه شيء ، فأعطاه للطارق ثم عاد باكيا ، فقالت له امرأته : ما يبكيك ؟ قال : إن فلاناً طرق بابي قلت : وقد أعطيته فما الذي أبكاك ؟ قال لأني تركته إلى أن يسألني . فالعارف بكى ، لأنه أحس بمسئولية ما كان يجب عليه أن يعرفه بفراسته .
روى ابن ماجة عن سهل بن سعد الساعدي قال : (مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما تقولون في هذا الرجل ؟ قالوا رأيك في هذا نقول هذا من أشرف الناس ، هذا حري إن خطب أن يخطب ، وإن شفع أن يشفع وإن قال أن يسمع لقوله ، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ، ومر رجل آخر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما تقولون في هذا ؟ قالوا نقول والله يا رسول الله هذا من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب لم ينكح ، وإن شفع لا يشفع ، وإن قال لا يسمع لقوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا خير من مل الأرض مثل هذا ) .
والتصدق والإنفاق على الفقراء والمحتاجين ثوابه عظيم عند الله فالله يضاعف الصدقة أضعافًا كثيرة قال تعالى :﴿ إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم ﴾البقرة 270 . وقال تعالى:﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ البقرة 274. في الآيات ما يدل على أن الصدقة الواجبة ، والإنفاق في المصالح العامة كبناء المدارس والدعوة إلى الدين والجهاد ونفقة التطوع بقصد ترغيب الآخرين في التصدق ينبغي إعلانها ، وهو أفضل من الإخفاء ، وأما الصدقة على الفقراء لسد حاجاتهم فإسرارها أفضل من إعلانها ، ستراً لحالهم وحفظاً لكرامتهم ، والصدقة من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله عز وجل؛ ودليل ذلك ما روي عن ابن عمر مرفوعاً : ( وإن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مؤمن، تكشف عنه كرباً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً ) . والصدقة تدفع المصائب والكروب والشدائد ، وترفع البلايا والآفات والأمراض . قرأت قصة لرجلٍ كان له ابن يبلغ من العمر خمس سنوات وفي أحد الأيام مرض الطفل مرضاً شديداً ، فأخذه الأب للطبيب كي يعرف سبب مرضه ، فقال له الطبيب بأن طفله يعاني من مرضٍ خبيث ، ولا يمكن شفاؤه ومصيره الموت المؤكد بعد فترة ، حزن الرجل حزناً شديداً ، ولكنه تذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( داوو مرضاكم بالصدقة ) وكان الرجل يتهجد ليلا ، فلما استيقظ كعادته للتهجد والدعاء قرر أن يخرج للشارع وأن يبحث عن إنسان فقير يتصدق عليه ولكنه لم يجد ، لكنه رأى قطة جميلة بيضاء ترضع أولادها وقد كانت جائعة جداً ، فرجع إلى منـزله فوراً وأحضر لها كمية من اللحم على نية الصدقة لوجه الله ، وذهب إلى المسجد ليصلي الفجر ، ولما رجع إلى بيته نام نومة رأى فيها حلماً غريباً رأى غراباً كبيراً أسود اللون ينقض على ابنه ، وهو يبكي طالباً المساعدة ، وإذا بقطة جميلة بيضاء تهجم على الغراب وتمزقه استيقظ الرجل صباحاً لا يعرف معنىً لهذا الحلم الغريب ، ولما ذهب بالطفل إلى الطبيب كي يجري له بعض الفحوص والتحاليل ، استغرب الطبيب عندما اكتشف بأن الطفل لا يشكو من أية علة . فتذكر الرجل الحلم الذي رآه والصدقة التي أنفقها سراً في ظلمات الليل ، وحمد الله على ذلك وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال : ( صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات ) .

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *